قصص

الأديب نجيب محفوظ حكايات حارتنا حكاية رقم 3

نجيب محفوظ حكايات حارتنا حكاية رقم 3

اليوم جميل ولكنه يعبق بسر.
أبي ينظر إلي باهتمام. يبتسم لي برقة و هو يحتسي قهوته. و هو يهم بالذهاب يداعب شعري ويرتب على منكي بحان ثم يمضي.

و أمى تقوم بعملها اليومي بعصبية، تغضى عن عبثي وتقول لي مشجعة:
— العب يا حبيبي..
لا نظرات و تهديد و لا زجر و لا وعيد.

و أصعد إلى السطح بعض الوقت و لما أرجع أجد أمامي جارتنا الشامية أم برهوم. أعدو ‘لى المطبخ لأخبر أمي و لكني لم أجدها. و أنادي عليها بلا جدوى فتقول لي أم برهوم:
— نينتك ذهبت في مشوار، و أنا معك حتى ترجع..
قأقول محتجا:
— و لكني أريد أن ألعب في الحارة.
— و تتركني وحدي وأنا ضيقتك؟
و أصبر متضايقا.

ويدق الباب فتومئ لي بالانتظار وتذهب. تغيب دقيقة و إذا بعم حسن الحلاق و مساعده يدخلان باسمين فقلت لهما من فوري:
— أبي خرج.
فقال العجوز:
— نحن ضيوف!، سنريك لعبة فريدة.

وجلس على كنبة و هو يبسمل ثم قال و هو يخرج من حقيبته أدوات بيضاء لامعة:
— يسرك بلا شك أن تتعلم كيف تستعمل هذه الأدوات.
و أهرع نحوه متملصا من ارتباكي!
و يجيء مساعده بمقعد فيجلسني عليه أمام المعلم قائلا:
— هكذا أفضل.

و إذا بيديه تكبلاني من الذراعين و الساقين بقوة و إحكام فكأنها
ألصقت بالغراء و المسامير، فصرخت غاضبا:
— ابعد عني.
و استغثت بأم برهوم و لكنها كانت فص ملح ذاب..

حكايات حارتنا حكاية رقم 3

و لم أفهم شيئا مما يحدث حتى بدأت العملية الرهيبة، ها أنا أعاني هجمة وحشية طاغية لا أستطيع لها دفعا و لا منها مفرا. و ها هو الألم الحاد القاسي ينشب أظافره الشوكية فى لحمي و ينساب بمكر شيطان إلى أطراف جسمي و صميم قلبي. و ها هو صراخى يدك الجدران و يجتاح أرجاء حارتنا.

لا أدري ماذا يدور مدة من الزمن. أغوص فى الماء بين اليقظة والنوم. تمر بى أجيال من الألوان و المخاوف و الأحزان.
وعند نقطة من الزمن تلوح لي أمي بوجه يرنو بالاعتذار و التشجيع.
و قبل أن أفتح فمي محتجا أو متهما تضع بين يدي هدايا الشكولاته والملبس.
و أعيش أياما بين ذكريات أليمة و كنوز من الحلوى بألونها البهيجة.. و يمتلئ البيت يالإخوة و الأخوات. و أنتقل من مكان إلى مكان مفرجا بين فخذي مبعدا بيدي الجلباب عن جسدي.

كتاب حكايات حارتنا للأديب نجيب محفوظ

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: Content is protected !!
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock