إدارة أعمال

القرارات العامَّة فن اتخاذ القرارات الصائبة

حين ينظم الأشخاص أنفسهم (أو يجري تنظيمهم بواسطة الآخرين) في مجموعات، أو نوادٍ، أو لجان، أو أحزاب سياسية، أو دول — كبيرةً كانت أم صغيرةً — فلا بد من السؤال عن كيفية اتخاذ القرارات نيابةً عن المجموعة. ينبغي، من حيث المبدأ، أن يكون الهدف هو أن يخدم القرار مصالح المعنيين به، لكن هذا المبدأ يحظى بالتأييد اللفظي الكاذب أكثر ممَّا يحظى بالاهتمام الفعلي؛ فعادةً ما تكون ماهية تلك المصالح أبعد ما تكون عن الوضوح؛ فهي تعتمد على ظروف خارجية؛ سواء أكانت هذه الظروف قاسية أم جيدة، بمعزل عن الناس أم اجتماعية، تكتنفها الصداقات أم العداوات، متجانسة أم متغايرة … إلخ. وعلى الرغم ممَّا نتعلمه في المدارس عن تفوُّق «الطريقة الأمريكية»، لا يوجد شكل «أمثل» للحكومة يناسب كل الأزمنة والأماكن، ومن الغرور البحت أن نعتقد أن الآخرين سوف يكونون دومًا أفضل حالًا إذا فعلوا ما نفعله نحن. موضوع هذا الفصل هو أن بنية عملية اتخاذ القرارات العامة (الحكومة) يمكن أن تتخذ أشكالًا مختلفة، اعتمادًا على الدور الذي يُتوقَّع منها أن تحققه؛ وأن القرارات، كما هو الحال دائمًا، ستؤتي ثمارها في الأغلب إذا اتُّخذت «بعدَ» أن يُحدَّد الهدف منها، وليس قبل ذلك.

 

فن وعلم اتخاذ القرارات الصائبة

في أحيان كثيرة، لا يكون للمحكومين رأي في «الكيفية» التي يُحكَمون بها، وتكون سلطةُ اتخاذ القرار داخل أي مجموعةٍ مملوكةً لمجموعة ثانوية من الأفراد، أو حزب سياسي، أو جيش، دون أن يكمن سبب وراء ذلك سوى مجرد الرغبة في الاستئثار بالسلطة. (تلك الرغبة الضاربة بجذورها في الطبيعة البشرية لها تاريخ طويل، ولن تُمحَى بشكل سحري عن طريق الوعظ والنصح.) وبمجرد أن تصبح السلطة في اليد، فإنه يمكن تبرير هذا الاستيلاء بأثر رجعي؛ فعادةً ما يعيد المنتصرون كتابة التاريخ. لكن هذا ليس موضوعنا هنا؛ بل كل ما نريده هو السؤال عن كيفية ارتباط توزيع سلطة اتخاذ القرار (فَلْتُسمِّها الحكومةَ إن شئتَ) بمشكلات المجتمع، الواقعية والمتصوَّرة على حد سواء.

 

إنها لَحقيقة بديهية أن جميع المجتمعات القائمة كانت تتخذ من البقاء هدفًا جوهريًّا — وتلك المجتمعات التي لم تُولِ اهتمامًا كافيًا لتلك الحاجة الأساسية لم يَعُدْ لها وجود — لكن المجتمعات الحديثة والغنية لديها دوافع أكثر تعقيدًا تضاف إلى هذا الدافع، وغالبًا ما يُعميها ذلك عن رؤية مدى ضعفها. تختلف الهياكل التنظيمية داخل الشركات عنها في العائلات، وتختلف الهياكل التنظيمية للعائلات عن الدول، والقبائل عن الدول، واللجان عن المجالس النيابية. وفي معظم الحالات، يتطوَّر الترتيب على مر السنوات أو القرون مع تذبذب السلطة بين التزايد والانحسار، دون التفكير في أي فلسفة كامنة أو منطق معروف وراء هذا الترتيب؛ هناك بالطبع استثناءات لهذه المبالغة، كما هو الحال في كتابات أفلاطون، وأرسطو، وتوماس هوبز، وجان جاك روسو، وجون لوك، ومونتسكيو، وتوم بين، إلا أن هؤلاء ليسوا سوى ينابيع صغيرة مقارَنةً بنهر التاريخ الإنساني العاتي. حتى في وقتنا الحالي، حين شرعتُ في كتابة هذا الفصل، سألتُ عددًا من الأصدقاء — بعضُهم أساتذة بارزون في العلوم السياسية — إن كانت هناك أي كتب حديثة جيدة عن الحكم المُقارَن، تقارن (من حيث الجوهر لا الشعارات) بين الطرق المختلفة لتنظيم أي مجتمع؛ وتبيَّنَ لي أنَّ هناك القليل للغاية من هذه الكتب، هذا إنْ وُجِد، وذلك لأسباب يسهل تخمينها. (قال فريد بروكس، عالِم الكمبيوتر البارز، إن أي مجال يحتاج لإضافة كلمة «عِلْم» إلى اسمه لا يكون علمًا على الأرجح.) هناك مئات الكتب عن كيفية تحسين ممارسة الديمقراطية، وكتبٌ أكثر عن عيوبها، لكن تلك الكتب موجَّهة لمشكلات آنيَّة، لا لمبادئ عامة. وكما ذكرنا آنفًا، لا تظهر كلمة «الديمقراطية» في الدستور الأمريكي أو في إعلان الاستقلال الأمريكي.

إن الشكل التاريخي للحكم، الذي يعود إلى العصور القديمة، يتمثَّل في وجود قائد أو ملك أو زعيم يتم اختياره بموجب أيٍّ من المعايير العديدة (الحجم، القوة، السن، الشراسة، حق المولد، الفحولة الجنسية، رسالة من الآلهة، أو أيِّ شيء يتطلبه الأمر لتبرير السلطة على الآخرين)، ويُمنَح مستوًى من السلطة (أو يستحوذ عليه) لاتخاذ القرارات نيابةً عن المجموعة. هذا النموذج واسع الانتشار — ولكنه ليس عامًّا — في مملكة الحيوانات الاجتماعية؛ فتميل جماعات من الكلاب لاتِّباع هذا النموذج، ولكن ليس القطط. وقد رأى هذا الكاتب ذات مرة قطيعًا من الظباء الأفريقية في أفريقيا، يتألف من ذكر واحد مسيطر يقود مجموعته المكونة من بضعة عشرات من الإناث، بينما يطوِّق المجموعةَ قطيعٌ من الذكور المستعبدين المجردين من الحقوق، ربما في انتظار أن يصيبه التعب. لا بد أن أحدهم يعلم لماذا طوَّرت الظباء الأفريقية هذا النمط للبقاء، ولكن السبب ليس واضحًا بداهةً. ولا يختلف البشر عن الحيوانات الأخرى مثلما نأمل في بعض الأحيان؛ ذات مرة، في رحلة إلى فرنسا، كان أحد المرشدين يقود مجموعة أمريكية في جولة حول متحف يحوي تذكارات ومقتنيات شارلمان، وتساءَلَ أحد أفراد المجموعة ببراءة عن عدد أبناء شارلمان. كانت الإجابة أن عددهم غير معروف أو غير قابل للمعرفة؛ إذ إنه أعطى لنفسه حقَّ مضاجعة زوجات النبلاء والأمراء في الليلة الأولى للزواج. وسواء أكان هذا حقيقيًّا أم لا، فقد استدعت القصة للأذهان الظباء الأفريقية.

 

غالبًا ما تضع صورةُ الحكم القائمة على نموذج القيادة التقليدية بعضَ القيود على القائد؛ فالقادة يميلون للتقلُّب، ولا بد أن يظل تركيزهم منصبًّا على القتال من أجل بقاء المجموعة ضد كلٍّ من الأعداء الطبيعيين وغير الطبيعيين. وحقائق التطور، على أيِّ حال، تستحيل مقاومتها من جانب المجتمعات مثلما تستحيل مقاومتها من جانب الأفراد. إن البقاء للأصلح تعريف وليس نظرية. حتى في أمريكا ما بعد الثورة، بكل هواجسها بشأن الاستبداد والطغيان، وَجد الآباء المؤسسون أن من الملائم أن يجعلوا الرئيس قائدًا عامًّا للقوات المسلحة (إنه تقليد قديم أن يُمنَح الملك دورَيِ القائد العسكري والسياسي). فثمة مجال محدود للاسترسال في المناقشات إذا كان هناك ما يهدِّد وجود الدولة، ووجودُ قيادة في أزمة — مهما كانت خرقاء (في حدود المعقول) — خير من عدم وجود قيادة من الأساس. وقد كانت بلادنا، من واقع الحقائق التاريخية، المفترِسَ أكثر منها الضحية في هذه القارة؛ لذا لم نُرغَم على التفكير بشأن البقاء منذ حرب عام ١٨١٢؛ وقد كانت الحرب الأهلية بسبب التحزُّب، لا بسبب البقاء. ولما لم يكن أيٌّ من الحروب التي اندلعت منذ عام ١٨١٢ قد شكَّل تهديدًا فعليًّا لبقائنا، فقد أصبحنا في حالة من اللامبالاة والتقاعس، ويومًا ما سندفع الثمن؛ فليس لدينا ترتيب قيادي يستحق الذكر من أجل الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي تضلِّلنا وتربكنا الآن؛ ومن ثَمَّ فهي مستمرة في التفاقم، محبطةٌ مَن هم داخل الحكومة وخارجها على حد سواء. وعلى مستوًى عالمي، لا يوجد تهديد للبقاء الإنساني أكبر من ذلك الذي تشكِّله الزيادة السكانية العالمية — وإن كان ذلك قد يبدو متناقضًا — ومن الواضح تمامًا أن عملية اتخاذ قرارٍ جماعي غيرُ ذات فاعلية في التعامل مع ذلك، غير أن وجود «حل» من نوعٍ ما هو أمر لا مناص منه، ومن المؤكد أنه سيكون صعبًا؛ والقول بعدم وجود قيادة عالمية واضحة في هذه المسألة البارزة هو استهانة بالقضية. والمتفائلون بشأن المشكلة السكانية لا يقيسون التقدم من واقع حدوث انخفاض في عدد السكان، أو حتى انخفاض في معدل الزيادة، ولكن من واقع حدوث انخفاض في معدل زيادة معدل الزيادة.

 

 

حين يتطور مجتمعٌ ما لدرجةٍ تمكِّنه من التسامي على الصراع البسيط من أجل البقاء (أو يعتقد أنه قد تجاوزه)، تكتسب قِيَمٌ أخرى تساهم في اتخاذ القرار مزيدًا من الأهمية. لقد جلب القرن الثامن عشر لأوروبا الغربية وللولايات المتحدة فكرةَ الحقوق الفردية كمبدأ استرشادي للحكومة، وإن كانت كلمة «حقوق» كلمة مطاطة في الواقع. وتحوي أعمالُ بعضٍ من الفلاسفة المذكورين أعلاه الرؤيةَ الأساسية (وغير القابلة للتحدِّي في رأي هذا الكاتب)، القائلة بأن جوهر الحكومة الشرعية هو عبارة عن مقايضة يمارسها الأفراد، نتنازل فيها عن جزءٍ ما من سيادتنا الفردية في مقابل منافع الحصول على استجابة منسَّقة للمشكلات التي تواجه مجتمعًا بأكمله (ويُسمَّى هذا برؤية العقد الاجتماعي للحكومة، وهو يشمل التخلِّي عن «حقك» في سلب حظيرة جارك كلما كان ذلك ملائمًا). وكان السيد الإقطاعي يفرض ضرائب ويجبر الناس على الخدمة في مقابل تقديم حماية مشتركة ضد الضواري (تذكَّرْ هذا حين نصل إلى قانون لانكستر بعد فصلين من الآن). ويذكر دستورنا بين أهدافه الأساسية ضمان الاستقرار الداخلي وتوفير سبل الدفاع المشترك؛ وهذا هو ما دفع الولايات للتخلي عن بعض سيادتها؛ فكانت قد أنهَتْ للتوِّ القتالَ مع البريطانيين، وكان واضحًا أنه ما من ولاية بإمكانها الوقوف بمفردها.

 

ولكن من أين جاءت حقوقنا الفردية التي نعتزُّ بها إذن؟ ينص إعلان الاستقلال على أن حقوقنا الفردية تشمل حق «الحياة، والحرية، والسعي وراء السعادة»، ويقول إنها حقوق لا يجوز التنازل عنها، ويؤكد أنها قد جاءت من الخالق (وهو ما يخالف مبدأ الفصل بين الكنيسة والدولة). ويُدرِج الإعلانُ الفرنسي المزامن لحقوق الإنسان «الحرية، والملكية، والأمن، ومقاومة القمع» بوصفها حقوقًا مخولة له. (صيغَ التعديلُ الثاني لدستورنا مع الوضع في الاعتبار المقاومةَ الشعبية للقمع، وإن كان هدفه الأساسي قد ضاع، على ما يبدو، وسط الجدل الحالي الدائر حول الحد من السلاح، والملاحقة، والجريمة.) ولم يُعطِ الفرنسيون أي عذر لتبرير قائمتهم الخاصة؛ فهو إعلان واضح، وكانوا فيما يبدو مترددين في الاعتماد على الخالق. ولعل جميع الفلاسفة الأوائل، وفي القلب منهم الفلاسفة الأمريكيون والفرنسيون، قد أَدرجوا ضمن حقوقنا الأساسية الحقَّ في التمرد ضد أي حكومة تُصنَّف كحكومة قمعية؛ وتلك هي الفكرة المحورية لإعلان الاستقلال. غير أنه في جميع الحكومات القائمة على تلك المبادئ، بما فيها حكومتنا، لا يُعَدُّ القيام بذلك قانونيًّا؛ ما يُعَدُّ نهايةً لهذا الحق؛ فما من حكومة قائمة بالفعل تود أن يُطاح بها. ويعتبر تعريف كلمة «حقوق» جزءًا قابلًا للتفاوض من العقد الاجتماعي؛ فلم يكن ميثاق الحقوق الخاص بنا جزءًا من الدستور الأصلي، ولم يُضَفْ إلا بعد التصديق على الدستور وسريانه. (تمَّ التصويت في الجمعية الدستورية على اقتراحٍ بوضع مثل هذه الأمور في النسخة الأصلية من الدستور لكن تمَّ رفضه.)

 

انتَزَعَ الباروناتُ الإنجليز وثيقةَ ماجنا كارتا، التي سبقت كل هذه الوثائق بأكثر من خمسمائة عام (١٢١٥م) من الملك جون، ووَرَدَ فيها: «بفضل الله، ملك إنجلترا، ولورد أيرلندا، ودوق نورماندي …» (على ما يبدو أن مصدر قوته لم يستطع حمايتَه من باروناته، أو لم يكن يكترث له وهو الاحتمال الأرجح). اشتملت ماجنا كارتا على قائمة شاملة تضم ستة وثلاثين حقًّا طالَبَ بها البارونات، من ضمنها حق الأرملة في العيش بمنزل زوجها لمدة أربعين يومًا بعد وفاته؛ وتوفِّر أيضًا ضمانات للأفراد، من بينها «عدم جواز اعتقال أو سَجْن شخص بناء على تظلُّمِ امرأةٍ لموت أي شخص عدا زوجها.» وكنقطة حاسمة نصَّتِ الوثيقة على أن «تظل المقاطعات وتقسيماتها … على نفس قيمتها الإيجارية دون زيادة …» إن وثيقة الماجنا كارتا تستحق القراءة؛ لأنها ببساطةٍ غنيةٌ بالتفاصيل وتقدِّم نظرة صحية على مدى التغير البالغ الذي يَلحق برؤيتنا للحقوق المخولة لنا باختلاف الزمان والمكان. وبالعودة للماضي إلى العصور الإنجيلية الأولى، نجد أن الوصية القائلة «لا تقتل» كانت تنطبق على أصدقائك وجيرانك؛ لكنها لم تكن موضع تطبيق عند التعامل مع العداوات القبلية، لا سيما حين كانت للقبائل الأخرى نزعات دينية مختلفة.

 

في ظل كل هذا التاريخ، المصمَّم لتعزيز التواضع لدى القارئ، كيف تعمل الحكومات كصناع قرار؟ ضَعْ في ذهنك — على امتداد هذا النقاش — نظرية آرو الواردة بالفصل الثاني عشر ومفادها: ما من طريقة لمشاركة المسئولية عن القرارات دون حدوث لبس وغموض. هذا منطق خالص، وليس تعقيبًا اجتماعيًّا على الأحداث.

اقرأ ايضاً:

القيادة بالكاريزما كيف يقود القادة؟
الاستقرار – الجزيرة الاجتماعية

1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية
الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: Content is protected !!
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock