معلومات

ظهور مجتمع المعلومات – ثورة المعلومات

هناك عدة مقاييس للتاريخ. بعض هذه المقاييس طبيعي ودائري، وهي مقاييس تعتمد على تتابع الفصول وحركة الكواكب، والبعض الآخر اجتماعي أو سياسي أو خطي، يحددها — على سبيل المثال — تتابع دورات الألعاب الأوليمبية، أو عدد السنوات التي مرَّت «منذ تأسيس مدينة روما» أو اعتلاء أحد الملوك العرش، وهناك بعض المقاييس الدينية ولها شكل حرف V باللاتينية، وهي المقاييس التي يجري حساب السنوات من خلالها قبل وبعد حدثٍ محدد، مثل ميلاد السيد المسيح. وهناك فترات أطول تشمل فترات أقصر، يجري تسميتها على غرار الأساليب الفنية المؤثِّرة مثل «الباروك»، والأشخاص مثل «العصر الفيكتوري»، أو مواقف بعينها مثل «الحرب الباردة»، أو تقنية جديدة مثل «العصر النووي». إلا أن جميع هذه المقاييس وغيرها الكثير تشترك في أنها مقاييس تاريخية؛ أي إنها بالمعنى الدقيق تعتمد جميعها على تطوير نظم لتوثيق الأحداث، ومن ثَمَّ تراكم وتنقل المعلومات عن الماضي. فإن لم توجد سجلات، لا يوجد تاريخ؛ ومن ثَمَّ يترادف التاريخ مع عصر المعلومات، حيث إن «عصر ما قبل التاريخ» هو ذلك العصر في تاريخ التطوُّر البشري الذي يسبق توافر نظم التسجيل.

المعلومات

يترتب على ذلك أن المرء قد يدفع بأن الإنسانية كانت تعيش في أنواع مختلفة من مجتمعات المعلومات على الأقل منذ العصر البرونزي، وهو العصر الذي جرى فيه اختراع الكتابة في بلاد ما بين النهرين وعدد من المناطق الأخرى حول العالم (الألفية الرابعة قبل الميلاد). لكن ليس هذا هو المعنى المقصود اعتيادًا بثورة المعلومات؛ فعلى الرغم من كثرة التفسيرات، إلا أن أكثرها إقناعًا هو أن عملية التقدُّم والرفاهية البشرية بدأت حديثًا جدًّا في الاعتماد بصورة تكاد تكون كاملة على الإدارة الناجحة والفعَّالة لدورة حياة المعلومات.

تشمل دورة حياة المعلومات عادةً المراحل التالية: الحدوث (الاكتشاف، والتصميم، والتأليف … إلخ)، والنقل (الربط الشبكي، التوزيع، الحصول على المعلومات، استرجاع المعلومات، النقل … إلخ)، والمعالجة والإدارة (الجمع، والتدقيق، والتعديل، والتنظيم، والتبويب، والتصنيف، والغربلة، والتحديث، والانتقاء، والتخزين … إلخ)، والاستخدام (المتابعة، النمذجة، التحليل، التفسير، التخطيط، التنبُّؤ، اتخاذ القرار، التوجيه، التثقيف، التعليم … إلخ).
يقدِّم (الشكل ١-١) توضيحًا مبسطًا.
دورة حياة المعلومات النموذجية
شكل ١-١: دورة حياة المعلومات النموذجية.

مجتمع المعلومات

الآن، تخيَّل (الشكل ١-١) باعتباره ساعة؛ فيجب ألا يكون طول الوقت الذي استغرقَتْه عملية تطوُّر دورات حياة المعلومات لتؤدي إلى ظهور مجتمع المعلومات مَثارًا للدهشة. ووفق التقديرات الأخيرة، ستستمر الحياة فوق الأرض مدة مليار سنة أخرى، حتى تؤدي زيادة درجة الحرارة الشمسية إلى تدميرها. تخيَّل إذن أحدَ المؤرخين يكتب في المستقبل القريب، قل في غضون مليون سنة؛ ربما يعتبر هذا المؤرخ مسألة استغراق الثورة الزراعية ست ألفيات من الزمان حتى تتحقق آثارها كاملة مسألةً عادية — بل وأمرًا متناسقًا — منذ بدايتها في العصر الحجري الحديث (الألفية العاشرة قبل الميلاد) إلى العصر البرونزي، ثم ست ألفيات أخرى حتى تحقق ثورة المعلومات أثرها، من العصر البرونزي إلى نهاية الألفية الثانية بعد الميلاد. خلال هذه الفترة من الزمان، تطورت تكنولوجيات الاتصال والمعلومات من مجرد أنظمة تسجيل — مثل الكتابة وعمل المخطوطات — إلى نظم اتصال أيضًا، خاصةً بعد جوتنبرج واختراع الطباعة، إلى أن أصبحت نظمَ معالجة وإنتاج، خاصة بعد تورنج وانتشار أجهزة الكمبيوتر. بفضل هذا التطور، تعتمد أكثر المجتمعات تقدمًا بصورة كبيرة على الأصول غير المادية القائمة على المعلومات، والخدمات كثيفة المعلومات (خاصةً خدمات الأعمال، والعقارات، والاتصالات، والتمويل، والتأمين، والترفيه)، والقطاعات العامة معلوماتية التوجُّه (خاصةً التعليم، والإدارة العامة، والرعاية الصحية). على سبيل المثال، يمكن اعتبار جميع الدول الأعضاء في مجموعة السبعة — وهي تحديدًا: كندا، فرنسا، ألمانيا، إيطاليا، اليابان، المملكة المتحدة، والولايات المتحدة الأمريكية — مجتمعات معلومات؛ نظرًا لأن ٧٠٪ على الأقل من إجمالي الناتج المحلي فيها يعتمد على السلع غير المادية التي ترتبط بالمعلومات، وليس على السلع المادية التي تعتبر منتجات مادية للعمليات الزراعية أو التصنيع. إن عمل ونمو هذه المجتمعات يتطلب، ويولد، كميات هائلة من البيانات، أكثر بكثير ممَّا شهدته الإنسانية في تاريخها كله.

ظهور مجتمع المعلومات – المعلومات مقدمة قصيرة جدًّا

تأليف: لوتشانو فلوريدي – ترجمة: محمد سعد طنطاوي – مراجعة: علا عبد الفتاح يس – مؤسسة هنداوي

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: Content is protected !!
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock