إدارة أعمال

هل التفكير الإبداعي بهذه الأهمية

لمَّا كان الإبداع روحًا حرة قد تتهرَّب من المدرسة أو العمل بسعادة وتقضي ساعات في أحلام اليقظة بالحقول الفسيحة، فإنه يمثِّل الطفل الكامن بداخلنا جميعًا الذي يتوق للحرية. وعندما يُقيَّد الإبداع بالروتين أو يُحصر بالتوقعات، فإنه يصارع من أجل البقاء. فهو يعتمد على الفرص الجديدة في طرح أفكار جديدة من شأنها أن تمدَّ العقل والروح بالأكسجين. ومتى خُنق أيٌّ منهما بأيِّ عدد من العوامل الخفية أو مُعْلنة القسوة، يُقتل الإبداع.

التفكير الإبداعي مشكلات وحلول

التفكير الإبداعي يمكِّن الناس من التعامل مع المشكلات والحلول بطرق أكثر ابتكارًا. وفيما يتعلَّق بالقدرة على دمج الأفكار الموجودة بالفعل في تركيبات جديدة، فإننا لا يمكننا — دون التفكير الإبداعي — أن نتعلَّم كيف نتأقلم من أجل أن نتمكَّن من التعامل مع المستقبل؛ فسنبقى دائمًا عالقين في الماضي ولن نتمكن من البقاء.

التفكير الابداعي
التفكير الابداعي

الدليل دامغ على أن الإبداع في الوقت الحالي مهارة شديدة الأهمية للعمل والحياة. ويقول باحثون عديدون إن عدم القدرة على التفكير على نحو إبداعي هو عامل خطر ذو شأن لأيِّ مؤسسة. ففي تحدٍّ تقليدي للتفكير التباعدي التقاربي والذي قاس القدرة على التفكير على نحو إبداعي، تبيَّن أن أولئك الذين كانوا أكثرَ نجاحًا في مهامِّ تحديد المشكلات وحلها يمتلكون علاقات أفضل. إذ مكَّنهم التفكير الإبداعي من اكتساب مزيد من المرونة، التي بدورها عززت قدرتهم على التعامل مع الضغط وإيجاد الحلول بدلًا من النظر إلى المشكلات على أنها عوائق. وقد وجدت دراسة أجريت على ١٥٠٠ طالب أمريكي في المرحلة الإعدادية أن أولئك الذين يمتلكون مهارات تفكير إبداعي جيدة غلب عليهم امتلاك مزيد من الثقة في المستقبل، موقنين أنهم سيقدرون على التوصل لحلول إبداعية لأي مشكلة تظهر في طريقهم. تبيَّن كذلك أن الطلاب الذين زاد معدل خوضهم تجربة الإبداع، تزيد درجة التزامهم في المدرسة، ويتحصَّلون على نتائج أكاديمية أفضل، ويزيد احتمال مكوثهم بالدراسة لمدة أطول.

مهارة التفكير الإبداعي

من المسلَّم به الآن على نطاق واسع أن الإبداع مهارة عمل بالغة الأهمية. وفي استطلاع حديث أجرته شركة آي بي إم لأكثر من ١٥٠٠ مديرٍ تنفيذيٍّ من ٣٣ مجالًا مختلفًا ومن ٦٠ دولة مختلفة، صُنف الإبداع على أنه أكثر خصال القيادة أهمية (تبلغ نسبة أهميته ٦٠ بالمائة) وأنه أكثر أهمية حتى من النزاهة (التي تبلغ نسبة أهميتها ٥٢ بالمائة) والتفكير العالمي (تبلغ نسبته ٣٥ بالمائة). وحدَّدت آي بي إم عددًا من العوامل التي تميِّز «القادة المبدعين»، وتوصَّلتْ إلى أن ٨١٪ منهم يُصنِّفون الابتكار على أنه «مقدرة أساسية». فأولئك القادة يستطيعون الابتعاد عن كل المناهج والنماذج الاعتيادية للتوصل إلى حلول جديدة تميِّزهم عن العامة.
لا يمكِّننا التفكير الإبداعي من التعامل بكفاءة مع المشكلات الحالية فحسب، بل يمكِّننا أيضًا من توقُّع المشكلات المحتملة والتوصل إلى حلول مُثْلَى. ومع ذلك يُقوَّض الإبداع دون قصد كلَّ يوم في بيئات العمل التي تأسست — لأسباب منطقية تمامًا — بغرض تحسين مستويات ضرورات العمل إلى أقصى حد مثل تنسيق الأعمال والطاقة الإنتاجية والسيطرة. فلا يُتوقع من المديرين تجاهل ضرورات العمل، لكن في سعيهم لتلبية هذه الضرورات قد يصمِّمون نُظُمًا تَسْحَقُ الإبداع بصورة منهجية دون قصد.

وشرح أحد الرؤساء التنفيذيين لمؤسسة مالية من بين الذين التقينا بهم الوضعَ قائلًا:

«إذا طلبتُ من أعضاء فريقي تسلُّق ذلك الجبل فإنهم رائعون، أما إذا سألتهم أن يختاروا الجبل ليتسلقوه فسوف يحدقون بي تحديقًا.»
ووفقًا للدكتور جيفري ويست الذي أُجريت معه مقابلة حول موضوع «لماذا تستمر المدن في النمو وتنهار الشركات ويموت الناس دائمًا، وتزداد وتيرة الحياة؟» إن الابتكار ضروريٌّ لبقاء حضارتنا، بكل ما تحمله الكلمة من معنًى. ويعتقد ويست بصفته عالم فيزياء والرئيس السابق لمعهد سانتا في أَنَّك إذا كنت تسعى للحصول على دورات لا نهائية من النمو (كما في نظامنا الرأسمالي الحالي)، يجب أن تمتلك الابتكار لدعم هذه الدورات. لكن المشكلة هي أننا بحاجة إلى الابتكار في وقت أسرع وأسرع حتى نواكب وتيرة النمو. اكتشف ويست أن وتيرة الحياة تزداد سرعة أيضًا مع زيادة تعداد السكان.

ويست فيقول:

«إن كل ما يجري في نيويورك اليوم يَسيرُ بوتيرة نظامية أسرع مما يجري في سان فرانسيسكو ومما يجري في سانتا في، وذلك حتى ينطبق على سرعة سير الأقدام هناك، فالوقت هناك يمر بسرعة أكبر فأكبر. لذا عليك أن تأتي بابتكارات بوتيرة أسرع فأسرع حتى تتجنَّب الانهيار. وينتج كل ذلك من النمو الأُسِّي الذي يحفزه التوسع الخطي الفائق.»

توضيح ويست

ويوضح ويست أن الحضارات والمؤسسات كافة تتبع ما يسمى بمنحنى النمو السيني حيث تتوقف أو تعيد ضبط اتجاهها بعد فترة زمنية معينة. وبالنسبة لجميع المؤسسات، فإن النمو عادةً ما يتوقف عند نفس النقطة — حوالي نصف تريليون دولار — أو بعد أربعين عامًا أو ثلاثة أجيال. وحتى هذه اللحظة، يشير المنحنى السيني إلى أن المبيعات آخذة في الزيادة بثبات، لكن نسبة الأرباح إلى المبيعات آخذة في التناقص بثبات. ونظريًّا يوضح المنحنى أن هذه النسبة تصل في نهاية المطاف إلى الصفر، إلا أن تقلبات السوق تُنهي حياة المؤسسات قبل الوصول إلى هذه النقطة.

عادةً ترى المؤسسات هذا النذير لأول مرة عند هذه النقطة، فتبدأ في تقليل النفقات على الابتكار، مثلًا من خلال تقليص ميزانيات الأبحاث والتطوير، في الوقت الذي تشتدُّ فيه الحاجة إليه. وما يقتل المؤسسات في نهاية المطاف هو قلة البصيرة التي عادة ما تتسم بها المؤسسات في تلك المرحلة الحرجة من دورة حياتها. وتخنق الضروريات الشركات عندما تسمح لنفسها بأن تقع تحت سيطرة البيروقراطية والإدارة بدلًا من الإبداع والابتكار، وهو أمر لا مَفَرَّ منه وفقًا لويست.

الإبداع شديد الأهمية

ومن ثم، فإن الإبداع شديد الأهمية لبقاء الأفراد والمؤسسات. والأكثرُ أهميةً التفكيرُ الإبداعي الذي يعاوننا على إنقاذ العالم؛ لأنه يمكِّننا — نحن البشرَ — من الحلم وتخيل مستقبل أفضل ومن تنفيذ هذه الرؤيا. عندما حدَّد مارتن لوثر كينج رؤيته للمستقبل في خطبته الشهيرة «لديَّ حلمٌ …» فإنه جسَّد موهبة التفكير الإبداعي ومقدرتها على خلق الدافع للتغيير وعلى التحفيز لثورة حقيقية. ودوَّن هذه الشرارة الإبداعية، وهي شرارة لا بدَّ لها أن تشتعل إلى حد ما داخلنا جميعًا، فإن جذوة الحياة ذات المعنى، ووجودنا برمته سيكون بلا مضمون أو غرض حقيقي. فالتفكير الإبداعي ضروريٌّ لتطور الجنس البشري واستمرار الحياة لما هو أسمى من مجرد البقاء المادي. وإذا أعدنا النظر إلى الماضي، فسنجد أن العديد من الأفكار والمُثل العليا التي أصبحت سائدة الآن (مثل حركة الحفاظ على البيئة) بدأت بحلم إبداعي لعدد قليل من الأفراد الثوريين المنعزلين الذين كان يُنظر إليهم على أنهم متطرفون، لكن أصبح لهم اليوم كبيرُ الأثر على مستقبل الكوكب بأكمله.

دراسات القيادة في عصر النهضة
القيادة الحديثة – دراسات

 


كتاب: مَنْ قَتَل الإبداعَ؟ – تأليف: أندرو جرانت وجايا جرانت
ترجمة: أحمد عبد المنعم يوسف – مراجعة: إيمان عبد الغني نجم | مؤسسة هنداوي

لتحميل كتاب”مَنْ قَتَل الإبداعَ؟” من الموقع الرسمي لمؤسسة هنداوي: من هنا

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: Content is protected !!
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock