إدارة أعمال

نظرية الهوية الاجتماعية

إن وضعنا في الاعتبار فائدة نظرية الهوية الاجتماعية، فقد نأخذ لمحة عن تفسير بديل. يقترح هذا المنهج أننا نميل إلى تصنيف البشر في فئات إما أنهم مفضلون؛ لأنهم يدعمون هويتنا، أو غير مفضلين؛ لأنهم مختلفون عنا. وعملية تحديد الهوية هذه تكون معنية بالفرد أو بالجماعة على حد سواء. لذا، وفي ظل ظروف محددة، ننظر إلى الأفراد على اعتبار أنهم يمثلون جماعات، وليس باعتبارهم شخصيات متفردة. بالطبع لا يوجد هوية شخصية — ضمير المتكلم «أنا» — بمعزل عن الهوية الاجتماعية، أي ضمير المتكلم «نحن». وبعد أن يتم التصنيف، تقترح النظرية أننا نحدد الاختلافات في داخل الجماعة (نحن) على أنها أقل من تلك الاختلافات داخل الجماعة (نحن) وخارجها (هم). علاوة على ذلك، فإن معايير وأنماط الجماعة من الداخل (التي تحظى بتفضيل عام) تؤدي إلى إجراء مقارنات محددة لضمان التحسن الذاتي. على سبيل المثال: الفتيات الصغيرات اللائي يعشن في بيت رعاية تديره الحكومة من المرجح ألا ينظرن إلى عارضات الأزياء الشهيرات على أساس أنهن أفضل منهن، لكن على أساس أنهن غير قادرات على البقاء في مثل هذه البيئة القاسية، ومن ثم ينتج عن هذه المقارنة تحسن ذاتي للهوية الاجتماعية لهؤلاء الفتيات.

 كيث جرينت نظرية الهوية الاجتماعية

بالإضافة إلى ما سبق، تنتج هذه العملية بأكملها «أنماطًا متكررة» تحاكي الهوية الاجتماعية للجماعة «وتُخرج أعضاءها من الإطار الشخصي» إلى الإطار العام، بحيث يبدون متشابهين إلى درجة يصبحون معها قادرين على أن يحل بعضهم محل بعض: نتوقع أن نتفق جميعًا في المسائل المتعلقة بالجماعة، ونميل إلى دعم ما يظهر من أنماط الجماعة، ونعلي مصلحة الجماعة على مصالحنا. في الحقيقة، «نحن» ننظر إلى أنفسنا على أننا متشابهون وسواسية في سماتنا الإيجابية ونتعامل «معهم» على أنهم متطابقون في الأساس برؤيتنا السلبية عنهم. ويفيد ذلك في تقليل أي شعور بعدم اليقين نشعر به تجاه أنفسنا، ووضعنا، وسلوكنا المحتمل، كما يحدث نفس الشيء للآخرين؛ أي «هم».

📖

مثل هذه النماذج المعيارية نادرًا ما تكون واضحة بدرجة تجعلنا نتوقع من الآخرين أن يكونوا قادرين على تدوينها في قائمة متفق عليها؛ في الواقع هي تتغير على الأرجح بتغير الزمان والمكان ومع تغير السياق، وتزيد أهميتها بزيادة أهمية أعضاء الجماعة، وغالبًا ما يكون هذا استجابة لتهديد خارجي. وتبعات القيادة هي أن أعضاء الجماعات الذين يكونون أقرب ما يمكن إلى النمط النموذجي للجماعة من المرجح أن يكون لهم التأثير الأكبر، أي يصبحون هم القادة ويظلون هكذا، ما دامت الظروف كما هي دون تغيير. وبما أن هذا التأثير يرجع إلى فكرة الأنماط وليس إلى الأفراد (على الرغم من أن الأمر يبدو على خلاف ذلك لأعضاء الجماعة)، فإن هذا يتضمن مسألة أن تغير الظروف يُنتج أنماطًا مختلفة، وهو ما يفسر لم يفقد من يمثلون أيقونات نمطية تأثيرهم فجأة. على سبيل المثال: كان الكثيرون من البريطانيين في الثلاثينيات من القرن الماضي ينظرون إلى تشرشل على أنه منشق عدواني وخطير، لكنه يجسد وببراعة الشخصية النمطية التي يؤمن بها البريطانيون حال تعرضهم لتهديد ما — أي شخص عنيد بلا مشاعر في مواجهة خطر عظيم — ومن ثم ازدادت شعبيته كرئيس للوزراء إلى أقصى حد. لكن، بمجرد انتهاء الحرب، نُظِرَ إلى شخصيته — التي لم تتغير — على أنها غير مناسبة على الإطلاق لمتطلبات فترة ما بعد الحرب. وبناءً على هذا فقد كان الظرف يحتاج إلى شخصية أكثر قبولًا وقدرة على الاحتواء، وهو ما جعل من كليمنت أتلي القائد النموذجي المطلوب.
📖

النمطية، بناء على ما سبق، تعتمد على ثبات السياق، وذلك على الرغم مما سبق من أن تأطير أو إعادة تأطير موقف ما هو جزء من ذخيرة أي قائد. ومع ذلك، فهناك العديد من الأساليب التي يستخدمها القادة لإطالة أمد سيطرتهم وهو ما يدعم النموذج النمطي:

  • التأكيد على النمط الحالي، أن يكون القائد أشبه بواحد «منا» بدلًا من أن يجسد بعض سمات «السيادة» أو ظهوره على أنه واحد «منهم».
  • البحث عن المنحرفين عن الجماعة ومهاجمتهم؛ هذه هي المرحلة التي تعاد فيها صياغة الانشقاق — سواء أكان بناء أو غير ذلك — على أنه «خيانة».
  • إضفاء سمات الشر على من هم خارج الجماعة لجذب الاهتمام بعيدًا عن المشكلات الداخلية.
  • الدفاع عن الجماعة، وإظهار تفضيل أعضاء الجماعة وليس المساواة بين الجماعات المختلفة.

لذا من المرجح أن يكون القائد تمثيلًا لنمط الجماعة المستقلة:

  • الشخص الأكثر تمثيلًا للهوية الاجتماعية التي تتشاركها الجماعة.
  • الشخص الذي يمثل ما يتشاركه أعضاء الجماعة، أقصى حدود التشابه داخل الجماعة؛ كما يمثل ما يجعلهم مختلفين عن الجماعات الأخرى، أقصى اختلاف بين الجماعات.
  • الشخص الذي يجعلنا مختلفين «عنهم»، بل أفضل «منهم».

📖

إن الاحتجاجات التي حدثت في إيران في يونيو عام ٢٠٠٩ وتلك التي حدثت في مقاطعة شينجيانج في الصين في يوليو من العام نفسه مثالان جيدان على الكيفية التي يجعل بها هذا المنهج معنى للقرارات التي يتخذها القادة قسرًا. وهذا يوضح أيضًا لم يسود «تفكير القطيع» (ميل الجماعات إلى كبت المعارضة الداخلية) بين الجماعات التي تتعرض لضغوط، ولماذا تجد الأقليات والأشخاص والجماعات غير النمطية أنه من العسير جدًّا الوصول إلى مناصب القيادة في المؤسسات أو المنشآت الراسخة.

📖

لا يعني هذا أن تحقيق ذلك مستحيل، لكنه يعني أنه صعب جدًّا. في الحقيقة، عندما تحدث أزمة ما، فعادة ما يقوى موقف القائد النمطي. على سبيل المثال: تعرض منصب جوردون براون رئيس وزراء بريطانيا لخطر شديد في صيف عام ٢٠٠٨ عندما كان يناضل لتقديم رؤية مغايرة لحزب العمال في الفترة التي تلت رئاسة بلير. لكن بمجرد أن اندلعت الأزمة المالية في خريف نفس العام، تخلى الجميع عن أي فكرة للإطاحة به حيث توحد الحزب بأكمله وسعى لحماية الشخص ذي الشخصية النمطية النموذجية المثلى في ظل الأزمة المالية، وهو الوجه الصارم الجاد والمسئول لوزير الخزانة السابق جوردون براون. لكن المثير للسخرية أنه بعد تسعة أشهر، عندما واجه رئيس الوزراء البريطاني نفسه مرة أخرى عصيانًا كبيرًا عندما انتشرت في البرلمان فضيحة المصروفات، فشل في التعامل على أنه «الخبير الذي لا يشق له غبار في الماليات»، وهذا سمح بانتشار فكرة التضحية بكبش فداء عندما يظهر الشك ونبحث عن حل من خلال تركيز اللوم على القائد بمفرده، جوردون براون.
📖

إلا أن نجاح القادة النمطيين لا يعتمد فقط على إقناعنا ﺑ «أننا» مختلفون عن الآخرين وأفضل «منهم»، بل أيضًا على «إقناعي» و«إقناعك» لنصبح «معًا». ولحسن حظ القادة، فإن هذا ليس بالأمر العسير لأنه لا يعتمد على التحليل العقلاني «للحقائق»، بل على الاستجابات العاطفية التي غالبًا ما تكون لا واعية. في الحقيقة، كل ما يحتاجه الأمر هو ما عبر عنه بندكت أندرسون بعبارة «وثبة الخيال». وما عناه بهذا هو أنه بما أننا لن نعرف أبدًا إن كان الآخرون «يشبهوننا» بالفعل أم «يشبهونهم»، فكل ما علينا ببساطة هو تخيل أن الحالة الراهنة هي إحدى هاتين الحالتين. ومن ثم، لم يكن من المهم إن كان الجنود على كلا جانبي الخنادق في الحرب العالمية الأولى تجمعهم أشياء أكثر من الأشياء التي تجمع بينهم وبين قادتهم فيما يتعلق بطبيعة حياتهم ودخلهم المادي وعاداتهم وما إلى ذلك. بل كان الأمر المهم هو «أنهم» يختلفون عنا بوضوح، وهو ما يجمع «بينك» و«بيني» لنصبح «صفًّا واحدًا» يرغب في «قتالهم».

الهوية الاجتماعية

يمكننا أن نرى ذلك عمليًّا في تشكيل الهوية الإنجليزية والفرنسية، حيث إن هناك أرضية واحدة توحي بأنه إلى أن نشبت الحرب بين الجيش الثوري الفرنسي تحت قيادة نابليون والإنجليزي تحت قيادة ويلنجتون، ربما كان أغلب الناس في بريطانيا ينظرون إلى أنفسهم على أنهم إنجليز أو اسكتلنديون أو ويلزيون أو أيرلنديون، لا بريطانيين. وبالمثل، ربما اعتبر «الفرنسيون» أنفسهم على أنهم من أبناء بريتانيا أو نورماندي أو أي منطقة ينحدرون منها، لا فرنسيين (بالفعل، أغلب الناس في فرنسا في هذا الوقت لم يكونوا يتحدثون الفرنسية بل يتحدثون لغة محلية). ومع ذلك، فقد ألقت الحرب بهاتين الأمتين إحداهما في مواجهة الأخرى، ودفع هذا الصدام بكل من نابليون وويلنجتون إلى مناصب القيادة ليس فقط كجنرالات بل كنماذج تمثل أنماط أممهم «الجديدة». لهذا، يمكننا أن نقرأ أدب هذا الوقت على أنه يشكل قائدين نمطيين أحدهما في مواجهة الآخر ويمثلان أمتيهما. ولا يمكن النظر إلى نابليون وويلنجتون على أنهما فردان لهما نفس الوظيفة، بل على أنهما تعبير عن جنسيتين متعارضتين تمامًا، قد تشكلتا في أتون المعركة. وتبين قوائم الكلمات المعبرة عن الشخصية المذكورة فيما يلي كيف أن هذين الشخصين وهاتين الدولتين قد أصبحوا يوصفون بصفات تناقض تمامًا صفات الطرف الآخر.
📖
لنعد إلى بداية هذا الفصل حتى نختتمه. بدأنا بالحديث عن وارن هاردينج على أنه قائد شهير وإن كان غير مؤثر وعن دور الانطباعات الأولى التي تُنتج هالة تؤثر في حيادية رؤيتنا للقادة. وهذا ينطوي على أننا بحاجة إلى الحرص الشديد فيما يتعلق بمسألة القيادة الدقيقة. وبهذا أعني أننا قد نؤكد بشكل كبير على الجوانب العقلانية للقيادة — الرؤية والسياسات والخبرات التي يقدمها القادة — ولن نركز بالقدر الكافي على الجوانب العاطفية للقيادة؛ الطريقة التي يفسر بها الناس الأفعال البسيطة جدًّا والأقوال والنظرات ولغة الجسد وما إلى ذلك. بالطبع، هناك مجموعة كبيرة من الكتابات التي تناولت الذكاء العاطفي — وهناك تعريفات عدة ومختلفة لهذا المصطلح — لكننا يجب أن ندرك أن الأشخاص أصحاب مستوى الذكاء العاطفي المرتفع ليسوا أرقى أخلاقيًّا من أصحاب مستوى الذكاء العاطفي المنخفض. كان هتلر — على سبيل المثال — فعالًا على نحو استثنائي في التلاعب بعواطف الناس، لكن هذا لا يجعله أخلاقيًّا بشكل موضوعي. علاوة على ذلك، يجب علينا أن نحد من أهمية العواطف لأنها محفز شديد القوة، وهذا في النهاية هو السبب في العيش وفق نظام قانوني وليس وفق هوى طاغية يقف ذكاؤه العاطفي عائقًا أمام كل من يعارضه. مع ذلك فإننا نعشق القادة الذين يتذكرون أسماءنا والذين لا يختلفون عنا أكثر من حبنا للقادة الذين لا يتنازلون أبدًا ليلقوا التحية علينا، لكن لديهم سياسات بارعة للتعامل مع عالم شديد التعقيد ولا نجرؤ حتى على التظاهر بأننا نفهم تلك السياسات. حقًّا، إنهم لا «يشبهوننا على الإطلاق، بل «يشبهونهم» أكثر.

 

ويلنجتوننابليون
شخصيعام
عنيدواسع الخيال
قادر على التخطيط والتنفيذصاحب استراتيجية
سيد كريم الأصلمحدث نعمة
مجتهد في العملموهوب
الحريةالمساواة
الاستقرارالاضطراب
الحذرالمخاطرة
القوات «حثالة»القوات «عائلة»
عمليمركزي
كاتب حساباتشهاب مندفع
 📖📖📖

نظرية الهوية الاجتماعية – كتاب: القيادة مقدمة قصيرة جدًّا
تأليف: كيث جرينت – ترجمة: حسين التلاوي – مراجعة: هاني فتحي سليمان – مؤسسة هنداوي

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: Content is protected !!
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock