علم النفس

مهارات التواصل والصوت أداة الإقناع الخفية

عندما يراك شخص ما يبدأ في اتخاذ قرارات بشأنك، وتتأكد هذه القرارات أو تصبح موضعًا للشك في اللحظة التي تتحدَّث فيها. إذا لم تكن المقابَلة وجهًا لوجه، فإن صوتك ومهاراتك في التواصل هما أول معلومات على الإطلاق يحصل عليها الناس من أجل البدء في عملية تقييمك. أنت لا تحتاج إلى صوتٍ يشبه صوت مذيع الراديو، ولا حضورٍ يشبه حضور شخصية تليفزيونية، من أجل تحقيق النجاح، لكنك لا بد أن تعرف كيف تستخدم صوتك وجسمك من أجل إعداد رسالة قوية وقابلة للتصديق؛ فلا بد أن تدعم مهاراتُك في العرض كلَّ ما تقوله.

الصوت

بالنسبة إلى صوتك، تذكَّرْ أن وقعه عليك يختلف عن وقعه على أي شخص آخر؛ فعندما تستمع إلى صوتك، فإنك تسمعه من داخل جسمك وليس من خارجه. وأحد الأشياء الشديدة الفاعلية التي يمكنك فعلها في عصرنا الحالي أن تسجل صوتك وترى كيف يبدو لكل شخص يستمع إليه. أعلم الآن أنك ستقول: «لقد استمعت إلى صوتي ولا يعجبني وقعه في التسجيل.» في الحقيقة، على الأرجح صوتك جيد تمامًا، أنت فقط بحاجة إلى تعلُّم كيفية استخدامه جيدًا لتحقيق أقصى تأثير ممكن.

عند بحثي في هذا الموضوع تحدثتُ مع أفضل مدربة أصوات في البلاد، سوزان بيركلي. ربما يكون أكثر ما تشتهر به سوزان هو كونها أحد الأصوات التي شاركت في قول: «شكرًا لاستخدامك إيه تي آند تي.» وقد ألَّفت أيضًا كتاب «تحدَّث لتؤثِّر: كيف تطلق العنان للطاقة الكامنة في صوتك». تقول سوزان إن الخطأ الأكبر الوحيد الذي يرتكبه الناس عند استخدام أصواتهم هو عدم إبرازهم لأصواتهم؛ هذا لأنهم يتحدثون من مكان ما غير قناع الوجه. يتكوَّن قناع الوجه من الشفتين والفم ومنطقة الأنف، وأفضلُ طريقةٍ للعثور على قناع وجهك هي أن تُهَمْهِم. وعليك الانتباه وأنت تُهَمْهِم إلى مكان إحساسك بالذبذبة في منطقة الوجه؛ هذا هو قناع الوجه. ولكي تحسِّن طريقة تحدُّثك، ما عليك سوى أن تُهَمْهِم بأغنية تعرفها، وفي منتصف هذه الهمهمة، ابدأ في النطق بالكلمات. حاوِلْ جعْلَ الكلمات تولِّد الشعور نفسه في المنطقة نفسها من وجهك تمامًا مثل الهمهمة. تذكَّرْ أنك إنْ لم تكن فنانًا محترفًا في التعليق الصوتي، فأنت لا تحاوِل أن تبدو مثل أحد مقدمي برامج الأغاني الإذاعية أو أي صوت محترف آخَر (مما قد يكون أمرًا ضارًّا)، وإنما تحاول فقط أن تزيد من تأثير صوتك إلى أقصى حد. يوجد عدد من التمرينات الأخرى التي تستطيع فعلها من أجل تحسين جودة صوتك، وعلى الرغم من أن هذا يبدو أمرًا مبتذلًا، فإن كل خبير تحدثتُ معه عن تحسين الصوت قال إن الابتسام في أثناء الحديث يحسن من جودة صوتك ونبرته.

مهارات التواصل والصوت أداة الإقناع الخفية
الإقناع

كذلك فإن السرعة التي تتحدَّث بها لها تأثير كبير على مدى إقناعك. إن تغييرَ سرعتك في الحديث ودرجةَ حدة صوتك يجعلان الاستماع إليك أمرًا محببًا ومثيرًا للاهتمام. إذا كنت تتحدث أبطأ أو أسرع من اللازم، فإنك تفقد اهتمامَ كثيرٍ من الأشخاص؛ فعادةً ما يُنظَر إلى الذين يتحدَّثون ببطء على أنهم غير واثقين من أنفسهم أو لا يتمتعون بقدر كبير من الذكاء، ويُنظَر إلى الذين يتحدَّثون بأسلوب سريع متقطع إلى أنهم مشتتون أو واقعون تحت ضغط شديد. قد يكون هذان التعميمان كلاهما ظالمين وغير مبررين، لكنهما مع هذا يعبران عن ملاحظاتِ كثيرين من أفراد مجتمعنا.
سوف تحقِّق فائدةً كبيرةً لنفسك بالاستماع إلى الكيفية التي يقع بها صوتك على آذان الآخرين. اطلبْ من زملائك — وليس من أقاربك — نقْدَ صوتك بأمانة. إذا وجدتَ انتقادات واضحة تشعر بالحاجة إلى تعديلها، أو إذا كنت تريد ببساطة تحسين صوتك بوجه عام؛ فإني أنصحك بشدة باللجوء إلى مدرب أصوات. في الواقع، أي شخص يستطيع أن يُحسِّن صوته ليصبح أكثر انسيابيةً خلال بضع جلسات فقط.

لكي تستطيع الإقناع بفاعلية، من المهم أن تتعلم تغيير نبرة صوتك وأنت تتحدَّث. وقد مر معظمنا بتجربة الاستماع إلى شخصٍ يتحدث بصوت رتيب لا تتغيَّر نبرته، يخلو من المشاعر أو من الحياة — على ما يبدو. إن الصوت الرتيب يدفع الناس إلى التركيز على صوتك وطريقة الإلقاء بدلًا من الرسالة التي تحاوِل إرسالَها إليهم. إن الهدف من صوتك في عملية الإقناع هو توصيل الرسالة بطريقة هادفة ومفهومة ومحفِّزة؛ فلا بد أن تكون الرسالة — وليس صوتك — النقطةَ المحورية التي يركِّز عليها المستمِع.

فكِّرْ للحظة في المتحدثين العظام الذين استمتعتَ بالاستماع إليهم (متحدِّث تحفيزي، أو قَس، أو ربما ممثل كوميدي)، فإن نبرة صوتهم تتغيَّر بانتظام من أجل إضافة تأثير على رسائلهم؛ فيشيرون إلى خاطر أو فكرة محددة عن طريق تغيير نبرة صوتهم أو معدل السرعة التي يتحدثون بها. كذلك يستخدم المتحدثون العظام الوقفات من أجل إحداث أثر فعَّال؛ فعندما يريدون منك فعليًّا أن تفهم أو تتأمَّل، يتوقَّفون عن الكلام قبل الانتقال إلى النقطة التالية. إن الوقفات مُقنِعة؛ إذ تقدِّم للمستمع إشارةً لا شعورية بالتفكير في المعلومة السابقة أو الانتباه لما سيأتي من تغيُّر في الأفكار.

تتسم أنماط الخطاب لدى المتحدِّثين المُقنِعين بالترابُط والتماسك، ويعملون بدأب على إزالة كلمات الحشو، مثل «واو العطف» و«آه» و«أتعلمون»، وعشرات الكلمات الصغيرة الأخرى التي نُقحِمها في حديثنا اليومي في مواضع من الممكن للوقفات أن تؤدِّي فيها دورًا جيدًا وتحسِّن من قوة وفاعلية الرسالة. اعمل على تنمية نمطٍ أو إيقاع محدد لخطابك؛ قد يكون نموذجًا بسيطًا مثل إلقاء خطابك بوتيرة تشبه عد إيقاعات الموسيقى، أو بنمطٍ أكثر تعقيدًا يحاكي إيقاع ونبرة ودرجة صوت الشخص الذي تتحدث إليه وسرعة حديثه. أيًّا كان أسلوبك، فإن أهم عنصر هو أن تعرف ما تعتزم قوله قبل أن تقوله ثم تلقيه بإقناع؛ فسيظهر أسلوبك الطبيعي في الإقناع بمجرد أن تُلِمَّ بالمادة التي تتحدَّث عنها تمامًا.

مثال على مهارات التواصل

على سبيل المثال: إذا طلبتُ منك أن تخبرني عن وظيفتك، تستطيع ببساطة أن تعطيني وصفًا مفصلًا لها. فستنساب قصتك من البداية إلى النهاية، وسيكون تنفُّسك طبيعيًّا وسهلًا، وسيتدفق صوتك إيقاعيًّا صعودًا وهبوطًا كما ينبغي. ومن ناحية أخرى، إذا طلبتُ منك أن تصف لي كيف تولِّد امرأةً حاملًا — إن لم تكن هذه هي وظيفتك — فإنك على الأرجح ستواجِه صعوبةً في شرح ذلك. ربما تعلم بعض عناصر هذا الموضوع، لكنك لن تتمكَّن من تجميعها معًا في صيغة مقنعة؛ فعند محاولتك وصف طريقة توليد الحامل، تصبح جُمَلُك متقطعةً، ويصبح صوتك متوترًا، كما يصبح فمك جافًّا إلى حدٍّ ما، ويصبح صوتك مليئًا بالشك وعدم اليقين؛ وكلها أشياء يستطيع المستمع رصدها بسهولة.

يتحتم عليك أحيانًا استمالة شخصٍ ما أو إقناعه بشيء لم تستعِدَّ له؛ على سبيل المثال: تنضم إلى منظمة جديدة ويقع الاختيار عليك بأن تكون الشخص الذي يخرج ويحضر البضائع من أجل المزاد الصامت لجمع التبرعات؛ فتجمع المعلومات الأساسية عن المجموعة بناءً على ما تعرفه وما قيل لك، وتبدأ في مهمتك. على وجه الخصوص، عندما يكون لديك قدرٌ ضئيل من المعرفة، من الأفضل مراجعة ما تعتزم قوله بصوت مرتفع عدة مرات؛ أنصِتْ لوَقْع هذا الكلام: أين تتعثر في الكلام؟ وأين تتوقف؟ وأين تشعر بعدم الثقة؟ وعليه، اعمل في كل هذه الأماكن على: التقليل من سرعتك، والتنفس قبل ذِكْر الأمر المهم، ثم تحدَّث بوضوحٍ في هذه المناطق الإشكالية، وتدرَّبْ بضع مرات ثم انطلقْ. أما إذا طُلِب منك فعليًّا الحديث على الفور دون إعداد، فتدرَّبْ على الأمر بضع مرات في ذهنك قبل أن تبدأ عرضك التقديمي. إن الأفكار التي تخضع لتفكير عميق حتى بعض الشيء تظهر أكثر وضوحًا وإقناعًا في صوتك من الأفكار التي ترتجلها. تستطيع غالبًا تمييز الشخص الذي يرتجل حديثه ببساطةٍ عن طريق الاستماع إلى إيقاع ونبرة صوته، دون أن تسمع كلمة واحدة ممَّا يقوله.

هل تريد تحسين إيقاعك؟ استمِعْ إلى كتب صوتية وانتبه جيدًا للطريقة التي يقرأ بها القارئُ القصةَ، أو استمِعْ إلى شِعْرٍ يُلقَى بصوت مرتفع؛ فهذان الأمران كلاهما يمنحانك رؤيةً واضحةً للطريقة التي يُفترض أن يبدو عليها الإيقاع في عملية التواصل. كذلك المشاهدة الحية لراوي قصصٍ يمكن أن تحسِّن كثيرًا من قدرتك على التواصُل الشفهي. أخيرًا، ادرس الممثلين الذين يتعيَّن عليهم أن يقنعوك بفكرة الشخصية التي يقدِّمونها في كل مرة تشاهدهم فيها؛ استمعْ إلى طريقة تحدُّثهم، وكيف تظهر مشاعرهم في أصواتهم، وكيف يؤثِّرون فيك بكلماتهم، وكيف يستخدمون السكتات الدرامية للتأكيد وتعزيز تأثير اللحظة أو الشعور.

يرتبط أسلوب العرض ارتباطًا وثيقًا بالصوت؛ فإن الطريقة التي تعرض بها مادتك ستحدِّد مدى نجاحك في عملية الإقناع؛ فسواء أكنتَ تعتزم الحديث إلى مجموعة أم ستؤثر فقط في الناس عبر الهاتف، لا بد أن تتدرب على الحديث الرسمي. يُعتبَر برنامجُ منظمة توستماسترز (www.toastmasters.org) أفضلَ برنامج متاح قليل التكلفة وسهل الاستخدام في هذا الشأن. كذلك هو برنامج شديد التأثير لأنك تحصل على تقييم صادق من أفراد آخَرين مثلك تمامًا. وثمة فائدة إضافية اكتشفتها من توستماسترز، وهي أنك تستطيع تجربة مواد جديدة والحصول على تقييم مفيد جدًّا على كلٍّ من المضمون وأسلوب العرض قبل تقديمه رسميًّا لجمهورك.

يمنحك التدريب على أسلوب الكلام صيغةً لعرض مادتك، سواء أكنتَ تستخدم الرسوم البيانية وتقدِّم عرضًا لجمهور كبير أو لمجموعات صغيرة، أم تجري تفاعُلًا شخصيًّا. إن فائدة التدريب على أسلوب الكلام تتعدَّى مجرد مساعدتك في تحسين قدرتك على الخطابة؛ إذ إنه يمدك بمنهجية لتوصيل رسالتك بنجاح؛ فيتمكن أقوى المقنعين من عرض رسالتهم بوضوح وإيجاز على أي شخص بأسلوب منظم ومفهوم. حتى وقت كتابة هذا الكلام، ربما يكون أبرز مَن ينبغي له صقل مهاراته إلى حدٍّ بالغٍ كخطيب مقنع — بصرف النظر عن المعتقدات السياسية — الرئيس جورج بوش؛ فمن الواضح أنه حظي بتعليم جيد، وهو أقوى قائد في العالم، إلا أن قدرته على عرض المعلومات أعاقَتْه بالتأكيد خلال مرحلة الانتخابات، وطوال فترة رئاسته الأولى، ويبدو أن الأمر سيستمر في إزعاجه طوال مدة رئاسته الثانية. قارِنْ أسلوبَ بوش بأسلوب الرئيس بيل كلينتون، الذي كان خطيبًا فصيحًا ومهذبًا للغاية؛ فقد كان يستطيع توصيل رسالته بأسلوب يبدو صادقًا وأمينًا ومدروسًا، وحتى في وقت خضوعه لأصعب التحقيقات، جعل الناس ينحازون إلى صفِّه. ومع ثقتي التامة في وجود كثيرٍ من الأشخاص الذين يعملون مع الرئيس بوش من أجل تحسين مظهره وأسلوبه في العرض، فإن إجراءه بعض التغييرات البسيطة من جانبه ستجعله أكثر إقناعًا وتأثيرًا.

ثمة بعض النقاط المهمة التي لا بد أن تضعها في اعتبارك قبل عرض مادتك، ستجعل شخصيتك أكثر اكتمالًا، وستصبح أكثر إقناعًا على الفور:

  • انظر دائمًا إلى الشخص الذي تتحدَّث إليه. إذا كنتَ تقدِّم عرضًا على مجموعة من الناس، فانظر إلى أشخاصٍ مختلفين طوال عرضك التقديمي.
  • حاوِلْ جعْلَ عرضك التقديمي تفاعُليًّا؛ اجعل الشخص أو الجمهور يطرح أسئلةً أو يُجِيب عن أسئلة.
  • انطقِ الكلمات بوضوح؛ حاوِلْ نطْقَ كل حرف من كل كلمة.
  • لا تُدِرْ ظهرَك إلى جمهورك فتضطر إلى إدارة رأسك للخلف للتحدُّث إليهم؛ كذلك لا تُدِرْ رأسك إلى الخلف لتقرأ. إذا كان لا بد لك أن تقرأ رسمًا بيانيًّا أو تستدير من أجل عرض شيءٍ ما، فلا تلتفت أكثر من ٩٠ درجة بعيدًا عن جمهورك، حتى يمكن أن تحرِّك رأسك بسهولة ذهابًا وإيابًا بين ما تعرضه أيًّا كان وجمهورك.
  • التزِمْ بوقفة متحررة؛ قلِّلْ من عقد ذراعيك أمام صدرك ومن الحواجز الأخرى بينك وبين جمهورك إلى الحد الأدنى.
  • استخدِمْ جسمك في تدعيم رسالتك؛ على سبيل المثال: استعِنْ بحركات أوسع وأَبْقِ يدَيْكَ مبسوطتين.

سواء أكنت تعرض رسالتك على سكان العالم جميعًا أم على أفراد شركتك الذين لا يتعدَّوْن خمسة موظفين، لا يوجد سبب لعدم العمل على صقل شخصيتك ومهاراتك في العرض؛ فمجرد كونك جديرًا بالثقة ومحبوبًا وواسع الاطِّلاع قبل أن تنطق بأول كلمة، سيمنحك فرصةَ البدء في تحطيم الحواجز التي يبنيها الناس من أجل حماية أنفسهم من المتلاعبين المنعدمي الضمير، وممَّن يأملون منَّا، بل يحتاجون أيضًا إلى إقناعهم من أجل مصلحتهم الخاصة.

 

الصوت ومهارات التواصل – الإقناع فن الفوز بما تريد

تأليف: ديف لاكاني | ترجمة: زينب عاطف | مراجعة: سارة عادل | مؤسسة هنداوي

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: Content is protected !!
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock