البيانات
البيانات

فهم البيانات

إحدى الطرق الجيدة للكشف عن الطبيعة الجوهرية للبيانات هي محاولة فهم ما يعنيه محو، أو تدمير، أو فقدان البيانات. تخيَّلْ صفحة كتاب كُتِبَ بلغة لا نعرفها، وهَبْ أن البيانات كانت في صورة رسوم تخطيطية. يشير النمط الاعتيادي إلى الالتزام بنوعٍ ما من البنية اللغوية. فرغم أننا نمتلك جميع البيانات، إلا أننا لا نعرف معناها؛ ومن ثَمَّ لا تتوافر لدينا معلومات. لنمحُ نصف الرسوم التخطيطية. ربما يُقال إِنَّنَا قسَّمنا البيانات أيضًا من خلال عملية المحو تلك، وإذا استمررنا في إجراء هذه العملية، إلى أن يتبقى لنا رسم تخطيطي واحد فربما نُدفع إلى القول بأن البيانات تتطلب صورةً ما من صور التمثيل، أو ربما كانت متماثلة معها. لنَقُم الآن بمحو هذا الرسم التخطيطي الأخير. صار لدينا الآن صفحة بيضاء، وإن كانت ليست بدون بيانات تمامًا؛ إذ لا يزال وجود الصفحة البيضاء يمثل معطياتٍ، طالما كان ثمة فرق بين الصفحة البيضاء والصفحة التي كُتِبَ شيء ما عليها أو قد يُكتب شيء ما عليها. قارن هذا بالظاهرة الشائعة المعروفة اصطلاحًا باسم «الموافقة الصامتة». يعتبر الصمت، أو غياب بيانات مدركة، وحدةَ بيان واحدة بقدر ما أن وجود بعض الضوضاء يُعتَبَر أيضًا وحدة بيان واحدة، تمامًا مثل الأصفار في النظام الثنائي. تذكَّر في مثالنا قلَق جون عندما لم يسمع أي صوت يصدر عن محرك سيارته. كان غياب الضوضاء دالًّا على معلومة.

فهم البيانات
فهم البيانات

في حقيقة الأمر، يمكن تحقيق عملية محو حقيقية وكاملة لجميع البيانات من خلال محو جميع الاختلافات الممكنة، وهو ما يشير إلى السبب في أن أي مُعطًى يمكن اختزاله في النهاية إلى «غياب الانتظام». وحول هذه النقطة المهمة سلَّط دونالد ماكريمون ماكاي (١٩٢٢–١٩٨٧) الضوءَ عندما كتب قائلًا: «تعتبر المعلومات تمييزًا يصنع فرقًا.» سار جريجوري باتسون (١٩٠٤–١٩٨٠) على أثر ماكاي، الذي كان شعاره معروفًا أكثر، وإن كان أقلَّ دقة: «في حقيقة الأمر، ما نعنيه بالمعلومة — الوحدة الأساسية للمعلومات — هو أنها فرق يصنع فرقًا.» وإذا أردنا وضع تعريف أكثر منهجية، وفق «التفسير الاختلافي».

يتمثل التعريف العام للمُعطى في:

المُعطى = تعريف حيث س تتميز عن ص؛ حيث إن س وص متغيران غير مُفسَّرين، وتبقى علاقة «أن يكون متميزًا» — فضلًا عن النطاق — مفتوحة لمزيد من التفسير.

يمكن تطبيق هذا التعريف للبيانات بطرق ثلاث رئيسية:

أولًا: قد تعبِّر البيانات عن حالات غياب الانتظام في العالم الواقعي. لا يوجد اسم محدَّد لمثل هذه «البيانات الطليقة»، وقد يشير إليها المرء باعتبارها «ديدومينا» Dedomena، التي تعني «بيانات» باليونانية (لاحظ أن كلمة بيانات بالإنجليزية، data، مأخوذة من الترجمة اللاتينية لأحد أعمال يوكليد المعنون «ديدومينا»). يجب عدم الخلط بين ديدومينا و«المعلومات البيئية» التي سيجري تناولها لاحقًا في هذا الفصل؛ فديدومينا بيانات خالصة؛ بمعنى أنها بيانات لم تخضع للتفسير أو لعملية معالجة إدراكية. بينما لا يجري التعرف على هذه البيانات مباشرةً، يجري استنباط وجودها عمليًّا من خلال الخبرة والتي تشترط وجودها أساسًا؛ حيث إنها تمثِّل ما يجب توافره في العالم حتى تكون معلوماتنا ممكنة بأي حال من الأحوال. ومن هنا، تمثِّل ديدومينا أي حالة غياب انتظام في العالم كمصدر (لما يبدو لكائنات معلوماتية مثلنا) للبيانات، مثل ضوء أحمر إزاء خلفية مظلمة، حيث سنرى أن بعض الباحثين قبِلوا بالطرح القائل بعدم وجود معلومات دون بيانات بينما رفضوا الطرح القائل بأن المعلومات يجب أن تمتلك طبيعة مادية.

ثانيًا: قد تمثِّل البيانات حالات غياب انتظام بين (إدراك) حالتين ماديتين على الأقل لأحد النُّظُم أو «الإشارت». من أمثلة ذلك، شحنة أكبر أو أصغر لبطارية، إشارة كهربية متغيرة في محادثة هاتفية، أو النقطة والخط في أبجدية مورس.

أخيرًا: قد تمثِّل البيانات حالات غياب انتظام بين «رمزين»، مثل حرفي P وB في الأبجدية اللاتينية.

بناءً على التفسير الشخصي، قد تكون «ديدومينا» في (١) إمَّا متطابقة مع «الإشارات»، أو هي ما تجعلها ممكنة في (٢)، والإشارات في (٢) هي ما تجعل عملية ترميز «الرموز» في (٣) ممكنة.

يفسر اعتماد المعلومات على ظهور بيانات متماسكة الصياغة من الناحية البنيوية، وكذلك اعتمادها على ظهور اختلافات قابلة للتنفيذ في صورة مادية، سبب إمكانية فصل المعلومات بسهولة بالغة عن دعمها. يعتبر «التنسيق»، و«الوسط»، و«اللغة» التي يتم بها ترميز البيانات، ومن ثَمَّ المعلومات، مسائل غير مهمة في كثير من الأحيان مثلما يمكن الاستغناء عنها، وبصورة خاصة، يمكن طباعة البيانات/المعلومات نفسها على الورق أو مطالعتها على شاشة، مرمزةً بالإنجليزية أو بلغة أخرى، ومعبَّرًا عنها بالرموز أو الصور، سواء في صورتها التناظرية أو الرقمية، ويعتبر التمييز الأخير في غاية الأهمية وهو ما يستحق بعض التوضيح.

 

فهم البيانات – المعلومات مقدمة قصيرة جدًّا

تأليف: لوتشانو فلوريدي – ترجمة: محمد سعد طنطاوي – مراجعة: علا عبد الفتاح يس – مؤسسة هنداوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: Content is protected !!