التاريخ

مشاهير اليهود

اعلم أن المتقدمين من اليهود الذين لهم علاقة بالدين دُوِّن أشهر تاريخهم وتراجم حياتهم في التوراة، وهي كثيرة الشيوع يقرؤُها الجميع ويعرفون منها أخبار هؤلاءِ المشاهير؛ ولذلك نقتصر هنا على ذكر بعضهم تبيانًا لما حازوهُ من الشهرة العظيمة وما أتوهُ من الأعمال المعروفة، حتى إن المتأخرين على سعة اطلاعهم وغزير علمهم لا يزالون يترنمون بنظم أولئك الأفاضل وسمو أقوالهم ووافر حكمتهم.

 يوسيفوس يوسيفوس المؤرخ الشهير اليهودي

إذا عُدَّت رجال اليهود الذين نبغوا في العلوم والمعارف واشتهروا بعلو الهمم وسامي المدارك، فكانوا مثالًا حميدًا في حب الوطن والمدافعة عنهُ وتضحية حياتهم إعلاءً لشأن أمتهم ورفع منارها عُدَّ يوسيفوس في طليعتهم جهادًا، وكان من أشهرهم بلا منازعة، فمن لا يعرف هذا الاسم الشهير، وقد ملأ ذكرهُ صفحات التاريخ، ومن لم يقرأ شيئًا من كتاباتهِ ومباحثهِ التاريخية المفيدة، ولا يخلو تاريخ مدقق منها، فيوسيفوس هو المؤرخ الذائع الصيت الذي قضى حياتهُ باحثًا ومنقبًا، فاكتشف كثيرًا من أسرار التاريخ الغامضة التي كان يعزُّ الوقوف على مبادئها ونتائجها، وهو الذي أتى أعمالًا مجيدة قرنت اسمهُ بالمجد وأذاعت في العالمين شهرتهُ، فكم مرةً خاطر بحياتهِ ذائدًا عن حقوق أمتهِ ووطنهِ، ولا بدَّ من إعلان ذلك تدوينًا لذكرهِ، بحيث يرى من ترجمتهِ أنهُ كان جامعًا بين بلاغة المؤرخ وتضلعهِ والحاكم العادل والقائد الخبير المُحنك والقاضي المتشرع إلى غير ذلك من الخلال العزيزة المنال.

كتب يوسيفوس ترجمة حياتهِ بنفسهِ ودوَّن في كتابهِ حرب اليهود أخبارهُ وأعمالهُ مسهبًا فيها، فلم يُبقِ لأحدٍ مجالًا إلى البحث للوقوف على ما لهُ علاقة بسيرتهِ.

وُلد هذا الرجل العظيم في السنة الأُولى من ملك كاموس قيصر «كاليفولا»، أي: سنة ٣٧ أو ٣٨ للميلاد، ويؤخذ من كتابهِ أنهُ عريق في الحسب والنسب يمتدُّ تاريخ عائلتهِ إلى زمنٍ بعيد، واسم أبيهِ متياس، وقد كان في أعلى درجات الكهنوت وأُمهُ من آل حشمناي الذين تولوا الملك ورئاسة الكهنوت معًا، فهو إذن يوسف بن متياس، وليس ابن كوريون كما قال ابن خلدون، فأضلَّ كثيرين من الباحثين، ولم يُذكر في كتب التاريخ إلا باسم يوسيفوس وعُرف بهذا الاسم أيضًا، ويقال: إنهُ كان في أيام يوسيفوس رجل آخر بهذا الاسم، وكان شاغلًا مركزًا مهمًّا في الحكومة.

