عندما نستخدم لفظي «التحليل النفسي» نقصد إلى أحد معنيَين:

  • الأول: الطريقة التي اتبعها «فرويد» لعلاج مرضاه، والتي أحلَّها محل التنويم المغناطيسي في الوصول إلى الحوادث المدفونة في أعماق النفس، وقد استخدم «فرويد» هذه التسمية لكي يؤكِّد ناحية «التحليل» من جانب المعالج؛ فهو يبحث ما يقوله المريض و«يُحلِّله» لكي يصل إلى ما يعتبره أساسًا للأعراض العصبية.

 

  • الثاني نظرية التحليل النفسي: مجموع النظريات التي وصل إليها فرويد فيما يتعلَّق بتكوين نفس الإنسان.
    اقرأ المقال كاملاً عن (نظرية التحليل النفسي)

طريقة التحليل النفسي

وطريقة التحليل النفسي تتلخَّص في أن يطلب الطبيب إلى مريضه أن يترك لنفسه العنان فلا يحاول أن يقود «أفكاره» في أيِّ اتجاه، بل يتركها تحوِّم حيث شاءت، وأن يذكر كل ما يمرُّ بخاطره وهو في هذه الحالة الطليقة من كل قيد، ويعبِّر عن خطراته التي تنساب بلا عائق تعبيرًا حرًّا، فلا يترك منها تافهًا، أو سخيفًا، أو متناقضًا، أو غير لائق، أو كريهًا، إلا وذكره كما هو وهو يمرُّ بخاطره، فالمريض يترك أفكاره تتداعى «تداعيًا طليقًا» لا تتدخل «إرادته» فيه بحال ما؛ إذ يُقلع عن كل محاولة لتوجيهها أي وجهة خاصة. والمريض — والطبيب معه بطبيعة الحال — يُلاقي عنتًا كبيرًا في مبدأ الأمر؛ لأن التداعي الطليق يتطلب منه أن يهجر ما تعوَّد في مختلف أدوار حياته من توجيه أفكاره توجيهًا خاصًّا، ثم إنه يتطلب منه أن يعبِّر باللفظ عن كل ما يَخطر له، وهو أمر عسير إذا ذكرنا أننا نلتقي ونتخير ما نستطيع التعبير عنه لغيرنا من الناس، فهناك ما لا نستطيع أن نَبوح به إلا لخاصة الخاصة من أصفيائنا، وهناك ما لا نستطيع أن نذكره لمخلوق، فما بالك إذا طُلِب إلينا أن نبوح بكل ما يَرِد على خاطرنا للطبيب بدون محاولة لترتيب الكلام أو تنسيقه، أو إدخال أي تحوير على الكيفية التي يتوارَد بها.

 المقاومة في طريقة التحليل النفسي

والمريض لا يصل إلى الحالة المطلوبة من السلاسة والانطلاق إلا بعد جهد جهيد؛ إذ يجد كثيرًا من المقاومة التي يشعر هو بها ويدركها المحلِّل؛ إذ تحول نفسه بينه وبين الانطلاق المطلوب في الأفكار، وكثيرًا ما يُنبِّهه المحلل إلى أنه يعاني هذه المقاومة، ويشجعه على الإفضاء والتغلب على العقبات النفسية التي تحُول دونه، ويظل به يتخطيان معًا هذه العقبات حتى يصلا بعد وقت طويل إلى العناصر الانفعالية القديمة التي تفسِّر الأعراض الحديثة في حياة المريض، وميزة التحليل النفسي على التنويم المغناطيسي أن المريض يتتبع بنفسه كل ما يقوله، بعكس الحال في التنويم المغناطيسي، فيكون من اليسير عليه نسبيًّا أن يدرك المعنى الذي يَكمن وراء الأعراض، وأن يفهمها في ضوء جديد هو ضوء الحوادث الماضية من حياته، فيواجهها مواجهة مبنية على التنور والفهم والمعرفة. كل ذلك والمعالج يأخذ بيده حتى يصل إلى الهدوء والاستقرار اللذَين يُميِّزان الحياة العقلية السليمة.

مدة عملية التحليل

وتستغرق عملية التحليل عادةً شهورًا عديدة قبل أن يصل المعالج إلى الأسُس البدائية للأعراض الحالية، والجلسات الأولى من التعليل تُستنفَد عادةً في إحكام الاتصال بين المريض والطبيب، وفي تمرُّن المريض على شيء من التحرُّر من العوامل التقليدية في تعبيره، وبالرغم من أن المريض يتحدَّث طوال هذه الجلسات عن أعراضِه وعن نفسه، فإن ما يقوله يكون عادةً قليل الجدوى؛ لأنه لا يخرج عن محاولاتٍ في أغلبها «شعورية» لسرد حوادث أو ذكريات يُخيَّل إليه أنها ذات علاقة بحالته. وكثيرًا ما يأتي المريض وعنده تشخيص «كامل» يَعرضه على الطبيب، وعلى هذا الأخير أن يصرفه شيئًا فشيئًا عن التمسُّك بتشخيصه ويُقنعه أن من واجبه أن يُقلع عن الإيمان بنظريته، وأن يبدأ من جديد وهو خالي الذهن. ويمرُّ وقت طويل قبل أن يبدأ المريض في الإفضاء بما هو ذو قيمة في تشخيص حالته، ويصحب ذلك عادةً مظاهر من المقاومة لا تُخطئها عين المجرِّب، فمِن نَوبات ضيق تنتاب المريض فيُغادر حجرة التحليل مُندفِعًا إلى الخارج، إلى ثوراتٍ على الطبيب، إلى فترات يكاد ذهنه يخلو فيها من كل فكرة، ويكاد لسانه لا ينطق بكلمة، إلى غير ذلك من علامات قد تكون أقل درجة، كالتنهُّد والاضطراب واحمرار الوجه وتهدج الصوت، وهذه كلها علامات لا تخطئ، تدلُّ على وجود مقاومة فعَّالة تحُول بين المريض وبين «الإفضاء»، دلالةً على أن التحليل قد وصل إلى مناطق الحرج في النفس، ولمَس المواضع الحساسة.

طريقة التحليل النفسي – المقاومة

والذي يحصل عادةً أن تستمرَّ المقاومة وقتًا يطول أو يقصر، ثم لا يلبَث المريض أن يجد عنده رغبة شديدة ملحَّة في الإفضاء لا يستطيع مُقاومتها، فيحاول الاتصال بطبيبه في التوِّ مهما كان الوقت غير مُناسب فإن لم ينجَح أصابه الضيق ولبثَ على أحر من الجمر في انتظار ساعة المقابلة.

وتَنتاب المريض في أثناء التحليل حالات تَلفت النظر فهو يتراوَح بين التعلُّق الشديد بالمُحلِّل وبين النفور الشديد منه.

انتهاء طريقة التحليل النفسي

وينتهي الأمر بنوع من التعلُّق يشبه تعلُّق الطفل بأمه أو بأبيه، فكأن المعالج قد حل من نفس المريض ذات المحلِّ الذي كان يحلُّ فيه الأب أثناء طفولته، وبالرغم مما لهذا «الإحلال» من القيمة الكبيرة في العلاج، فإنه مع تقدُّم التحليل يُصبح نوعًا من «المرض» يجب أن يتخلَّص منه المريض في الوقت المناسب، وإلا تعذَّر عليه أن يقف على قدميه ويواجه متاعب الحياة وحده، وأصبح كالطفل يعتمد في كل كبيرة وصغيرة على هذا الأب البديل الذي لا يستطيع عنه بعادًا.

والطبيب يعمل من جانبه على إفهام المريض موقفه الجديد، وعلى تدعيم ذاتيته المستقلَّة، فإذا وصل إلى هذا فقد بدأ يسير نحو حياة نفسية هادئة مستقرة.

ويشمل التحليل النفسي، تحليل الأحلام التي يراها المريض في منامه، وخصوصًا تلك التي يراها أثناء فترات العلاج أو التي يتكرَّر ورودُها.

طريقة التحليل النفسي من كتاب: مبادئ التحليل النفسي – تأليف: محمد فؤاد جلال


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: Content is protected !!