موقف الاسلام من الطب
موقف الاسلام من الطب

موقف الاسلام من الطب – تاريخ الطب والأطباء المسلمين

موقف الاسلام من الطب، نحن مأمورون بالتداوي شرعا، وهي مسألة محسومة في السيرة
النبوية، حتى إن النبي صلي الله عليه وسلم كان يسمح للنساء بالتطبيب عند الضرورة.
ويوضح الإمام الذهبي رحمه الله عدم منافاة التطبب والعلاج للتوكل
على الله، فيقول: “التوكل اعتماد القلب على الله، وذلك لا ينافي الأسباب
ولا التسبب، فإن المعالج الحاذق يعمل ما ينبغي ثم يتوكل على الله في
نجاحه، وكذلك الفلاح يحرث ويبذر ثم يتوكل في نمائه ونزول الغيث.
قال تعالى: “خذوا حذركم” سورة النساء
وقال عليه الصلاة والسلام: “اعقلها وتوكل”
ومما ينسب إلى الإمام الشافعي قوله: “لا أعلم علما بعد الحلال والحرام أنبل من الطب”
حتى إن الإمام مالك -رحمه الله- جعل علم الطب من العلوم المحترمة
بعد علم الشريعة، فلا يجوز امتهان ورق به كلام طبي لشرفه وكرامته!
وتعاليم الإسلام كانت رائدة في النهضة بالصحة العامة للمجتمع
والخاصة لكل فرد. فهذا هو الفيلسوف البريطاني “برنارد شو” في مقدمة كتابه” حيرة الأطباء”
يقول أن الاستعمار البريطاني عندما Dilemma The Doctors
احتل بعض الجزر وضع خطة لتغيير دين السكان، فأرسل وفود المبشرين ليبعدوهم عن الإسلام.
ثم يقول “برناردشو” أن الاستعمار للأسف الشديد قد نجح في ذلك ولكن
كانت النتيجة هي تفشي الأوبئة والأمراض الفتاكة بينهم “بسبب بعدهم
عن تعاليم الإسلام التي كانت تأمرهم بالطهارة والنظافة على كل شيء
إلى حد التدقيق على تقليم الأظافر”.
ونقل الدكتور شوقي الفنجري نصوصا بديعة توضح بعض ما قدمه
الإسلام لمهنة الطب من فضل:

أولا: فالإسلام أتى بنظرية علمية وواقعية عن مفهوم المرض ويعترف
بالطب والأطباء والدواء. فقبل الإسلام كانت الفكرة السائدة في العالم أن
المرض شيطان ويدخل جسم الإنسان عقابا له على معصية ارتكبها في
حق الآلهة وأن السبيل الوحيد للشفاء هو صلاة الغفران لكي تطرد
شيطان فإذا لم يشف المرض فمعنى ذلك أن إيمانه ما يزال ضعيفا.
وكانت الكنيسة في القرون الوسطى تمنع الناس من التداوي وتحارب
العلماء وتحرق كتبهم أو تضعهم على الخوازيق بتهمة السحر والشعوذة
وتحدي إرادة الله.
ويصف برنارد شو هذه الحالة قائلا “كان الناس يستغنون عن الأطباء
ويوكلون العلاج إلى العناية الإلهية، ولم يمكن التخلص من هذا الإعتقاد
الذي كان سائدا في بريطانيا حتى القرن التاسع عشر إلا بسن قانون
يقضي بحبس الأب الذي يموت والده دون أن يعرضه على الطبيب بحبسه لمدة ستة أشهر” .
فلننظر الآن إلى تعاليم الإسلام في هذا المجال:
فعندما هاجر الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة جاءته أسر
المرضى يطلبون على يديه الشفاء.. فكان يزور المرضى ويدعو لهم
بالشفاء ويقول تداووا عباد الله.. فإن الله تعالى لم ينزل داء إلا أنزل له
الدواء. رواه الترمذي وأبو داود.

ثانيا: ومن أفضال الإسلام على الطب أنه قد نفى هذه المهنة من
الخرافات التي كانت عالقة بها والتي كانت تصاحب العلاج: مثل وضع
التمائم من رؤوس الحيوانات ومثل الوشم وقراءة الطالع والنجوم وزجر
الطير والاستقسام والأزلام وضرب القداح.
وفي هذه يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم “من علق تميمة فلا أتم الله له”
وقد بلغ من حزم الإسلام في هذه الأمور قول الرسول صلى الله عليه
وسلم “من أتى كاهنا أو عرافا فآمن بما يقوله فقد كفر بها انزل على محمد”
وبذلك وضع الإسلام حدا فاصلاً بين الطب والكهانة.. وكانت كلاهما
مهنة واحدة حيث كان الطبيب يسمى الكاهن أو العراف.
وقد أعلن الإسلام حقيقة علمية خطيرة وهي أن كل مرض في هذه الدنيا
له علاج يشفيه إلا داء واحداً وهو الهرم أي كبر السن وأنه إذا كانت
هناك أمراض لا نعرف لها دواء اليوم فذلك راجع إلى قصور في علمنا
وأن علينا أن نجتهد ونبحث حتى نجد لها العلاج الشافي. وفي ذلك
يقول صلى الله عليه وسلم: “أن الله لم ينزل داء إلا له دواء علمه من
علم وجهله من جهل فإذا أصيب دواء الداء برأ المرض بإذن الله” رواه
الترمذي وأحمد.

ثالثا: والإسلام أمر بالنظافة الشخصية كوسيلة للوقاية الصحية
وأعتبرها مكملة للإيمان “النظافة شطر الإيمان”
ونفى أن تكون القذارة نوعاً من التواضع لله والتقرب إليه. وقد أشار
الإسلام إلى تلوث الأطعمة والملابس والأيدي، وحبب في الطهارة ونهى
عن النجس والقذارة وحدد المواد النجسة فمنها القيح أي الصديد
والبراز والقيء ولعاب الكلب وجسم الخنزير وكل شيء عفن مثل بقايا الحيوان.
كما أطلق الطهارة على الشيء الخالي من هذه النجاسات وحدد طرق
الطهارة بالغسيل بالماء الجاري أو الحرق بالنار أو الغلي في الماء أو التجفيف.
ولم يترك الإسلام تعاليمه عن النظافة بصفة عامة ومطلقة بل إنه دقق
على نظافة كل عضو من جسم الإنسان يمكن أن يكون منفذا للمرض أو
مصدراً له.. وعلى سبيل المثال قول الرسول صلى الله عليه وسلم “قلم
أظافرك فإن الشيطان يقعد على ما طال تحتها”
والإسلام أول ما أشار إلى الحجر الصحي قبل أن تعرفه الإنسانية. وفي
ذلك يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم “لا يوردن ممرض على
مصح” (البخاري) ومعنى الحديث أنه لا يجوز أن يختلط المريض،
بمرض معد، بالأصحاء بل يبقى بمعزل عنهم حتى لا ينقل إليهم العدوى.
ويقول أيضاً صلى الله عليه وسلم “أن من القرف التلف” رواه أبو
داود… والقرف هو مقارفة المريض أي الإختلاط به والتلف هو الهلاك أي العدوى والمرض.
وقد طبق الرسول عليه الصلاة والسلام هذا المبدأ على المجذومين فقد
جاءه رجل مجذوم لكي يبايعه فلما استأذن بالدخول قال له الرسول
“أبلغوه أنا قد بايعناه فليرجع” وقال أيضا “إجعل بينك وبين المجذوم قدر رمح أو رمحين”

رابعا: وقد جاء الإسلام بقاعدة علمية في مكافحة الأوبئة كالكوليرا والطاعون والجدري.
إذ يقول عليه السلام “إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليها وإذا وقع
بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا منها فرارا منه”
فهذه القاعدة هي نفس ما تطبقه الدول للوقاية من الأوبئة في عصرنا
الحديث إذ يمنع الدخول إلى المنطقة الموبوءة كما يمنع من فيها من الخروج منها.
ولكي نعرف قيمة هذا الحديث النبوي الذي جاء في القرن السابع
the story of medicine الميلادي أقرأ الفقرة من كتاب قصة الطب
فعندما ظهر وباء الطاعون في فلورنسا ، by Joseph Garland
سنة 1348 كان الناس في المناطق الموبوءة يأمرون بالفرار منه
بأسرع ما يمكنهم والى أبعد ما يستطيعون ولم يكن ذلك الفرار بالبداهة
يؤدي إلا إلى ازدياد رقعة الوباء حتى وصل إلى روسيا سنة 1352
وكأنه كان حريقاً في غاب لم ينطفئ لهيبه إلا بعد أن أكل ربع سكان أوروبا.

خامسا: قد جاء الإسلام بأوامر محددة وقاطعة تساير أحدث النظريات
العلمية في القضاء على بعض الأمراض المتوطنة. يقول رسول الله
صلى الله عليه وسلم ” لا يبولن أحدكم في الماء الدائم فان عامه
الوسواس منه” رواه ابن ماجه
ويقول أيضا عليه الصلاة والسلام “اتقوا الملاعن الثلاث التبرز في الظل
وفي الموارد وفي طريق الناس”.
فمن المعروف مثلا أن مرض البلهارسيا ينتقل إلى الناس عندما يتبول
المريض في الماء وخاصة الماء الراكد (الدائم) وإننا لو منعنا المرضى
من التبول في الماء لقضينا على المرض وهذه حقيقة علمية لم تكن
معروفة إلا في القرن التاسع عشر عندما اكتشف العالم الألماني
بلهارس دورة حياة البلهارسيا.

روائع تاريخ الطب والأطباء المسلمين – د. إسلام المازني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: Content is protected !!