الملكة إستير من مشاهير اليهود

من لم يسمع باسم هذه المرأة الشهيرة التي خلصت شعبها من الهلاك ودافعت عنهُ مدافعة الأبطال، وأعلتهُ إلى ذُرى المجد ورفعة الشأن وأتت أعمالًا خطيرة دُوِّنت في صحف التاريخ، ولا يزال صداها يردد على توالي الأيام، اسمها الأصلي بالعبرانية «هَدَسَّه»، وهي لفظة تفيدُ معنى الآس، أما اسمها الفارسي فإستير، ومعناهُ الكوكب أو السيار المسمى بالزهرة، وهي معروفة بالاسم الأخير الذي لقِّبت بهِ عندما أحبها الملك وعظمت في عينيهِ، وقد اعتاد ملوك الشرق في قديم الزمان أن يغيروا اسم كل من كان محبوبًا منهم مشمولًا بعواطفهم وأنظارهم دلالة على علو مكانتهِ، وعليهِ لقِّبت إستير بهذا الاسم عندما دخلت القصر، أو عندما وُضع التاج على رأسها.

وُلدت إستير منفيةً في بلاد فارس واسم أبيها إبيحايل توفي وتركها صغيرة السن فتبنَّاها عمها مردخاي، واعتنى بتربيتها وتثقيف عقلها، وكان لها أبًا ووصيًّا.

 ابن سهل من مشاهير اليهود

هو إبراهيم بن سهل الإسرائيلي الإشبيلي الشاعر الطائر الصيت الذي اشتهر بالذكاءِ، وتوقد الذهن وعرف بسعة الاطلاع ووافر الأدب، ولد سنة ٦٠٩ هجرية، وهو شاعر مشهورٌ ولهُ ديوان معروف فيهِ من القصائد الغراءِ والمقاطيع البديعة شيءٌ لا يُحصى خصوصًا في الغزل؛ لأنهُ كان — رحمهُ الله — ممن ملك الحب قلوبهم فأذلهم، وقد مات ابن سهل غريقًا مع ابن خلاص والي سبتة سنة ٦٤٩ هجرية، وعمرهُ نحو الأربعين سنة.

السموأَل بن غريض بن عادياء اليهودي

هو السموأَل بن غريض بن عادياء اليهودي من يهود يثرب، وأكثر المؤرخين يسمونهُ السموأل بن عادياء، فيتركون اسم أبيهِ وينسبونهُ إلى جدهِ، وهو أحد شعراءِ الجاهلية المشهورين وأكثرهم طلاوة ورونقًا في كلامهِ، وصاحب الحصن العظيم المعروف بالأبلق الفرد الذي بناهُ جدهُ عادياء، فكانت العرب تنزل فيهِ فيضيفها وتقيم هناك سوقًا كبيرًا، وكما أن السموأل اشتهر بشعرهِ، فإنهُ اشتهر أيضًا بوفائهِ حتى صار يُضرَب بهِ المثل في الوفاءِ والأمانة،

أطباءُ من مشاهير اليهود

اشتهر كثيرون من الأطباء اليهود في علم الطب، وأخذ الخلفاءُ والأمراءُ عنهم هذا الفن وتبحروا فيه، وعددهم عظيمٌ نكتفي بذكر بعضٍ من مشاهيرهم، فمنهم أبو حفص يزيد مولى مروان بن الحكم طبيب يهودي في اليمامة كان في خلافة ابن عفَّان سنة ٣٠ للهجرة/٦٥٠م.

