الإسلام

هل الإنسان مسير أم مخير وماذا عن القضاء والقدر؟

أليك الجواب الأفضل من القرآن الكريم ونماذج وأمثلة من الواقع

ماذا عن القضاء والقدر؟ وكيف نُوَفِّق بين الآيات التي تدل على أن الإنسان مختار، والأخرى التي تدل على أنه مُجبَر؟

يقول الله تعالى مبينًا عن حكمته في خلْق العالَم: (وهو الذي خلَق السماواتِ والأرضَ في ستَّةِ أيامٍ وكانَ عرشُهُ على الماءِ لِيَبلُوَكم أيُّكُمْ أَحْسَنُ عملاً) (هود: 7) أي أن هناك اختبارًا كبيرًا مفروضًا على الناس يتحقق بعده مصيرهم!

ما هذا المصير؟

يقول جل شأنه في آية أخرى: (وللهِ ما في السماواتِ وما في الأرضِ ليَجزيَ الذين أساءوا بما عَمِلوا ويَجزيَ الذين أَحسَنوا بالحسنَى) (النجم: 31). هناك مسيء ينتظره العقاب ومُحسن ينتظره الثواب!

وتلك عدالة لا مَطعَنَ فيها! بيد أن بعض الناس يقول: هذا الامتحان مزور، وهذه النتائج مغشوشة. والذي حدث أن الله هيأ للجنة أناسًا وأجرَى الأمورَ كما شاء، وستر مشيئته وراء فصول هذه التمثيلية الهازلة!‍‍‍‍‍‍‍

هل الإنسان مسير أم مخير نماذج وأمثلة

الله يقول: إنه أرسل للبشر رُسُلاً يدلُّونهم على الصراط المستقيم، وقبل أولئك المرسلين منَحَهم عقولاً يُحسنون بها التفكير ويستطيعون بها الاختيار، وقال لهم: إني أقطع بهذا كله أعذاركم (أنْ تقولوا يومَ القيامةِ إِنَّا كنَّا عن هذا غافِلِينَ. أو تقولوا إنَّما أشرَك آباؤُنا من قبلُ وكنا ذريةً مِن بعدِهم أفتُهلِكنا بما فعَل المُبِطلون) (الأعراف: 172 ـ 173).

لن يُقبل من أحد كلامٌ بعد هذا البيان! ومع ذلك يجيء أناس معتوهون يقولون: لا شيء إلا الله، لا عمل إلا الله، أصابعه وراء كل شيء. وبقي أن يقولوا: ما في الجبة إلا الله، لا موجود غيره، نحن وَهْم، ما نصنعه وَهْم!

وأعرف أن وراء هذا التماوت وإنكار الإرادة البشرية والقدرية البشرية من يزعُم التقوى ويدَّعي التصوف. ولقد ظل أولئك يتماوتون حتى ماتوا أدبيًّا، وتحولوا إلى دوابَّ يمتطيها المستعمرون ويذللونها لمآربهم!

بحثتُ عن السبب في هذا الكذب فوجدتُه أحيانًا رغبةَ البعض في أن ينحرف ثم يَرميَ بالتَّبِعة على القَدَر القاهر!
ووجدتُه أحيانًا أخرى سوءَ الفهم لآيات القرآن الكريم، وجنونَ الجدل الذي مسَّ بعض العلماء ثم نضَح على جماهير الغوغاء.

وربما نشأ هذا التعلُّل المردود عن الخلْط بين مواطن الاختيار الحق ومواطن الجبر القاهر، فإن الإنسان يحيا بين جبر واختيار في كيانه الداخلي وفي حركاته الخارجية!إن قلوبنا تَدِق دون استئذان، وتمضي في أداء وظيفتها دون تدخُّل من إرادتنا، أفَكَذَلِكَ ألسنتُنا حين نتكلم؟

وقد يكون بعضنا أبيض الجِلْد والآخر أسوده! أيُسأل عن هذا التلوين كما يُسأل الإنسانُ عندما يحسُد ذا نعمة أو يَزدَري ذا عاهة؟

نماذج وأمثلة تدل على الاختيار الحر والإرادة الإنسانية

ونَدَعُ هذه النماذج للقدَر الظاهر والاختيار الحر، ونسوق أمثلة مما تشترك فيه الإرادة الإنسانية مع الإرادة الإلهية، فإن هذا الاشتراك هو غالبًا المَهرَب الذي يلجأ إليه الجبريون ويُسيئون فيه تفسير النصوص.

إننا نستغل الكهرباء في بيوتنا للإنارة والإذاعة والتبريد والتسخين، فتصوَّرْ ساكنًا جاءه المحصِّل يطلب منه ثمن ما أفاد من كهرباء، فقال له: إن التيار مرَّ في الأسلاك من عندكم، والمصباح عندي لا يُمكن أن يضيء من ذاته ولو بقي دهرًا! يقول له المُحصِّل: ماذا تقصد؟ يقول: لا أدفع ثمن شيء أنتم السبب الأول فيه! يقول المحصل: إنك تُحَرِّك المفاتيح فتسمع الإذاعة، وتنير المنزل… الخ يقول له الساكن: لولا التيار الذي أرسلتموه ما تمَّ شيء.

هكذا يقول بعض الناس لله: لولا إرادتُك ما كان شيء، فلماذا أُحاسَب؟

وتصور فلاحًا ـ كما قلتُ في كتاب لي ـ زرع حشيشًا أو أفيونًا أو أي نبت مخدر، ثم وقف أمام القضاء يدافع عن نفسه يقول: كيف أُحاسَب على ما زرع الله؟ صحيح أني وضعت بذرة تافهة، لكن مَن الذي نمَّاها وحمَّلها ثمرها؟ إنه القائل: (أفَرأيتُمْ ما تَحرُثون. أأنتُمْ تَزرَعونه أم نحنُ الزارِعونَ) (الواقعة: 63 ـ 64)

كثير من الناس يُعالج قضاياه الدينية بهذا المنطق!

نحن نعلم أن الإنسان إذا أراد الذهاب إلى المسجد أو إلى الخمّارة بقي قلبه يدق بقدر الله، وبقي جهازه العصبي يُصدر أوامره إلى الأقدام لتتحرك بقدَر الله، وبَقِيَت الأرض دون خسف ولا زلزال باسم الله! فهل معنى ذلك أن الله هو الذي دفع هذا إلى المسجد دفعًا ودفع ذلك إلى الخمَّارة دفعًا.

كلَّا! كلا! إن للإنسان إرادة حرة، بها كُلِّف، وبها صح اختياره، وبها تم جزاؤه. وكون الله أعانَه على ما أراد لنفسه، أو أنضج له ما بذر في أرضه، أو أمدَّه بالتيار الكهربي الذي أنار بيته لا ينفي مسئوليته التامة عما فعل!

الإرادة مَيزة مُحَقَّقة مُؤَكَّدة في الكيان الإنساني، بها حمل أمانة التكليف، وبها تميز عن الجماد الأصم والحيوان الأعجم، وبها يعلو أو يَهوِي ويشكر أو يكفر!

وعندما يَتَّجه المرء ـ بمحض اختياره ـ إلى الإحسان والإساءة فإن تيار الإرادة المبعوث في أرجاء الوجود طَيِّع بين أصابعه، إن شاء أضاء فمشى في النور، أو أطفأ فخبَّط في الظلام.

وآيات القرآن تؤكد هذه الحقائق

ويجب أن نعلم أن القرآن يفسر بعضه بعضًا ويصدقه ويكمله!
إذا قال تعالى: (كذلك يُضِلُّ اللهُ مَن يَشاءُ ويَهدي من يشاءُ وما يَعلَمُ جنودَ ربِّك إلا هو) (المدثر: 31) فلنسأل أنفسنا: مَن الذين يشاء اللهُ إضلالَهم؟ ولنسمع الإجابة من القرآن نفسه: (ويُضِلُّ اللهُ الظالمينَ ويَفعلُ الله ما يشاء) (إبراهيم: 27) (إنَّ الله لا يهدي مَن هو كاذبٌ كفارٌ) (الزمر: 3) (كذلك يُضِلُّ اللهُ مَن هو مسرفٌ مرتابٌ) (غافر: 34).

ليس الأمر إذًا لَيَّ عنان رجل صالح كي يتعرض لعذاب الله، لأن الله شاء إضلاله وتعذيبه، كلا وحاشا للبَرِّ الرحيم العدل الكريم أن يفعل ذلك.

هذا امرؤ اتجه إلى الشر فدفعتْه الأقدار في طريقه الذي اختاره، وهل يَجنِي العنبَ مَن بذَر الشوكَ؟

وكلما أوغل الشرير في الطريق زاد سمك الغِشاوة المضروبة على بصيرته، فيظلم القلب وتعجز أهل الأرض عن إنارته: (كلَّا بلْ رانَ على قُلوبِهم ما كانوا يَكسِبونَ) (المطففين: 14). وهكذا يصنع الله بالمجادلين في آياته المستكبرين على الحق: (كَذلكَ يَطبَعُ الله على كلِّ قلبِ متكبرٍ جبَّارٍ) (غافر: 35).

الأساس أن هذا الذي شاء الله إضلاله أضل نفسه أولاً، فأتم الله له مراده، كما قال: (فلما زاغُوا أزاغَ اللهُ قُلوبَهُمْ) (الصف: 5) وكما قال في موضع آخر: (ومَن يُشاقِقِ الرسولَ من بعد ما تَبيَّنَّ لهُ الهُدَى ويَتَّبِعْ غيرَ سبيلِ المؤمنين نُوَلِّه ما تولَّى..) (النساء: 115).

ومن السفاهة الظنُّ بأن الله أزاغ طالب هدًى أو أضل من اتَّبع سبيل المؤمنين!
وكما شاء الله إضلالَ هؤلاء يَهدي إلى الحق مَن ابتغاه ونشَده: (والذينَ اهتَدَوا زادَهُمْ هُدًى وآتاهُمْ تَقوَاهُمْ) (محمد: 17) وقال تبارك اسمه: (إنَّ الذينَ آمنوا وعَمِلُوا الصالحاتِ يَهدِيهم ربُّهم بإيمانِهم) (يونس: 9) وقال: (وَمَنْ يُؤمِنْ باللهِ يَهدِ قَلْبَهُ) (التغابن: 11) وقال: (يَهدي إليه مَن أنابَ. الذينَ آمنُوا وتَطْمَئِنُّ قلوبُهم بذِكْرِ الله) (الرعد: 27ـ28).

إن المشيئة الإلهية ليست رمزًا للفوضى، وعندما يقول الله: (مَن يُضللِ اللهُ فما له من هادٍ. ومَن يَهدِ اللهُ فما له من مُضِلٍّ) (الزمر: 36،37) فالأمر كما شرحنا وكما شرحته آيات أخرى مثل (مَن كانَ في الضلالةِ فليَمدُدْ لهُ الرحمنُ مَدًّا) (مريم: 75) أي يَزِيده حيرة وعمًى فيستحيل أن يعينه أو يُنقذه أحد: (ويَزيد اللهُ الذين اهتَدَوا هدًى) (مريم: 76) فيستحيل أن يضرهم أو يَستَرِد بهم أحد بعد هذا العَوْن الأعلى! حيث يكون التكليف الإلهي تكون الإرادة الحرة، وتكون المسئولية الخلُقية والجنائية في الدنيا والآخرة!

فإذا انعدمت الإرادة لسبب ما فلا مسئولية البتَّةَ، وكيف يُكلَّف الإنسان بما لا يُطيق والله ـ سبحانه ـ يقول: (لا يُكلَّف اللهُ نفسًا إلا وُسْعَها لها ما كَسَبَتْ وعليها ما اكتسَبَتْ) (البقرة: 286).

قال لي أحدهم: كيف يكون للإنسان اختيارٌ وإرادةُ الله نافذةٌ في خلقه جميعًا؟

قلت: إن الله فاوَت بين خلْقِه، فهناك فارق بين الجدار والحمار والإنسان! الجدار لا يحس، والحمار لا يعقل، والإنسان يحس ويعقل، وله مَيْزة في تكوينه تجعل له معاملة أخرى غير معاملة الجدار والحمار!

إن معاملتي لسائق السيارة غير معاملتي للسيارة نفسها، الفارق واسع بين القائد والمِقوَد والراكب والمركوب، والمساواة بينهما في التكليف حمق.

وذكر لي آخر قوله تعالى: (فمَن يُرِد اللهُ أن يَهدِيَه يَشرَحْ صدرَه للإسلامِ ومَن يُرِدْ أن يُضِلَّهُ يَجعَلْ صدرَه ضَيِّقًا حَرَجًا كأنَّما يَصعَّدُ في السماءِ كذلك يَجعلُ اللهُ الرجسَ على الذين لا يؤمنون) (الأنعام: 125).
وقال: أليست هذه الآية نصًّا في سَبْق الهداية الإلهية والإضلال الإلهي؟
قلت له: أنت واهم، تدبَّرْ ختام الآية الكريمة تجدْ مفتاح المعنى الذي غاب عنك: (يَجعلُ الله الرجسَ على الذين لا يُؤمِنُونَ).

إن الرجس الذي خنق صدورهم نشأ عن عدم إيمانهم، فلما رفضوا الإيمان وغُصَّت به حلوقُهم جُوزوا بهذا الضيق والحرج، أما الذين رضُوا بالحق واستراحوا إليه فقد استحقوا الهداية العليا وكُوفئوا بشرح الصدر.

ذلك، والاختيار بين النهجَيْن يصحب المرء في كل يوم، بل في كل لحظة، وهذا هو السر في أننا نطلب من الله الهدى في صلواتنا اليومية نحو عشرين مرة بالليل والنهار.
إن ظروفًا هائلة تُحيط بنا لا تعرف إرادتنا ولا قُدُراتنا ما تصنع بإزائها، وما أشبه الإنسان بزورق هشِّ الصنع، يعوم في بحر لُجِّيٍّ يغشاه موج من فوقه سحاب، هنا يتشبَّث الإنسان بالتوفيق الإلهي ويسأل ربه النجاة.
ومن العقل أن نُمَيِّز بين الأقدار التي تحيط بنا وتتحكم فينا، والأعمال التي طُولبنا بها ونُسأل غدًا عنها!

وأرى أن إنكار الاختيار البشري فِرار من وظائف العبودية واتهام لصفات الربوبية، وهذه جريمة. ما الذي نحاوله بهذا المسلك؟

يقول الله سبحانه: (للَّذين أحسنُوا الحُسْنَى وزِيَادةٌ) (يونس: 26) ثم يقول: (والذين كسَبوا السيئاتِ جزاءُ سيئةٍ بمِثْلِها) (يونس: 27) ثم يقول عن الجزاء الأخير: (هُنالِكَ تَبلُو كلُّ نفسٍ ما أسلَفَتْ ورُدُّوا إلى اللهِ مولاهم الحقِّ) (يونس: 30) فأين الظلم أو الجبر في هذا الصنيع؟

  • هل الإنسان مسير أم مخير (السؤال رقم 12) من كتاب: مائة سؤال عن الإسلام – تأليف: الشيخ محمد الغزالي

اقرأ ايضًا: آيات قرآنية وأحاديث عن فضل العلم والتعلم نبذة مما ورد في الإسلام

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: Content is protected !!
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock