الإبداع
الإبداع

طرفا الإبداع ماذا عن الإبداع نفسه؟

ماذا عن الإبداع نفسه؟ ربما لا يكون الضحية البريئة التي صورناها؛ فربما يكون لديه تحديات شخصية خاصة به …

بينما كُنَّا نُفكر في هذا الفصل الأخير، احتاج كالن إلى المساعدة في إتمام واجب دراسي عن فنانين مشاهير، وقد أذهَلَنا الجانب السلبي للعبقرية الإبداعية؛ إذ اختار كالن للتركيز على لوحة لفان جوخ رسمها بنفسه بعد أن قطع أذنه بنفسه، وهذا انعكاس للذات ليس شديد الإيجابية لفرد مبدع ومُعَذَّب (وهناك، بالطبع، العديد من الأمثلة الأخرى على ذلك.) أظهر هذا الواجب الدراسي البسيط لنا — أكثر من غيره — المصاعب التي يمكن أن تصاحب العبقرية الإبداعية.

 

 

العبقرية الإبداعية والجنون

ففي حين أننا قد نُعْجَبُ بما حققه المبدعون الاستثنائيون، فإنه من المهم أن ندرك أن العديد من العباقرة المبدعين هم في الواقع نفوس معذبة. وحساسيتهم الشعورية وشغفهم غالبًا ما يكونان مفرطين بدرجة تصيب حياتهم بالخلل الوظيفي العميق بل وتُشكلها عن طريق الصعاب المستمرة المتواصلة. وبالنسبة للبعض، في الواقع، يبدو أن هناك خيطًا رفيعًا يفصل بين العبقرية الإبداعية والجنون.

 

ليس من الصعب رؤية أن العديد من العباقرة المبدعين يحملون عناصر من الجنون ويتميزون بالصفات أو السلوكيات التي تصدم الآخرين لغرابتها.

 

 

انظر إلى الأمثلة التالية:

  • كان ألبرت أينشتاين يلتقط أعقاب السجائر من الشارع ليجمع التبغ لغليونه.
  • قضى هوارد هيوز أيامًا كاملة في منطقة خالية من الجراثيم بناها بنفسه في وسط جناحه بفندق بيفرلي هيلز.
  • اعتقد الموسيقار روبرت شومان أن بيتهوفن أخرج مؤلفاته الموسيقية.
  • أحب سلفادور دالي الاحتفاظ بحيوانات أليفة غريبة.
  • أظهر مايكل جاكسون هوسًا غير طبيعي بالجراحات التجميلية.
  • عُرف ستيف جوبز بهوسه ببعض الأشياء بطرق عدة، بما في ذلك النظام الغذائي.
على مرِّ التاريخ، كثيرًا ما تعرَّض العباقرة للاضطهاد، على الرغم من أن هؤلاء الأشخاص غير التقليديين كانت أمامهم الفرصة لتقديم مساهمات عظيمة للعلوم والمجتمع في عصورهم التنويرية.

الإبداع والغرابة

وفي الواقع، ربما يمكن أن يرتبط الإبداع والغرابة بيولوجيًّا ارتباطًا وثيقًا. فيقول البعض إن هناك أدلة على أن الصفتين هما نتيجة لتغيرات جينية تزيد من إزالة التثبيط المعرفي؛ أي فشل المخ في ترشيح المعلومات الغريبة. فحينما تصل المعلومات غير المرشحة إلى الوعي الإدراكي في عقول الناس ذوي الذكاء الشديد، وتكون لديهم القدرة على معالجة تلك المعلومات دون أن يشعروا بالارتباك، يمكن أن يؤدي ذلك إلى رؤًى استثنائية. كما أن بعض السمات الإدراكية الأخرى — مثل القدرة على عقد صلات غير عادية أو غريبة — تجدها منتشرة بين المصابين بالفصام والأشخاص الأصحاء المبدعين إلى حد بعيد الذين ينالون درجات مرتفعة في اختبارات التفكير التباعدي، تمامًا مثل المصابين بالأمراض العقلية. ومن المثير للاهتمام أن كلًّا من المجموعتين تتشابهان في وجود كثافة أقل في مستقبلات الدوبامين دي٢ في المِهاد البَصَرِيِّ بخلاف عامة الناس. ومع ذلك، لا ينبغي الخلط بين الارتباط والعلاقة السببية. وحول هذه النتائج الجديدة، يقترح دكتور فريدريك أولين — من معهد كارولنسكا في ستوكهولم — أنه: «يمكن أن يتيسَّر التفكير خارج الصندوق خلال وجود صندوق أقل كفاءة.» ففي المرحلة التي لا يستطيع فيها الصندوق دعم الأداء السليم تتوارد أفكار رائعة.

للإبداع جانبين مختلفين في شخصيته

أما وقد عرضنا كل خصائص شخصيات قتلة الإبداع في هذا الكتاب، فلنذهب إلى ذكر شيء لم يُذكر من قبل؛ ولنتأمل لدقيقة فكرة أن يكون للإبداع ذاته سمات سلوكية فريدة من نوعها. إذا كان لنا أن نَصِفَ الإبداع بأنه نمط شخصية، فقد يسعنا القول إذن إن هناك جانبين مختلفين في شخصيته: أحدهما مستكشفٌ سريع الخطى نشيط، والآخر فنانٌ أبطأ وتيرةً؛ شديد التأمل. إنَّ الاضطراب ثنائي القطب (المعروف أيضًا باسم الاكتئاب الهوسي) يشتمل أيضًا من جانب على حالة محمومة مشابهة من الهوس — يمكن أن تتضمن لحظات إدراك مثيرة ومفاجئة — ومن جانب آخر على حالة اكتئاب أخف وطأة؛ يمكن أن تحمل في طياتها بصائر شعورية عميقة. ففي حالة الاضطراب ثنائي القطب، تفتح حالة الهوس المجال أمام التفكير الإبداعي عبر السماح للفرد بالإيمان بأنه ليست هناك حدود. ومثل الحالة الإبداعية النشطة، تكون حالة الهوس متأهبة جسديًّا وقادرة على الاستجابة بسرعة (وأحيانًا بطيش) عبر قدر من التغيرات (الشعورية والإدراكية والسلوكية على سبيل المثال). أما حالة الاكتئاب — على النقيض — فيمكنها أيضًا أن تحفز البصيرة الإبداعية من خلال تمكين الفرد من الوصول لجانبه الشعوري العميق. (في حالة الاكتئاب السريري للأسف، يكون لفترات الكآبة قوة مؤثرة ومدمرة على حد سواء من حيث المهارات). ويمكن أن يعبِّر الإبداع عن نفسه بأيٍّ من هاتين الطريقتين. ولعلنا نفتح المجال لأنفسنا أمام المستكشف والفنان عبر تعلُّم استخدام قدرتنا على التفكير الإبداعي، فنتوصل إلى مهارات ومشاعر أكثر عمقًا مما قد نصل إليه بأي طريق آخر.

الإبداع يساوي الجنون!

هذا لا يعني بالطبع أن الإبداع يساوي الجنون، وأنت بالتأكيد ليس عليك أن تكون مجنونًا حتى تكون مبدعًا. تذكر أن ٣٠ بالمائة من بيننا يستوفون معايير الاضطرابات النفسية الشديدة في مرحلة ما في حياتهم؛ لذا هناك وقت يعبر فيه الكثير منا حدود ما هو «طبيعي». ولعل الإبداع يظهر أحيانًا بطرق غير اعتيادية، لكن الإبداع في حد ذاته ليس صفة إيجابية ولا سلبية. إنه ببساطة ما هو عليه. والفكرة هي أننا علينا استخدام الإبداع بطريقة بناءة، مع استغلال كل ما يمكننا أن نستغله من جانبي شخصيته التأملي والنشط بتوازن.

 

فكِّر في أهمية الانفتاح بحق على مشاعرنا وعواطفنا الدفينة. وتأمل كيف يمكننا التواصل مع المشاعر العميقة التي تجلب على حياتنا شغفًا ومعنًى، عَبْر التعامل مع عواطفنا الدفينة والاستجابة لها، ما يُمَكِّننا ربما من إشعال حس التواصل والهدف. وبالتأكيد هذا شكل من أشكال التحرر الجديرة بالسعي وراءها على الرغم من التحديات المحتملة.

اقرأ ايضاً:


كتاب: مَنْ قَتَل الإبداعَ؟ – تأليف: أندرو جرانت وجايا جرانت
ترجمة: أحمد عبد المنعم يوسف – مراجعة: إيمان عبد الغني نجم | مؤسسة هنداوي

لتحميل كتاب”مَنْ قَتَل الإبداعَ؟” من الموقع الرسمي لمؤسسة هنداوي: من هنا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: Content is protected !!