وماسرجويه الطبيب البصري سرياني اللغة يهودي المذهب، تولى ترجمة مؤلف القس أهرون من السرياني إلى العربي في خلافة مروان، وكان طبيبًا ماهرًا مشهورًا بالبراعة والذكاء، روى أيوب بن الحكم قال: كنت جالسًا عند ماسرجويه فأتاهُ رجلٌ من الخوز، وقال لهُ: إني بليت بداءٍ عُضال لم يُبلَ أحدٌ بمثلهِ، فسألهُ عن دائهِ، فأجابهُ: أُصبح فبصري مظلمٌ عليَّ وأُصاب بألم في معدتي فلا تزال هذه حالي إلى أن آكل شيئًا، فإذا أكلت سكن ما أشعر بهِ إلى وقت انتصاف النهار، ثم يعاودني ما كنت فيهِ، فإذا عاودت الأكل سكن ما بي إلى وقت صلاة الليل، ثم يعاودني ثانيةً فلا أجد لهذا الداءِ دواءً إلا الأكل، فقال لهُ ماسرجويه: على دائك هذا غضب الله فإنهُ أساءَ لنفسهِ الاختيار عندما حل بك وإنني لأودُّ أن هذا الداءَ يتحول إليَّ وإلى أولادي فكنت أعوضك عنهُ، فقال لهُ الخوزي: لم أفهم ما تقول، فأجابهُ ماسرجويه: هذه صحة لا تستحقها، وإني أسأل الله نقلها عنك إلى مَنْ هو أحق بها منك.

ومنهم أبو موسى جابر بن حيان بن عبد الله الصوفي الطرسوسي، وُلد في الكوفة واشتهر في علم الكيمياء وجمع خمسمائة رسالة من رسائل جعفر في ألف صفحة طبعت في ستراسبور سنة ١٥٣٠، وأيضًا سنة ١٦٢٥، وطبع أيضًا كتاب أصول الكيمياء لجابر وابن سينا في باسل سنة ١٥٧٢، ولهُ كتاب في علم الهيئة طبع في نورسبرج سنة ١٥٣٤.

ومن الذين اشتهروا في علم الأدوية والعقاقير أبو داود سليمان بن جلجل الطبيب الأندلسي القرطبي اليهودي، نبغ في أواسط القرن الرابع للهجرة، وقد ترجم عدة مصنفات طبية منها كتاب الأدوية البسيطة لديسقور يدس اليوناني بمساعدة بعض الأطباء، فجاءَت ترجمةً في غاية الدقة والضبط، ولا سيما في أسماءِ العقاقير فاكتسب بذلك شهرة كثيرة وصيتًا بعيدًا.

ومن الأطباءِ المشهورين جبرائيل بن بختيشوع الذي كان أيام الرشيد سنة ٨١٤ ميلادية، واشتهر في حذقهِ وبراعتهِ في الطب وامتدحهُ أبو الفرج، وذكر عنهُ الأمير حيدر الشهابي في تاريخهِ المطبوع في مصر في الصفحة ١٣٦ وما بعدها نوادر غريبة تدل على فطنتهِ وإخلاصهِ في مهنتهِ.

ومنهم موسى بن ميمون الذي شهرتهُ تغني عن ترجمتهِ، ولهُ عدا اشتغالهُ بالطب المؤلفات النفيسة في مواضيع مختلفة، وقد مرَّ ذكرهُ في غير هذا المكان.

ومن الأطباء المشهورين منقة وصالح بن بهلة وعبدوس بن يزيد وموسى بن إسرائيل الكوفي وزين الطبري اليهودي، وأبو يوسف يعقوب بن إسحاق، وقد نبغ كثيرون من الأطباء اليهود الحاذقين يضيق المقام عن ذكر أسمائهم فاكتفينا بما تقدم، وأما أطباءُ اليهود الحديثون وكتابهم المشهورون، فكثيرون لا يسعهم هذا المختصر، وربما عدنا إلى ذكر كثير منهم في طبعةٍ أخرى.

ابن تبُّون

هو يهوذا بن شاول بن تبون الكاتب العبراني والمعرب الشهير، وُلد في بلدة لونل بفرنسا سنة ١١٢٠، ولم يقم طويلًا فيها؛ لأن سكانها اضطهدوا اليهود وعاكسوهم كثيرًا حتى اضطروا إلى مزايلتها، والسفر منها إلى مدن أخرى، وقد هاجر مع من هاجروها، وجاء بروفنسة فاستوطنها، واشتهر بعد ذلك بالتعريب والتصنيف، فقد عرب إلى العبرانية أعظم مؤلفات اليهود العبرية ولُقِّب بأمير المعربين، وألَّف كتابًا في أصول اللغة العبرانية، ولكنهُ فُقِدَ ولم يعثر عليهِ أحد، وتوفي ابن تبون سنة ١١٩٠ للميلاد.

وولد ابنهُ صموئيل بن تبوك بن يهوذا سنة ١١٦٠، وتوفي سنة ١٢٣٠، وكان كاتبًا معدودًا ومعربًا شهيرًا مثل أبيهِ، فقد عرب إلى العبرانية عدة مؤلفات فلسفية لكثير من علماء اليهود وغيرهم وعلق شروحًا كثيرة على سِفر الجامعة وسِفر التكوين من الإصحاح الأول إلى التاسع، وقد طُبعت هذه الشروح في برسبرج سنة ١٨٣٧.

ابن شعيب

هو يوئيل بن شعيب اليهودي التطيلي الأندلسي الكاتب المفسر، نبغ في تطيلة في القرن الخامس عشر للميلاد، ووضع شروحًا مفيدة على بعض أسفار الكتاب طبعت في ونديق، ويظن أنهُ ولد سنة ١٤٣٠، وتوفي سنة ١٤٩٠.

ابن جبرول

ويُعرف عند الإفرنج باسم أويسبرون، وُلد في مالقه في أوائل سنة ١٠٢١، وتوفي سنة ١٠٧٠، ونبغ بين معاصريهِ، واشتهر بسعة علمهِ وزادت شهرتهُ عند أهل القرون المتوسطة بكتابٍ سماهُ «ينبوع الحياة»، وقد وثق بهِ بعضهم وأعلوا مقامهُ وأحلوا كلامهُ محل القبول ونبذهُ آخرون وعدوهُ كافرًا، وكانوا في الحقيقة يجهلون ما هو دينهُ ولا يعرفون إن كان يهوديًّا أو نصرانيًّا أو مسلمًا، وما زال مجهولًا حتى عثر بعض الباحثين على نسخة عبرانية من كتابهِ ينبوع الحياة معربة عن الأصل العربي، فعرفوا منها أن أويسبرون هو سليمان بن يهوذا بن جبرول المعروف عند العرب بأبي أيوب سليمان بن يحيى، وكان متضلعًا عالمًا وفيلسوفًا شهيرًا راسخًا في علم اللغة العبرانية، ولهُ منظومات دينية تدل دلالة واضحة على صحة عقيدتهِ وتمسكهِ بدينهِ، ولهُ منظومة بديعة في نحو العبرانية ألفها وهو ابن تسعٍ وعشر، وهي مثالٌ في الطلاوة وحُسن الإنشاءِ، ولهُ كتاب في إصلاح الأخلاق باللغة العربية نقلهُ يهوذا بن تبون إلى العبرانية، وطبع سنة ١٥٥٠، ولم يقم طويلًا في سرقطسة؛ لأنهُ أورد في كتابهِ آراءً جديدة في الطبيعة البشرية والشهوات وتعرض لأمور شخصية ألزمتهُ الرحيل، وتنقل كثيرًا في بلاد إسبانيا من مدينة إلى أخرى بغير أن يقرَّ لهُ قرار حتى استدعاهُ الوزير الأول صموئيل صاناكد الإسرائيلي وقرَّبهُ إليهِ وأعلى مقامهُ، ولابن جبرول شروحات كثيرة على بعض أسفار التوراة ومنظومة سماها «التاج الملوكي»، وفيها كثيرٌ من جودة المعاني والشوق الروحاني حتى صار اليهود يرتلونها في صلاتهم ليلة عيد الحزن.

مشاهير اليهود من كتاب: تاريخ الإسرائيليين تأليف: شاهين مكاريوس

وللأطلاع على كتاب تاريخ الإسرائيليين كاملًا يمكنك شراء الكتاب ويصلك حتى باب المنزل

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: Content is protected !!
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock