تطوير الذات

معنى التنمية الذاتية ونموذج من الواقع

«فرص العمل لا تتساقط من السماء، ولكنها تنتج من التنمية الصناعية»، خلاصة ما توصَّل إليه تقريرُ التنمية الصناعية لعام ٢٠١٣، الذي أطلقَتْه منظمةُ اليونيدو (الأمم المتحدة للتنمية الصناعية): «أن التنمية الصناعية في مصر، بالرغم من كونها ضرورية وقابلة للتحقيق، فإنها على مدار الفترة ما بين ١٩٦٣ و٢٠٠٧ لم تتحقق، مما يدل على فشل الحكومات السابقة في سَلْكِ الطرق الصحيحة لتحقيقها». نفس الوضع يرصده التقريرُ لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ككلٍّ؛ فالوزن النسبي للقيمة المضافة للصناعة في الدخل القومي الإجمالي كان ١١٪ عام ١٩٦٠، ولم يتعدَّ ١٣٪ عام ٢٠٠٥، في حين أن القِيَم المناظرة لماليزيا هي ٨٪ و٣٠٪ على الترتيب.

أَلَا يدفعنا هذا إلى إعادة النظر في مفهومِ وتوجُّهِ ومنهجِ التنمية؟

شهد القرن العشرون ذيوعَ فكرة التنمية وارتباطها بتصوُّر تقدُّم ورفاهية الشعوب، إلا أنه خلال عقد الخمسينيات من هذا القرن — الذي تلا الحرب العالمية الثانية — وجدَتْ هذه الفكرة أرضًا واسعة لها في مجتمعات الغرب الصناعي. هكذا تبلور تصوُّر للتنمية يجعل من النمو الاقتصادي بمعناه الكمي الهدفَ الأسمى للمجتمع، وخلال هذا العقد أيضًا نال العديد من دول العالَمِ الثالثِ الاستقلالَ، وبدأت هذه الدول في الاتجاه إلى التنمية، وكان الشعور السائد وقتَها أن «كل الطرق تؤدِّي إلى روما»، وأن هناك نموذجًا واحدًا للتنمية تتجه إليه البلدانُ المختلفة من بدايات وإيقاعات مختلفة. ولقد شهدت العقود التالية، بدءًا من الستينيات، محاولات مكثفة بذَلَها الكثير من دول العالَمِ الثالث لتبنِّي نموذج التنمية الغربي، وخلال هذه الفترة ساد أيضًا استخدامُ مصطلح الدول النامية لنَعْت تلك الدول من العالَم الثالث الآخِذة بنموذج التنمية الغربي. إن هذا المصطلح في لغته الأصلية Developing يكشف الرؤية الكامنة خلفه؛ إن الطريق واحد، والهدف أيضًا واحد، وإن حاضرنا هو ماضي دول الغرب الصناعي، وليس علينا إلا اتِّباع النموذج الغربي الجاهز، وخلال ربع قرن من محاولات اتِّباع النموذج الغربي، تبدَّى بشكل واضح أن الطريق مسدود، وأن خطط التنمية وفقًا للنموذج الغربي لم تُؤْتِ ثمارها، ولم تحقِّق أهدافها في أغلب دول العالَم الثالث، التي أصبحت تَئِنُّ حاليًّا تحت وطأة الديون المتفاقمة، بالإضافة إلى التمزُّقات الاجتماعية والمشكلات البيئية، وانهيار الثقافات المحلية والاغتراب عن الهوية الحضارية، هكذا يبدو أن البندول يتحرك في اتجاهٍ معاكس؛ فبعض تلك الدول التي تعرَّضت لخبرات مكثَّفة للتنمية، وفقًا للنموذج الغربي، قد اتخذت موقفَ العودة؛ العودة إلى التراث بالمعنى الحضاري، هذا الموقف اتخذته بالفعل دولٌ عديدة، وتتَّخذه شرائحُ متزايدةُ الاتساع من المثقفين، بل من الطبقات الشعبية أيضًا، في الكثير من مجتمعاتنا العربية والإسلامية.

معنى التنمية الذاتية

التنمية الذاتية هي عملية التحوُّل المستمرة للمجتمع المحلي، التي قد تبدأ بعوامل مساعدة من خارج المجتمع، أو تكون نابعةً بالكامل من داخله، والتي تؤدِّي إلى إطلاق الطاقات الكامنة داخل المجتمع المحلي، وتنمي قدراته على التجدُّد الذاتي والنهضة؛ ومن ثَمَّ يتمكَّن من التعبير عن قِيَمه الحضارية المميزة، حتى لو اتخذت تلك القِيَم تعبيراتٍ جديدةً تتمشَّى مع ضرورات الحاضر ومتطلبات المستقبل.

هي دعوة للتخطيط من أسفل لأعلى: يبدأ برؤية الواقع الحي المعيش؛ هي دعوة لمشاركة عامة الناس في التنمية وإطلاق طاقاتهم الخلَّاقة وقدراتهم على التفكير والخيال والتعاون والعمل؛ مما يفتح المجال للإبداع المحلي في كل مجالات الفعالية الإنسانية، والنهوض الحضاري في كل مكان.

تنطلق التنمية الذاتية من الثقة في الناس، والرهان على كل ما هو إيجابي في نفوسهم، ومن الاعتماد على النسيج الاجتماعي الحضاري الحي للمجتمع المحلي، ومن النظر إلى المجتمع المحلي باعتباره:

  • كائنًا حيًّا قادرًا على الفعل والحركة، وحاملًا لمقومات نموه ذاتيًّا.
  • ذا هوية متفردة وملامح وقسمات تهبه طابعًا خاصًّا، وتميزه عن غيره من المجتمعات المحلية.

تنطلق التنمية الذاتية — على مستوى الفرد — من النظر لكل إنسان باعتباره معجزةً في ذاته، وأن لديه إمكانات كامنة للفعل والإبداع تميِّزه عن غيره من بني البشر، وأن أهم وظيفة للتنمية هي صناعة المناخ الذي يساعد وييسر على كل إنسان اكتشاف ذاته أو إعادة اكتشافها، في سياقات اجتماعية متزايدة الاتساع، تبدأ من أصغر وحدة اجتماعية ينتمي إليها، فالمجتمع المحلي، فالقومي، فالإقليمي، فالعالم أجمع.

تتيح التنميةُ الذاتية — على مستوى الفرد أيضًا — الفرصةَ للتفاعل النفسي/الاجتماعي في حدود طاقته على التواصل والتفاعل والعمل والمشاركة الإيجابية في مجتمعه المحلي، وكذلك في حدود قدرته على أن يرى ويلمس ويدرك ناتج تفاعُله وعمله؛ أي إن دائرة النية والعمل وناتج العمل تنغلق على مستوى المجتمع المحلي، فيستطيع الفرد من ثَمَّ أن يصحِّح رؤيتَه ويعدِّل مسارَ عمله، فيدخل في دائرة جديدة للتفاعل وهكذا.

التنمية الذاتية — من زاوية التدخُّل كعامِل مساعد — هي الخروج بالناس من حالة الغيبوبة والعجز والسلبية وانتظار الحلول الجاهزة، إلى المشاركة الفعَّالة في صنع واقعهم، واستعادة دورهم كفاعلين ومعاصرين في سياق مجتمعاتهم المحلية.

تبدأ التنمية الذاتية بفهم السياق العام للمجتمع المحلي وما يحوزه من إمكانات ذاتية، سواء أكانت قِيَمًا إيجابية دافعة للعمل والإبداع، أم شبكات علاقات اجتماعية فاعلة، أم أشكالًا من التنظيم الجماعي المحلي، أم معارفَ واسعةً عن المحيط الحيوي والموارد المحلية التي يحوزها الناس أو التراث التقني (المعارف والمهارات والخبرات التقنية)، وصولًا للخامات والموارد المحلية المتوافرة.

تعني التنمية الذاتية الاعترافَ بالتنوُّع في الظروف الإيكولوجية والخبرات التاريخية والثقافة والبِنَى الاجتماعية الحضارية للمجتمعات المحلية، وتوظيف ذلك التنوُّع، والاستفادة منه؛ أولًا: لاكتشاف الميزات النسبية والتنافسية التي يتميَّز بها المجتمع المحلي كمنطلق لإقامة أنشطة اقتصادية ناجحة، وثانيًا: لإثراء التجربة التنموية على المستويات القومي والإقليمي والعالمي.

تعني التنمية الذاتية إنصافَ العديد من عناصر الطابع المحلي في المسكن والملبس والأثاث والمأكل والأنشطة الاقتصادية … إلخ. ولا يعني ذلك تجميد هذه العناصر على صورتها الراهنة؛ فالعديد من عناصر الطابع المحلي يمكن أن تحمل صفتَيِ الثبات والتغيُّر في نفس الوقت، فالبناء بالطين مثلًا فكرة، لكن هناك بدائل عديدة في المواد والتقنيات وكذلك التصميمات، الأهم هو اكتشاف الشفرة والتعبيرية الحضارية الكامنة خلف الطابع المحلي؛ مما يعطي اتجاهات متميزة للتفكير والخيال والإبداع المرتكز على خصائص البيئة المحلية والخصوصية الحضارية للمجتمعات المحلية.

ما الذي تعنيه التنمية الذاتية بأعم وأوسع وأشمل معانيها؟ إنها تعني استعادة الإنسان المصري والعربي للمبادرة، وحقه في الاختيار؛ اختيار أهداف الحياة، ومعنى التقدم ومضمونه، وحقه في المشاركة في التنمية، وفي بناء مستقبله ومستقبل مجتمعه/أمته، كذلك تعني التنمية الذاتية تمكين أبناء المجتمعات المحلية تنظيميًّا وعلميًّا وتكنولوجيًّا، من أن يكونوا منتجين ومبدعين، والتخلِّي عن التقليد الأعمى للنموذج التنموي الغربي، وعن صيغة التحديث الجاهزة والمرتبطة بالتلقِّي السلبي لثمرات إبداع الآخَرين في صورة سلع وأساليب جاهزة للحياة والاستهلاك والإنتاج؛ مما يؤدِّي إلى خمود القدرات الإبداعية الذاتية.

التنمية الذاتية لا تعني فقط مشاركة الناس — كل الناس — في التنمية، بل أنْ يشعر الناس أن قضية التنمية هي قضيتهم وأنهم يملكون مفاتحها؛ لذا فهي تخاطب الدوافعَ الأعمق للوجود لدى الناس، ورغبتهم الأصيلة في التعبير عن أنفسهم؛ ومن ثَمَّ فالتنمية الذاتية من أهم شروط استدامة التنمية، أي التنمية المستدامة.

 

 

التنمية الذاتية: دليل من القرآن

عندما بلغ ذو القرنين بين السدين: وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا. لقد عرضوا عليه صفقة: قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا. عرضوا عليه صفقةً للقيام بعمل معين لقاءَ أجرٍ دون أي مشاركة منهم، فما كان جوابه عليهم؟ لقد نحَّى موضوعَ الصفقة جانبًا وقرَّرَ أن ينطلق من مُكْنَتِهِ هو: مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ أي ما يستطيعه هو كفرد مع نسبه الفضل فيما يستطيعه إلى الله عز وجل؛ كما لو كان يستشرف المشيئة الإلهية كي يعمل في ظلها.
المهم هنا كيف تعامَلَ ذو القرنين مع هؤلاء الذين لا يكادون يفقهون قولًا؟ أبسط ما يمكن أن يقال عنهم أنهم أميُّون أو جهلاء أو عديمو القدرة على الفهم؛ لقد قال لهم: فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أي إنه — بعد تنحيته الصفقةَ معهم جانبًا — استنفَرَ قوتهم، وجعل إعانتَهم له شرطًا لعمله معهم: أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا ثم عاد وطلب منهم إحضارَ خام محلي لديهم: آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ ثم طلب منهم المساعدة في صهر الحديد: قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا، ثم عاد فطلب خامًا آخَر وهو النحاس: آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا ليصنع سبيكةً من الحديد والنحاس؛ أي إن ذا القرنين استطاع أن يطلق طاقاتهم وقدراتهم الكامنة التي لم تكن ظاهرةً في البداية: لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا … «وهذا هو جوهر التنمية الذاتية؛ إطلاق الطاقات واستخدام الموارد المتاحة محليًّا لإيجاد حلٍّ مناسب لمشكلةٍ أو تحدٍّ واجَهَهما المجتمع المحلي.»

التنمية الذاتية: نموذج من الواقع

عندما ذهبنا إلى قرية كفر العرب، مركز فارسكور بمحافظة دمياط، وجدنا وضعًا في منتهى الغرابة؛ قرية تشتهر بصناعة الجبن الرومي والإسطنبولي، وكذلك بتربية الماشية من أجل إنتاج الألبان، ولديها ٨ مصانع منتجات ألبان، توقَّفَ ٤ منها ويعمل الباقي بنصف إنتاجه، والسبب: أن العلف بمكوناته المستوردة يأتي من مصانع خارج القرية؛ فلما ارتفع سعر العلف اتجه المربُّون من ثَمَّ إلى التخلُّص من أمهات الماشية بالذبح وبيعها كلحم!
هكذا وُلِدت فكرة المشروع في حوار حميم مع أهل القرية؛ مشروع صناعة أعلاف غير تقليدية من عروش البطاطا وبنجر السكر وحطب الذرة الشامية وقش الأرز، بأيدي المزارعين/المربِّين أنفسهم، وبماكينات تمَّ تصنيعها خصوصًا لتناسِب الموارد المحلية المتاحة، وكذلك القدرات المالية والتقنية لأبناء القرية، لكنْ طبعًا تحت الإشراف التقني والعلمي لخبراء الجمعية. مثَّلَ هذا المشروعُ فرصةً لاكتشاف وتكوين القيادات الطبيعية من أبناء القرية، الذين أشرفوا على تنفيذ المشروع، وقاموا بإنشاء جمعية كفر العرب لتنمية الثروة الحيوانية التي تمدُّ خدماتها للمربِّين من أبناء القرية. لقد أحدَثَ المشروعُ تغييرًا في نظرة أبناء القرية لمواردهم المحلية، كما أحدث — على مستوى القرية — تغييرًا في التركيب المحصولي؛ الزراعة من أجل إطعام السكان وليس الحيوان.

مقالات قد تعجبك:

 

كتاب: تأملات في التنمية تأليف: حامد الموصلي
لتحميل الكتاب من الموقع الرسمي لمؤسسة هنداوي من هنا
الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: Content is protected !!
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock