إدارة أعمال

مصادر المعلومات المتحيزة تليفزيون الواقع واضطراب قصور الانتباه

مصادر المعلومات تليفزيون الواقع: قررنا ذات مرة الإشارة إلى مسلسل من تليفزيون الواقع كدراسة حالة في حلقة دراسية قدَّمناها دارت حول التفكير الإبداعي (كمثال على التفكير غير الإبداعي). فتصفَّحنا الإنترنت لكي نرى إذا كان بمقدورنا الحصول على مقطع فيديو قصير لاستخدامه، فاكتشفنا أن شخصًا ما قد حمَّل نسخة مدتها ثلاث دقائق من حلقة مدتها ٢٤ دقيقة. وضحكنا من فرط الذهول إذ كيف يمكنك اختزال محتوى ٢٤ دقيقة إلى ثلاث دقائق والإبقاء على حبكة الرواية كما هي! بل إن البرامج الإخبارية أصبحت خفيفة وأكثر إثارة حتى تسترعي انتباهنا وتمتعنا بدلًا من مجرد مدِّنا بـ المعلومات كما كان هدفها النبيل أساسًا. ويجسِّد تويتر معضلة توليد وإعادة إنتاج المعلومات الفورية السريعة بطريقة قد تُصيبنا بالصَّرَع في نهاية المطاف؛ إذ ننتقل من المشاهير إلى الأزمات ثم نعود مرة أخرى. وغالبًا ما تخاطب وسائل الإعلام أقلَّ المستويات الثقافية لكسب دولارات الإعلانات، والنتيجة هي تزويدنا بكمٍّ محدد جدًّا من المعلومات وعزلنا عزلًا تامًّا عما يدور فعليًّا حولنا في العالم.

مصادر المعلومات – وسائل الإعلام

بالنظر إلى الوضع الحالي لوسائل الإعلام، فلا عجب أن تَجِدَ الباحثة في جامعة تكساس بأوستن، إليزابيث فاندرووتر، أن الإبداع لدى الأطفال ينخفض بنسبة ١٠٪ لكل ساعة يقضونها أمام التلفاز. وهذا التأثير ضخم جدًّا؛ إذ إن هذا يَعنِي أن الطفل العادي الذي يشاهد التلفاز لمدة ثلاث ساعات يوميًّا، تتدنَّى نسبة الإبداع لديه بمقدار ٣٠٪. لكن ماذا عن الأطفال الذين يشاهدون التلفاز لأكثر من عشر ساعات يوميًّا؟ تتخيَّل التأثير التدميري للتكنولوجيا الحديثة على البالغين، إذ إن اهتمامات العمل والأنشطة الترفيهية تدور حول متطلبات الحضور الطاغي والمستمر للتكنولوجيا. وبالطبع يُمكِنُنَا السيطرة عليها، إلا أننا ننتهي عبيدًا لها في نهاية المطاف دون إدراكنا. ومع تحسُّن تكنولوجيا الاتصالات، نتوقَّع سرعة في الاستجابة مما يشوِّش على فرص التفكير الإبداعي.

مصادر المعلومات وسائل الإعلام

وسائل الإعلام
وسائل الإعلام
تتحالف وسائل الإعلام تحالفًا وثيقًا بتعدد المهام وغيرها من المتآمرين بجماعة الضغط. وباتحادهم معًا، يمكنهم أن يُضفوا على ضحاياهم شعورًا بأنهم في أكثر لحظات حياتهم انشغالًا. وبالرغم من ذلك، لم يَمْضِ على الإنسان قط وقت شعر فيه بالخمول الشديد وعدم الحركة مثل هذه الأيام. وكما قال البروفيسور بول أوبراين، من مركز السمنة في جامعة موناش: «إن التكنولوجيات الحديثة مكَّنتنا من الانغماس في غريزتنا الإنسانية التي تميل إلى الكسل وتسويف الأعمال بإنتاج أعمال أخرى.» وكما لو كانت تلك الشخصيات تعاني من اضطراب قصور الانتباه، فإنها تنتقل من عمل شيء معين إلى آخر بسرعة البرق، ومعًا تُشتِّت انتباه ضحاياها، لتتأكد من عدم وجود أي وقت للإبداع. وفي حين أن جماعة الضغط عادةً ما تكون جذابة، ويكون الضيوف المدعوون وطاقم التحكم سفاحين واضحين، فإن العصابة الإعلامية غالبًا ما تتلاعب بمكر عن عمد. ووفقًا للسلوكيات الذهانية، فإن وسائل الإعلام التي نتعرض إليها أغلب الوقت تتسم بالنرجسية (إذ تُظهِر نمطًا سائدًا من عظمة الذات، واحتياجًا إلى نيل الإعجاب والافتقار إلى التعاطف، وتحتوي على سلوكيات سائدة من السعي لاسترعاء الانتباه والإغواء غير اللائق والسلوكيات السطحية أو المُبالغ فيها). ووسائل الإعلام كثيرة المطالب ولديها شَرَه لا يشبع بالزهيد ويحتاج إلى تغذيته باستمرار. وعبر وسائل الخداع البصري (البوتوكس، والفرشاة الهوائية، إلى جانب مهارات التعديل البارعة، والتصوير)، تستطيع وسائل الإعلام خلق صورة من الواقع تقوم على الكمال الاصطناعي التام. وغالبًا ما ينمي ذلك فينا الشعور بالنقص والتدني وعدم القدرة على تلبية التوقعات غير الواقعية.

الإعلان – مصادر المعلومات

ولا تبقى وسائل الإعلام على قيد الحياة إلا خلال محركها، ألا وهو الإعلان؛ إذ ينفق المعلنون جميعًا على التلفاز سنويًّا قرابة سبعين مليار دولارٍ أمريكي سنويًّا في الولايات المتحدة. وفي الفيلم الهدام «أكثر الأفلام مبيعًا»، يُتيح المخرج مورجان سبيرلوك الفرصة لثلاثة وعشرين من الرعاة لأنْ ينشروا أفكارهم دون خجل في الفيلم. وعبر إنتاج فيلم كامل عن قوة الإعلان، وهو ممول بأكمله من الإعلان، أخرج مورجان هذه العلاقة الفاسدة المترابطة إلى النور بذكاء. وقد أوضح سبيرلوك أن الإعلان قد أصبح واسع الانتشار بشدة في الأفلام وفي الحياة عمومًا، حتى إن الناس عادةً ما يُغفلونه. وأشار رالف نادر المناصر لحقوق المستهلك إلى أن هناك «إعلانات الآن في دورات المياه العامة، وعلى أرضية المتاجر وفي المصاعد، حتى على حوائط المدارس وعلى جانبيْ حافلات المدارس.» والبرنامج الوثائقي «أسرار الماركات التجارية الكبرى» الذي أنتجته محطة بي بي سي، ويقدمه أليكس رايلي، يسلط الضوء على إغراءات العلامات التجارية الكبرى. فيصف رايلي الازدحام الفوضوي التي تسبَّب به افتتاح متجر جديد لشركة أبل ويقول: «كان المشهد الذي رأيته في الافتتاح أشبه باجتماع لصلاة بروتستانتية، ليس مجرد فرصة لشراء هاتف أو كمبيوتر محمول!» وذكر رايلي بالفعل أن علماء الأعصاب توصَّلوا إلى أن الماركات التجارية الكبرى قد استولت على منطقة في المخ كانت مخصصة سابقًا للدين.

مصادر المعلومات – دراسة العلامات التجارية

إنَّ اختبار تذوق كوكاكولا وبيبسي الذي أجري في السبعينيات من القرن الماضي ويعرف الآن بسمعته السيئة هو دراسة حالة مثيرة للاهتمام للطريقة التي تتخذها العلامات التجارية الكبرى لتقليص مساحة تفكيرنا. يذكر العديد من الناس القصة الأصلية، وفيها أجرت شركة بيبسي اختبارات تذوُّق في جميع أرجاء أمريكا لمنتجها ومنتج كوكاكولا — دون أن يعرف المحكَّم أيهما يتذوق — وأقنعت جيلًا بأسره أن طعم بيبسي أفضل من كوكاكولا. حاولت كوكاكولا أن تقلِّد تركيبة منافستها الناجحة، لكنها فشلت فشلًا ذريعًا. ولا يعرف الكثير من الناس القصة اللاحقة بهذه الرواية. ففي عام ٢٠٠٣، وضع عالم الأعصاب ريد مونتاجيو تجربة في محاولة لقياس «تأثير العلامة التجارية» لكوكاكولا. ولتنفيذ هذا الأمر، أعاد التجربة الأصلية مع اختلاف طفيف: في هذه المرة أوضح أيًّا من العينات كوكاكولا وأيها بيبسي. وللدهشة، قال تقريبًا كافة المشاركين إنهم يفضلون الكوكاكولا، وأظهرت الفحوصات التي أجريت على مخاخهم نشاطًا كبيرًا في منطقة القشرة الجبهية الأمامية، وهي المسئولة عن القوى الإدراكية رفيعة المستوى. لقد اقتنع المشاركون بماركة الكوكاكولا أيما اقتناع حتى إنها غيَّرت أنماط مخاخهم وخلقت «حبًّا» أعمى لعلامة المنتج التجارية.

مصادر المعلومات – عاطفتنا

والتحدي الأكبر الذي نواجهه الآن هو تحديد أين نضع أكثر الموارد قيمة، وهو انتباهنا؛ ومن ثم «عاطفتنا». فحينما تكون مصادر معلوماتنا محدودة من حيث المضمون لكنها كبيرة كمًّا، لا يمكن للعقل أن يتكيف معها ببساطة. والشيء الجيد في وسائل الإعلام هو أننا — إلى حدٍّ ما — يمكننا أن نطفئها أو أن نختار برامج إيجابية تفتح عقولنا أمام أفكار ومعلومات جديدة وتحفز التفكير الإبداعي. وما دمنا نتحكم في جودة ما نتعرض له وكمه، وما دمنا نتخذ نظرة تشككية إيجابية في الدوافع الكامنة وراء آراء وسائل الإعلام، يمكن للإعلام أن يفتح نافذة إيجابية على العالم وأن يكون حليفًا وليس قاتلًا.

 

اقرأ ايضاً:

مصطلحات إدارية
دراسات القيادة الكلاسيكية
الإبداع هل أنت مبدع؟

 


 

مصادر المعلومات – كتاب: مَنْ قَتَل الإبداعَ؟ – تأليف: أندرو جرانت وجايا جرانت
ترجمة: أحمد عبد المنعم يوسف – مراجعة: إيمان عبد الغني نجم | مؤسسة هنداوي

لتحميل كتاب”مَنْ قَتَل الإبداعَ؟” من الموقع الرسمي لمؤسسة هنداوي: من هنا

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: Content is protected !!
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock