قصة أرني الله – للكاتب توفيق الحكيم

كان في سالف العصر والاوان رجل طيب السريرة صافي الضمير ، رزقه الله طفلا ذكي الفؤاد ذلق اللسان .. فكانت امتع لحظاته ساعة يجلس الي طفله يتحادثان كأنهما صديقان فيلحظ أن فارق السن وفاصل الزمن يرتفع من بينهما كستارة وهمية من حرير فإذا هم متفقان متفاهمان ، لهما عين العلم وعين الجهل بحقائق الوجود وجوهر الاشياء …
وقال الرجل يوما الي طفله
شكرا لله ! أنت لي نعمة من الله .
فقال الطفل :
إنك يا أبي تتحدث كثيرا عن الله أرني الله .
– ماذا تقول يا بني ؟؟
لفظها الرجل فاغر الفم ، ذاهل الفكر ، فهذا طلب من الطفل غريب لا يدري بما يجيب عنه وأطرق مليا ثم التفت الي ابنه مرددا كالمخاطب نفسه :
– تريد ان أريك الله؟
– نعم أرني الله !
– كيف اريك ما لم اره انا نفسي ؟؟
– ولما ذا يا أبت لن تره ؟
– لأني لم أفكر في ذلك قبل الان .
– وإذا طلبت منك ان تذهب لتراه ثم تريني أياه ؟
– سأفعل يابني سأفعل .

قصة أرني الله

قصة أرني الله - توفيق الحكيم

قصة أرني الله – توفيق الحكيم

ونهض الرجل ومضي لوقته وجعل يطوف بالمدينة يسأل الناس عن بغيته ، فسخروا منه ، فهم مشغولون بأعمالهم الدنيوية فذهب الي رجال الدين فحاوروه وجادلوه بنصوص محفوظه ، وصيغ موضوعة فلم يخرج منهم بطائل فتركهم يائسا ومشي في الطرقات مغموما يسائل نفسه : أيعود الي طفله كما ذهب خاوي اليد مما طلب ؟ وأخيرا عثر بشيخ قال له :
– اذهب الي طرف المدينة تجد ناسكا هرما لا يسأل الله شيئا إلا استجاب له فربما تجد عنده بغيتك .
فذهب الرجل توا الي ذلك الناسك وقال له:
– جئتك في أمر أرجو الا تردني عنه خائبا .
فرفع اليه الناسك رأسه بصوت عميق لطيف :
– أعرض حاجتك !
-أريد أيها الناسك أن تريني الله .
فأطرق الناسك وأمسك لحيته البيضاء بيده وقال :
– أتعرف معني ما تقول ؟؟
– نعم أريدك أن تريني الله .
فقال الناسك بصوته العميق اللطيف :
– أيها الرجل ! إن الله لا يري بأدواتنا البصرية ولا يدرك بحواسنا الجسدية وهل تسبر عمق البحر بالاصبع التي تسبر عمق الكأس ؟
– وكيف اراه إذا ؟
– إذا تكشف هو لروحك .
– ومتي يتكشف لروحي ؟
– إذا ظفرت بمحبته .
فسجد الرجل وعفر التراب جبهته وأخذ يد الناسك وتوسل اليه قائلا :
– ايها الناسك الصالح سل الله أن يرزقني شيئا من محبته.
فجذب الناسك يده برفق وقال :
– تواضع أيها الرجل وأطلب أقل القليل
– فلأطلب إذا مقدار درهم من محبته
– ياللطمع !! هذا كثير كثير
– ربع درهم إذا ؟
– تواضع تواضع
– مثقال ذرة من محبته ؟
– لا تطيق مثقال ذرة منها
– نصف ذرة إذا ؟؟
– ربما
ورفع الناسك رأسه الي السماء وقال: يارب ارزقه نصف ذرة من محبتك !

قصة أرني الله – توفيق الحكيم

وقام الرجل وانصرف ومرت الايام ، وإذا اسرة الرجل وطفله وأصحابه يأتون الي الناسك ويفضون اليه بأن الرجل لم يعد الي منزله وأهله منذ ان تركه ، وأنه اختفي ولا يدري أحد مكانه فنهض معهم الناسك قلقا ، ولبثوا يبحثون عنه زمنا الي أن صادفوا جماعة من العامة قالوا لهم : ان الرجل جن وذهب الي الجبال ودلوهم علي مكانه فمضوا اليه فوجدوه قائما علي صخرة شاخصا ببصره الي السماء فسلموا عليه فلم يرد السلام فتقدم الناسك قائلا :
– انتيه الي ! انا الناسك فلم يتحرك الرجل ، فتقدم اليه طفله جزعا ، وقال بصوته الصغير الحنون :
– يا ابت ألا تعرفني ؟؟
فلم يبد حراكا وصاحت أسرته وذووه من حوله محاولين أيقاظه ، ولكن الناسك هز رأسه قانطا وقال لهم :
– لا جدوي !! كيف يسمع كلام الادميين من كان في قلبه مقدار نصف ذرة من محبة الله !
والله لو قطعتموه بالمنشار لما علم بذلك .
وأخذ الطفل يقول : – الذنب ذنبي انا الذي سالته ان يري الله .
فالتفت اليه الناسك وقال وكأنه يخاطب نفسه :
– أرأيت ؟!! أن نصف ذرة من نور الله تكفي لتحطيم تركيبنا الادمي وأتلاف جهازنا العقلي

 

من كتاب أرنى الله لـ توفيق الحكيم


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: Content is protected !!