هل سوق مال البورصة من نوع واحد
سوق مال البورصة

هل سوق مال البورصة من نوع واحد؟

بالطبع لا توجد سوق مال بورصة من نوع واحد؛ فهناك العديد من أشكال السوق تحت مسمَّيات متشابهة، تتضمَّن جميعًا شكلًا من إجراءات المزايدة المفتوحة بشكل واضح على منتجات قابلة للتبادل، وكأنها بازار شرقي، وسوف ينطبق معظم ما سيرد في هذا الفصل عليها جميعًا تقريبًا، ولكن الافتراض الأساسي وراء كل شيء نقوله سيتمثَّل في كونها جميعًا تُدار بأمانة؛ إذا بَدَا بعضها يُدار على الحافة الخطرة للأمانة — وهو ما يُعَدُّ حتميًّا بالنظر إلى المغريات — فليكن. ولا ينبغي أن يكون لهذا الفصل أيُّ تأثير على رجال الأعمال الكبار أو كبار المسئولين السياسيين، الذين لديهم مدخل لمعلومات مربحة غير متاحة لبقيتنا. إن استخدام مثل هذه المعلومات يكون غير قانوني بشكل سافِر تارةً، وتارةً لا يكون سافِرًا لدرجة كبيرة، بل أحيانًا يكون قانونيًّا أيضًا، ولكن هذا ليس له صلة إطلاقًا بفن وعلم صنع القرار. إن هذه الفكرة تعيد للأذهان النصيحةَ المشهورة التي أسداها قس لرعيته؛ فقد كان يحثهم على أن يسيروا دائمًا على الخط المستقيم الضيق بين الخير والشر. ربما لم يكن يقدِّر قيمةَ ما كان يقوله، إلا أن تلك ربما تكون أفضلَ طريقة لتحقيق مكاسبَ تَفُوق متوسطات سوق المال، مع تجنُّب الوقوع في الجريمة.

استراتيجيات مثالية للاستثمار

السؤال الماثل أمامنا هو حول إذا ما كانت نظرية القرار تسدي أيَّ نفع يُذكَر في العثور على استراتيجيات مثالية للاستثمار. لقد اجتاحَتْ برامج الكمبيوتر البلادَ على مدار العقد السابق أو نحو ذلك، وكان من شأن هذا أن يزيد زيادةً جامحةً برامجَ الكمبيوتر الخاصة بتحليل الأسهم. من الواضح أن ثمة فكرة قد أُدرِكت، بشكل صحيح أو خاطئ، مفادها إمكانية إيجاد ربح في التحليل المحوسب لسوق البورصة؛ ولا شك أن الطابع الغوغائي الذي يصاحب بيع نفس البرامج واللوغاريتمات عدة مرات لمستثمرين مستقلين، يمكن أن يقوض التنوُّعَ اللازم للحفاظ على سوق عادلة ومستقرة؛ فحين يحوز الجميع نفس برنامج الكمبيوتر — سواء أكان جيدًا أم سيئًا — ويخبر هذا البرنامجُ الجميعَ بأن يبيعوا أو يشتروا الأسهمَ في نفس الوقت — سواء أكان ذلك صحيحًا أم خاطئًا — يمكن أن تكون النتيجة فوضوية؛ وهذا يحدث من آنٍ لآخَر، ويبدو أن الناس ينسون أن برنامج الكمبيوتر الذي يستخدمونه كُتِب بواسطة أشخاص غالبًا ما لا يكونون أكثر حكمةً ممَّا قد يكونون عليه هم أنفسهم، ويتمثَّل عملهم في بيع مثل هذه المنتجات. ولكن بمجرد أن تُطمَر المعرفة التقليدية في برنامج كمبيوتر وتصبح جزءًا لا يتجزأ منه، يصبح لها كيان مستقل خارج عن السيطرة. (وكل كاتب يعلم ذلك؛ فحين ترى كتابك أو مقالك في شكل مطبوع، يبدو موضع سلطة أكثر بكثيرٍ ممَّا كان يبدو عليه وهو مخطوط يدوي.)

 

ولعل المثال الكلاسيكي لسيكولوجية الغوغاء في الأسواق المالية كان متمثِّلًا في جنون التيوليب الرهيب الذي شاع في أوروبا في مطلع القرن السابع عشر. (يُعَدُّ الكتاب الممتع «أوهام شعبية استثنائية وجنون القطيع»، تأليف تشارلز ماكاي، مصدرًا رائعًا لهذا الحدث وأحداث أخرى مماثلة.) كان الاستثمار في التيوليب قد وصل إلى درجة أن الناس كانوا يدفعون ما يعادِل دخْلَ عامٍ كامل مقابل بصيلة واحدة، واثقين من أنهم مهما دفعوا، يمكنهم أن يبيعوها بمقابل أكبر خلال شهر أو نحو ذلك. كانت نوبة جنون انهارَتْ في النهاية من تلقاء نفسها، مثل أي برنامج لطرح شيكات من دون رصيد في السوق، أو للرسائل المسلسلة. وترد كلمة جنون التيوليب tulipomania، الآن في جميع القواميس الجيدة تقريبًا، ومع الاتصال الجماهيري الحديث، صرنا أكثر عرضةً من أيِّ وقت مضى لنوبات الذعر المالي.

التداول في البورصة

الفرضية الأساسية التي تقوم عليها جميع عمليات التداول في البورصة هي أن سعر أي سهم (أو أيًّا ما يتم التداول عليه في عملية التداول تلك بالذات) محدد بشكل مُنصِف، من خلال المزايدة التنافسية المفتوحة من جانب المشترين المحتملين، والعروض التنافسية المفتوحة من جانب البائعين المحتملين. (حتى السعر المتَّفَق عليه، كما هو الحال بالنسبة إلى أزهار التيوليب، يمكن أن يكون بمنزلة مرشد سيئ للقيمة الحقيقية، ولكن من الضروري الاتفاق على سعرٍ ما قبل أن تكون هناك إمكانية لإتمام الصفقة.) ولما كانت الأسهم المعروضة للبيع، شأنها شأن الأوراق الدولارية، قابلةً تمامًا للتبادُل (فسهم عادي لشركةٍ ما له نفس قيمة أي سهم عادي لشركة أخرى؛ هذا هو معنى كلمة «مثيلة»)، فلا يوجد سبب يدفع المشتري لعدم الشراء بأقل سعر متاح، ولا يوجد سبب يدفع البائع لعدم أخذ أعلى عطاء. ودائمًا ما يوجد «بعض» المشترين و«بعض» البائعين مَن يمكن التوفيق بينهما من خلال عملية مفاوضة بسيطة، وتحسم الصفقة، ملايين المرات في اليوم الواحد؛ فالسوق لديها آليات متطوِّرة ولكنها غير مثالية لطمأنة المستثمرين (وأيضًا لطمأنة هيئة الأوراق المالية والتداولات) بأن هذه العلانية هي في الواقع في محلها، وأن السماسرة والوسطاء يحصلون على عمولات من كلٍّ من البائعين والمشترين لتوفير خدمة التداول. سيكون فقط علينا أن نفترض أن كل هذا يؤتي جدواه، على الرغم من وفرة الصفقات الخاصة بالطبع، والكثير منها قانوني تمامًا. ودائمًا ما تظهر الفضائح في مجال التداول كظهور طيور أبي الحناء والديدان في الربيع؛ والدافع موجود بالتأكيد.

 

 


 

الاستثمار: البورصة كتاب: لماذا تعتمد على الحظ؟ فن وعلم اتخاذ القرارات الصائبة – تأليف: هارولد دبليو لويس
ترجمة: شيماء طه الريدي – نهلة الدربي | مراجعة: محمد فتحي خضر | مؤسسة هنداوي

لتحميل الكتاب من الموقع الرسمي لمؤسسة هنداوي: من هنا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: Content is protected !!