منوعات

كالنهر الذي يجري – باولو كويلو نهار في الطاحونة

كالنهر الذي يجري – باولو كويلو نهار في الطاحونة

 

حياتي في هذه اللحظة مكونة من سمفونية من ثلات حركات:
((اناس كثيرون)) و ((بعض الناس)), ((لاأحد تقريبًا))
وكل منها يدوم نحو أربعة أشهر في السنة
كثيرا ماتختلط خلال شهر واحد لكنها لا تمتزج ..

(أناس كثيرون) هي الاوقات التي أكون فيها على تماس مع الجمهور و الناشرين والصحفيين
و (بعض الناس) عندما أذهب الى البرازيل وألتقي بأصدقائي وأتنزه على شاطئ كوباكابانا
وأشارك في بعض اللقاءات الاجتماعية ولكنني أبقى في بيتي بصورة عامة ..

و مع ذلك فانني أرغب اليوم في أن اتكلم قليلا عن حركة (لا أحد تقريبًا)

في هذه اللحظة في جبال البيرينيه الليل يخيم على هذه القرية التي تعد نحو مئتي نسمة
حيث اشتريت منذ بعض الوقت طاحونة قديمة تحولت الى بيت
أستيقظ كل صباح مع صياح الديك وأشرب قهوتي وأخرج لأتنزه وسط الأ بقار والنعاج و مزارع الذرة الصفراء و الشوفان
و أتأمل الجبال, وبعكس مايحدث في حركة (أناس كثيرون)
لا أسعى الى التفكير بما أنا فيه, ولا أطرح على نفسي أسئلة
وليس لدي أجوبة, بل أعيش كليًا في اللحظة الحاضرة
وأنا أفهم أن السنة تحوي أربعة فصول
( قد يبدو ذلك بديهيا , ولكننا ننساه أحيانا)
وأتحول الى مثل المنظر المحيط بي ..
في هذه اللحظة أنا لا أعبأ كثيرا بما يجري في العراق أو في أفغانستان
ككل شخص اخر في الريف , الأخبار الاهم لديه هي أخبار الطقس
فسكان المدينة الصغيرة جميعا يعرفون ان كان المطر سيهطل وان كان الطقس سيبرد و ان كانت الريح ستهب
لأن ذلك يؤثر مباشرة على حياتهم ومشاريعهم و محاصيلهم
أرى مزارعا يعتني بحقله نتبادل تحية الصباح و نتكلم عن الطقس الذي سيأتي ونستأنف نشاطاتنا
هو على محراثه  وأنا في نزهتي الطويلة ..

كالنهر الذي يجري – باولو كويلو – نهار في الطاحونة

 كالنهر الذي يجري
كالنهر الذي يجري

أعود وأنظر في صندوق الرسائل
فأجد فيها الصحيفة الاقليمية.هناك حفل في المدينة المجاورة
ومحاضرة في بار في تارب- المدينة الكبيرة بسكانها الاربعين الفا
استدعي رجال الاطفاء خلال الليل لأن كومة قمامة اشتعلت
أما الموضوع الذي استدعى اهتمام المنطقة فهو عصابة متهمة بقطع أشجار الدلب التي تحاذي طريقا ريفيا
لأن أفرادها تسببوا بموت أحد راكبي الدراجات وقد شغل هذا الخبر صفحة كاملة وعدة أيام من التحقيقات
حول موضوع (الفدائي السري) الذي يريد أن ينتقم لموت الصبي بقطع الأشجار ..
استلقيت قرب جدول الماء الذي يخترق طاحونتي
نظرت الى السماء الخالية من الغيوم في هذا الصيف الرهيب الذي تسبب بوفاة خمسة الاف شخص في فرنسا
نهضت وذهبت لامارس الكيودو, التأمل مع القوس والسهم, وهذه الرياضة تأخذ مني اكثر من ساعة يوميا
حان وقت الغداء : أعددت وجبة خفيفة
وفجأة لاحظت في أحد ملحقات البناء القديم شيئا غريبا مزودا بشاشة وبلوحة مفاتيح متصلة
وتلك أعجوبة الاعاجيب- بخط ذي تدفق عال جدا يسمى أيضا ASDL
اذا ما ضغطت على زر من هذه الالة أعلم ان العالم سيأتي لملاقاتي ..
قاومت قدر استطاعتي ولكن اللحظة أزفت, فقد لمس أصبعي زر (تشغيل)
و سرعان ما صرت من جديد على اتصال بالعالم و بأعمدة الصحف البرازيلية و الكتب والمقابلات التي يجب أن أعطيها
وبأخبار العراق وأفغانستان و الطلبات, وبالاعلان أن تذكرة الطائرة سيأتي غدا
و بالقرارات التي علي ان أؤجلها  وبالقرارات التي يجب علي أن اتخذها ..
اشتغلت عدة ساعات لأني اخترت ذلك لأن هذه هي اسطورتي الشخصية لأن فارس النور يعرف أن عليه واجبات و مسؤوليات
ولكن في حركة (لا أحد تقريبا) كل ما وجد على شاشة الحاسوب بعيد جدا
كما تبدو الطاحونة حلما عندما أكون في حركتي (أناس كثيرون )) و ( قليل من الناس))
بدأت الشمس غروبها , وانطفأ الحاسوب
و بكل بساطة صار العالم من جديد الريف وعبير الاعشاب
و خوار الأبقار وصوت الراعي الذي يعيد نعاجه الى الحظيرة قرب الطاحونة…
تساءلت كيف يمكنني أن اتنزه في نهار واحد في عالمين مختلفين هذا الاختلاف كله :
ليس لدي جواب , ولكنني أعرف أن هذا يمنحني كثيرا من المتعة , مثلما أنا مستمع بكتابة هذه الاسطر …

كالنهر الذي يجري لـ باولو كويلو

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: Content is protected !!
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock