إدارة أعمال

صناعة القادة الطريقة المنهجية المتكاملة

إننا نمتلك الآن المعرفة والأدوات اللازمة لتطوير قادةٍ كاملين. لكن للأسف، فإن معظم الشركات ما زالت تصنع قادتها تقريبًا بالطريقة نفسها التي كانت تتبعها منذ سنين، عندما كانت متطلبات القيادة مختلفة. ومن المثير للدهشة أن نسبةً كبيرةً من المؤسسات تتبنَّى منهجًا داروينيًّا في القيادة؛ فمَن يستطيعون البقاء لأطول فترةٍ هم المسيطرون. أو في بعض الأحيان يُغدِقون المالَ على عمليات تطوير القيادة من خلال التدريب التقليدي في قاعات المحاضرات أو كليات الأعمال، الذي يكاد يركِّز حصريًّا على التعليم والرؤية المعرفيين. وعلى الرغم من أن كثيرًا من الشركات مقارَنةً بالماضي أصبح يدرك أهمية اختيار وتقييم وإعداد قادة يتمتَّعون بالذكاء العاطفي (ويبذل جهودًا صادقة في فعل ذلك)، فإن هذه الجهود لا تكون فعَّالةً دائمًا، ونادرًا ما تتكامل مع مهارات القلب ومهارات الشجاعة.

وما يثير المزيد من المتاعب على الأرجح أن المشكلات المؤسسية التنظيمية الراسخة تمنع في الغالب أفضل الخطط الموضوعة لتطوير القيادة من تحقيق مرادها؛ فعندما يحدث تنافُر بين الكفاءات المستهدَفة وبين الأعراف الثقافية للمؤسسة، فإن الدروس القيادية لا يدوم أثرها. قد تتغيَّر مفاهيم القائد أثناء عملية التطوير، ثم يعود إلى مؤسسته فيجد أن ثقافتها لا تدعم شخصيته بعد التحوُّل. وربما يُحرِز تقدُّمًا خلال برنامج التطوير فيما يتعلَّق بالتعبير عن أفكاره، لكنه عندما يعود إلى العمل يتعرَّض لانتقادٍ شديدٍ من زملائه ومشرفيه بسبب صراحته الجديدة لدرجةٍ تجعله يعود إلى سلوكياته القديمة.

والجيد في الأمر أن هذه العقبات من الممكن التغلُّب عليها عبر اتباع أسلوب التطوير الصحيح، ومراعاة التزام وإشراك اللجنة التنفيذية في المؤسسة. ولكي نفهم كيفية التغلُّب على تلك العقبات الحتمية، نحتاج أولًا إلى وضع هذه المشكلات التطويرية في سياقٍ تاريخي.

 

 

(١) الانتقال من أسلوب المحاضرات إلى التدريب الخارجي وغيره من وسائل التدريب

حتى وقتٍ قريبٍ نسبيًّا، كان أسلوب التعليم «الزراعي» — الذي يقتضي وضْعَ الأشخاص في فصلٍ، وغرْسَ الأفكار والحقائق في أدمغتهم — هو العُرْفَ المتَّبعَ في المؤسسات. ومساعدةً للأشخاص كي يصبحوا مسئولين تنفيذيين جيدين، حاضَرَ أحد الأساتذة الأجانب عن القيادة وكلَّف الأشخاص بتحليلِ ومناقشةِ واستيعابِ بعض سجلات الحالات التاريخية.

إن مجالات الدراسة المعرفية بالنسبة إلى القادة توسَّعَتْ بالتأكيد على مدار السنوات، فأصبحت تشمل كلَّ شيءٍ، من الابتكار إلى الإدارة العالمية واستراتيجيات النمو. وعلى الرغم من ذلك، فإن طرق تدريس تلك الموضوعات المعرفية ظلَّتْ ثابتةً نسبيًّا؛ فلا تزال دراسات الحالة والمحاضرات حجَرَ زاويةٍ في طريقة التنمية المعرفية، على افتراض أن الأساس المعرفي المتين في أحد المجالات يزيد إلى حدٍّ كبيرٍ فرصَ اكتساب البراعة فيه.

وعلى الرغم من أن الاتجاه إلى تطوير القادة من الناحية العاطفية نشأ في خمسينيات القرن العشرين وستينياته، على يد مجموعات التدريب (وهي جلسات مخصَّصة لمساعدة الناس على التواصُل مع عواطفهم وتحسين المهارات التفاعلية، من خلال الحوار المفتوح والتعقيبات من الآخرين)، فقد جرت العادة على أن يظل هذا الاتجاه تابعًا للمنهج المعرفي ومنفصلًا عنه. وقد تضمَّنَتْ إحدى عمليات التنمية العاطفية الرائجة في السنوات الأخيرة تجاربَ خارج موقع الشركة في بيئات غريبة؛ غريبة بالمعنى الحرفي والمعنى المجازي؛ إذ أسكَنَ القائمون على هذه التجارب الأشخاصَ في أماكن متنوعة، من المنتجعات الجبلية إلى الفنادق الريفية والغابات المطيرة في الدول النامية، في حين ساعَدَهم المنسِّقون على حلِّ مختلِف المشكلات التي تعيق تطوُّرَهم في مكان عملهم، مثل المزاج العصبي، وتجنُّب الصراع، وغيرهما. وعلى الرغم من جودة بعض هذه البرامج الخارجية، ففي أغلب الأحيان يجد المشتركون أن التغيُّرات التي تحدث في الخارج لا تُطبَّق داخل الشركة. إنهم يشهدون «تطوُّرات» ويصلون إلى اكتشافاتٍ رائعةٍ عن أنفسهم أثناء هذه الجلسات، ويشعرون بأنهم حقَّقوا تغييراتٍ إيجابيةً بسبب هذه التجربة. لكن عند عودتهم إلى مكان العمل يلاحظون أنهم عادوا إلى أسلوبهم القديم في إنجاز الأمور، والسبب في هذا يرجع إلى حدٍّ كبيرٍ إلى أن ثقافة المؤسسة تدعم أسلوبَهم القيادي القديم لا أساليبهم الجديدة والمطوَّرة.

وعلى الرغم من ذلك، فإن المؤسسات الكبرى ترى هذه الرحلات الخارجية دليلًا مهمًّا على الاستثمار في التنمية القيادية، بالإضافة إلى كونها وسائلَ ممتازةً لغرس القِيَم والسمات المرغوبة في قادتها؛ فعلى سبيل المثال: حدَّدَ بنك يو بي إس — وهو بنك عالمي ناجح للغاية نعمل معه عن قُرْب — الثقةَ بوصفها العامل الأساسي في تسريع علاقات العمل بين وحدات العمل المختلفة، من أجل خدمة العملاء على نحوٍ أفضل وتنفيذ استراتيجية «بنك واحد». معظم البنوك في الوقت الحاضر لديها استراتيجية مشابهة ومتطلبات مشابهة، لكن بنك يو بي إس يتصدَّر باقيَ البنوك في تنفيذ نموذج خدمة عملائه؛ لأنه يعترف مباشَرةً بأهمية الثقة الداخلية. طالما كان بنك يو بي إس مبتكرًا في تطوير مسئولية التنفيذيين، ومؤخرًا أوردَتْ شركة هيويت لاستشارات الموارد البشرية هذا البنك بصفته المؤسسةَ الأولى في مجال تطوير القيادة. ومؤخرًا جمع البنك قادتَه الرئيسيين، البالغ عددهم خمسمائة شخصٍ، في جبال الألب لمناقشة موضوع الثقة، مختبرين ذلك الموضوع من خلال تسلُّق الجبل، والعمل معًا واللعب معًا (وهو نشاط على القدر نفسه من الأهمية). واستمعوا كذلك إلى وينتون مارساليس وهو يشرح لهم ويُعلِّمهم أن عزف موسيقى الجاز يتطلَّب من مجموعة العازفين أن يكون لديهم كلٌّ من الاستراتيجية (الموسيقى)، والثقة (أي القدرة على الارتجال على الفور).

وعلى صعيد الشجاعة، لم يُبذَل سوى قليلٍ جدًّا من الجهود من ناحية تطوير القيادة في هذا الصدد، لكنها تتلقَّى قدرًا متزايدًا من التركيز والاهتمام باعتبارها عاملًا أساسيًّا من عوامل القيادة. وعلى الرغم من أن برامج التدريب الخلوية التي تحمل طابع المغامرة (المعروفة باسم دورات الأنشطة الرياضية المُغامرة) استخدمناها لفترةٍ من الوقت، فإنها تعاني من بعض المشكلات نفسها التي تعاني منها برامج التنمية القائمة على التطوير العاطفي. إن ركوب العوَّامات في النهر، وعبور الجسر المصنوع من الحبال، ومواجهة الأفراد بعضهم بعضًا في منافسات كرة الطلاء، وقيادة سيارات السباق؛ قد تعطي الأفرادَ فرصةَ الانخراط في مخاطراتٍ خاضعةٍ للسيطرة، والعمل كفريقٍ لمواجهة التحديات الصعبة، لكنها لا تتحوَّل مباشَرةً إلى سلوكياتٍ جديدةٍ في أماكن العمل، ولا تُمثِّل سوى ذكرياتٍ مشتركةٍ بين أفراد فريق العمل ومعرفةٍ جديدةٍ بعضهم ببعض. إن الاشتراك في مغامرةٍ في بيئةٍ خارجيةٍ شيء، واتخاذ موقفٍ صارمٍ تجاه مشكلةٍ استراتيجيةٍ رئيسيةٍ متعلقةٍ بثروات الشركة المعرَّضة للخطر، أو الجلوس مع زميلِ عملٍ عملت معه لسنواتٍ وإخباره أن أداءه ليس بالجودة المطلوبة؛ شيءٌ آخَر تمامًا.

ربما تَطوَّرنا عن أسلوب المحاضرات الصِّرف، لكننا لم نتطوَّر إلى حدٍّ كبير. وقد نادى أكاديميون مثل لورا تايسون وهنري مينتسبيرج بأسلوبٍ قياديٍّ أكثر تكامُلًا، لكن لم يُنجَز إلا القدر القليل في هذا الصدد في بيئات العمل المؤسسية. وحتى إذا أدركَتِ الشركاتُ الحاجةَ إلى القيادة الكاملة، فإنها في الغالب لا تستطيع تطويرها على نحوٍ متكامل؛ فقد تكون لدى الشركات دورةٌ تدريبية تُركِّز على الناحية المعرفية، ودورةٌ أخرى تُركِّز على المهارات التفاعلية، لكنَّ الدورتين لا تجتمعان معًا، ويصبح أمرُ تحقيقِ التكامل بينهما متروكًا للمتعلِّم. ولا تُبذَل جهودٌ لمساعدة المسئولين التنفيذيين في الجمع بين استخدام العقل، والمهارات التفاعلية، والقدرة على المخاطرة من أجل تحقيق أهدافٍ مهمةٍ في مجال الأعمال. ولكي تُصبِح قائدًا عالميًّا ناجحًا في عالمنا المعاصر، يُعَدُّ فهم اتجاهات السوق العالمية، أو التسعير، أو المنافسين، مطلبًا ضروريًّا لكنه غير كافٍ للنجاح. إن إدراكَ ثقافة الفرد، وملاحظةَ تأثير ثقافته على إدراكه، وفهْمَ كيفية تأثير الثقافة على قِيَم وتوجُّهات الآخرين؛ هي أمور لازمة أيضًا للعمل على نطاقٍ عالمي.

بَيْدَ أن القادة العالميين لا يمكن أن يكونوا ناجحين إذا تأقلموا فحسب، بل يجب أن تكون لديهم أيضًا وجهةُ نظرٍ خاصةٌ بهم، وأن يفهموا قِيَمَهم الخاصة، وأن يمتلكوا شجاعةَ التصرُّف وفقًا لمعتقداتهم. وللتعامل مع أي تحدٍّ معينٍ عالميٍّ أو دوليٍّ مثل التفاوض، واتخاذ القرارات، والتواصل، لا بد أن يدمج القادةُ كلَّ الصفات الثلاث؛ أيْ يجب أن يكونوا قادرين على إظهار الشجاعة، والعقل، والذكاء العاطفي عند مواجهة المواقف المتناقضة المعقَّدة المتعلِّقة بالثقافات المختلفة.

ولسوء الحظ، فإن برامج تطوير القيادة تفشل إلى حدٍّ كبيرٍ في مساعدة الأشخاص على الدمج بين هذه الأُطُر الثلاثة.

لقد دعمَتِ الهيئاتُ الأكاديمية والإجراءاتُ المؤسسية أسلوبَ الفصل بين الأُطُر الثلاثة؛ فإذا تأمَّلْتَ منهجَ أي كليةٍ من كليات الأعمال في الولايات المتحدة أو في أوروبا، فستجد أن الدورات تركِّز على المواد «التقنية»؛ مثل الماليات، والتسويق، وغيرها. وقد تجد أن دورة واحدة أو دروتين تضمُّ محتوًى عن العاطفة أو الإقدام على المخاطرة («تطوير المسئول التنفيذي الدولي» يُعَدُّ مثالًا على هذه الدورات)، لكن التركيز مُنصَبٌّ إلى حدٍّ كبيرٍ على الجانب المعرفي.

وبالمثل، فإن عمليات التعيين والمكافآت والتكريمات تحابي التنميةَ المعرفية. بطبيعة الحال، يُعيَّن أفضلُ الطلاب من أفضل الكليات في الشركات الأكبر والأكثر نجاحًا. وكثير من المؤسسات يُعيِّن صغارَ الموظفين بِناءً على تقديراتهم وجودةِ الكليات التي تعلَّموا فيها، ويختارون المتقدِّمين الأكثر خبرةً بِناءً على سجلهم الوظيفي وقدرتهم على الوفاء بمتطلبات الوظيفة. وإذا سنحت فرصة التقدُّم لمنصبٍ قياديٍّ عالمي، على سبيل المثال، فستتضمَّن معاييرُ التعيين الرئيسية قائمةً بالقدرات العقلية المعتادة، مثل الفهم الواضح لاستراتيجيات وأولويات الشركة، وفهم الأفضلية التنافسية للمنتجات والخدمات، وسجلًّا وظيفيًّا مكللًا بالنجاح في مجال خبرة المتقدِّم الوظيفية. وفي أغلب الحالات، لا تكون مهارات القلب والشجاعة المتمثِّلة في القدرة على التكيُّف مع الثقافة المحلية، والقدرة على تكييف المنتجات والخدمات وفقًا للأسواق المحلية، والقدرة على الإشراف على الموظفين المحليين، وتحفيزهم، وتطويرهم؛ ضمن معايير التعيين في المنصب.

تستخدم الشركات الأسلوبَ نفسه في التكريم وتقديم المكافآت. وفي العادة تكون المعايير الأساسية هي الوفاء بالأهداف القائمة على الأداء أو تجاوزها وتحقيق نتائج قابلة للقياس. والأشخاص الذين يحصلون على أكبر الحوافز وأفضل الترقيات هم مَن يحقِّقون أفضل النتائج. ومؤخرًا فقط سعت بعض الشركات إلى تبنِّي أسلوب شركة جنرال إليكتريك في التركيز لا على النتائج فحسب، بل على أسلوب تحقيق تلك النتائج كذلك. وفي بعض الحالات، تتوسَّع مناقشاتُ تخطيط التعاقُب الوظيفي لتشمل النقاش حول الصفات غير الملموسة مثل الإحساس بالآخرين، والذكاء العاطفي، بل حتى التعاطف أيضًا.

وفي أغلب الأحيان، يحكم قياس الإنجازات الملموسة والمادية كلًّا من نظام التوظيف ونظام المكافآت والتكريم؛ فمن الأسهل بكثيرٍ، مثلًا، قياسُ ما إذا كان فريق المدير قد حقَّق هدفَ الإيرادات، عن قياس ما إذا كان المدير قد كوَّن فريقًا متضامنًا أو قد خلَقَ ثقافةً قوامُها الثقةُ والمسئوليةُ. ونتيجةً لذلك، فإن هذه الأنظمة تدفع مجال تطوير القيادة في اتجاهٍ معرفي؛ نظرًا لأن كل هذه الصفات القابلة للقياس تعتمد على العقل.

 

 

(٢) خلق عملية تطوير ذكية تفاعلية تتبنَّى روح المخاطرة

معظم الشركات تتأثَّر بالعوامل التي ناقشناها للتو، لكن يجب ألَّا تكبلها. ونظرًا لأن العالم أصبح معقَّدًا ومتقلِّبًا على نحوٍ متزايد، توجد حاجة أكبر إلى قادةٍ يستطيعون التصرُّف دون أن يعتمدوا فحسب على التحليل والتنفيذ الاستراتيجي الجامد. وإذا لم يكن كبار المسئولين التنفيذيين أشخاصًا يمكن لغالبية الموظفين الوثوق بهم والتواصل معهم، فستكون النتيجة هي التشكُّك والانفصال. ومن دون قادةٍ يستطيعون اقتناص الفرص عند ظهورها، مثل الاستحواذ على شركةٍ أخرى، أو تقليل الأسعار عندما يضعف أحد المتنافسين، أو التخلص من الأصول غير المربحة قبل حدوث ركود؛ تصبح الشركات الكبرى تدريجيًّا بطيئةً وغيرَ فعَّالة. ومن الواضح أن ثمة أسسًا منطقية تدفع الشركات إلى اتخاذ الخطوات الأربع التالية:

 

(٢-١) الخطوة الأولى: مواجهة مشكلات النظام

أولًا: «اهتمَّ بمشكلات النظام قبل تنفيذ عملية التطوير». تلعب هذه الخطوة الأولى دورًا حاسمًا دون شكٍّ في تطوير القيادة الكاملة، وفي جميع الحالات تقريبًا تتعرَّض للإهمال. في الواقع يُستخدَم تطوير القيادة غالبًا من أجل علاج مشكلات النظام، وهو أسلوب لا ينجح مطلقًا؛ فعلى سبيل المثال: عندما ترغب الشركة في إعداد قادةٍ أكثر ابتكارًا، فإنها تصمِّم عمليةَ تطويرٍ بحيث تساعد الأشخاص على إظهار قدراتٍ مرتبطةٍ بالابتكار. وبعد خوض عملية التطوير، قد يفكِّر هؤلاء الأفراد بالفعل تفكيرًا غير تقليدي، وربما يتقنون أساليبَ تحفيزِ السلوك الابتكاري في الآخرين، إلا أنهم عندما يحاولون وضْعَ هذه الأساليب في حيز التنفيذ تقف مشكلاتُ النظام حجَرَ عثرةٍ في طريقهم؛ فقد يجدون ثقافةً تُعادِي نوعَ المخاطرة المطلوب لدفع الابتكار؛ ونتيجةً لذلك، عندما يحاول هؤلاء القادة المبتكرون تحويل فكرةٍ مبتكرةٍ إلى منتجٍ جديدٍ أو خدمةٍ جديدة، فإنهم يواجهون مقاومة على المستويات كافةً، ويسمعون أعذارًا على شاكلة: «سوف يكلف هذا الكثير من المال»، أو «سيتطلَّب مشاركةً فعَّالةً من عددٍ كبيرٍ من الموظفين المهمين» أو «إن توقيت المشروع سيئ»، أو «إنه خارج استراتيجيتنا». وبعد أن يرى هؤلاء القادة أن محاولاتهم لتبنِّي قدرٍ أكبر من الابتكار قُوبِلت بالرفض مرتين أو ثلاثًا، سيشعرون بالإحباط ويعودون إلى سلوكياتهم القديمة الأقل ابتكارًا.

وفي واقع الأمر، عندما تفشل الشركات في مواجهة مشكلات النظام مقدمًا، فإن برامج التطوير يمكن أن يكون لها تأثير سلبي على المؤسسة؛ فعلى سبيل المثال: نعرف إحدى الشركات التي كانت تركز على مهارات التعاون في تدريبها، كان المديرون يُنهُون التدريب وهم متحمسون لتخطِّي الحدود الوظيفية وغيرها من الحدود من أجل تبادُل المعلومات والأفكار، إلا أنهم عندما حاوَلُوا فعْلَ ذلك أُحبِطت جهودهم. على سبيل المثال: قرَّر فريق كبار المسئولين التنفيذيين — الذي ظلَّ أعضاؤه يتنافسون فيما بينهم على أمل التعاقُب الوظيفي — حجْبَ المعلومات ودعم عقلية الصومعة. وعلى أحد المستويات، أدرك المديرون أن التعاون الحقيقي بين الإدارات سوف يحفِّز الابتكار، لكن عندما بلغوا مرحلةَ التنفيذ، قاوَمَ رئيسُ العمليات إشراكَ أحد مديري المالية في مراجعة كيفية تحسين عملية التوريد الاستراتيجي، ورفَضَ المدير المالي العملَ عن قُرْبٍ مع رئيس الإدارة الهندسية لوضع المقاييس الصحيحة لتعقُّب تكاليف تطوير المنتجات عبر وحدات الأعمال. إن هذه التوجُّهات والسلوكيات الخفية خلقَتْ قدرًا هائلًا من الإحباط والتشكُّك بين الناس الذين تلقَّوْا رسالةً من خلال برامج التطوير تقول بأهمية التعاون؛ ومن ثَمَّ استنتجوا أن قيادتهم غير جادةٍ ومنافقة، وهذا الاعتقاد أزال أي مكسبٍ حقَّقَتْه برامجُ تطوير القيادة. وفي هذه الحالة، كان من الأفضل للشركة ألَّا تُطلِق برنامج التطوير من الأساس.

يجب أن يصاحب تطويرَ القيادة تطويرٌ تنظيميٌّ. وكثيرًا ما نستخدم نموذج التوافق كطريقةٍ لفهم كيف تؤثِّر مشكلاتُ النظام على سلوك القيادة. يركز هذا المنهج على الطريقة التي يؤثِّر بها التنظيمُ الرسمي والتنظيمُ غير الرسمي على العمل والناتج. بحسب رؤيتنا، قد يساعد فهمُ التنظيم غير الرسمي قبل تصميم تدخُّلاتٍ لتطوير القيادة على إظهار تلك العراقيل النظامية. لا بد أن تواجِه الشركاتُ العقباتِ التي تجعل من الصعب على القادة إظهار سلوكياتٍ توظِّف القلب والشجاعة أو التفكير بطرقٍ تتعارض مع ثقافة الشركة؛ فإذا كانت المؤسسة محافِظةً عبر تاريخها، وكانت عملياتُها وسياساتُها تَحُول دون اقتناص الفرص، فلا بد من تغيير تلك العمليات والسياسات. وعندها فقط يمكن لتطوير القيادة أن يساعد الأشخاص في تعلُّم الإقدام على مخاطراتٍ محسوبةٍ وتحويل ذلك التعلم إلى سلوكياتٍ وظيفية.

على سبيل المثال: أجرينا مؤخرًا برنامجًا لكبار التنفيذيين في إحدى الشركات العالمية، وكان تركيز البرنامج منصبًّا على الإجراءات القيادية التي يمكن أن تحقِّق نموًّا عضويًّا (أيْ يعتمد على موارد الشركة فحسب). وأثناء اليوم، تناول البرنامجُ الإجراءاتِ التي يمكن للقادة اتخاذها من أجل دعم موارد النمو وقياسها وتوجيهها والحصول عليها في وحدات الأعمال الخاصة بهم. وفي المساء، وأثناء تناول المشروبات، طلبنا من المشتركين أن يكتبوا «القواعد غير المكتوبة» للشركة على بطاقات ملاحظاتٍ، وأن يقدِّموا ما شاءوا من أعداد البطاقات. وتضمَّنت القواعد غير المكتوبة ما يلي: «لا تتحدَّ المدير»، و«احصلْ دائمًا على دعمٍ لعروضك التقديمية من قِبَل كلِّ عضوٍ من أعضاء اللجنة التنفيذية قبل طلب دعم اللجنة كفريق». ولم يكن الكثير من هذه القواعد ضارًّا، بل كانت حتى مضحكة، لكنَّ كثيرًا منها نقل مباشَرةً رسائلَ مهمةً عن ثقافة الشركة. ولا يمكن استكمال التعليم الحقيقي إلا عبر كشف هذه المشكلات في النظام.

 

(٢-٢) الخطوة الثانية: إشراك اللجنة التنفيذية

بعد ذلك، «احرص على إشراك اللجنة التنفيذية ودعمها لعملية التطوير». ونعني ها هنا ما هو أكثر من مجرد إشراكٍ رمزيٍّ أو مسئوليةٍ إشرافية؛ فعندما لا تشترك اللجان التنفيذية في عملية التطوير ولا تتوافق معها (وهي غالبًا ما تكون كذلك)، فإن العملية تنحرف عن مسارها الصحيح. والمشكلة الأكبر، كما أوضحنا للتو، هي أن الأشخاص يتطوَّرون على نحوٍ مستقلٍّ عن مشكلات النظام. وعندما لا يلعب الرئيس التنفيذي وفريقه دورًا في هذه العملية، فإن تطوير القيادة يتحوَّل إلى شيءٍ بعيدٍ تمامًا عن المطلوب.

على سبيل المثال: كانت إحدى الشركات العالمية تعاني من مشكلاتٍ متعلقةٍ بالثقة، وبسبب المنافسة الشديدة وثقافة الشركة المسيَّسة إلى حدٍّ كبيرٍ وُجِدت العداوات بين الوظائف المختلفة وبين مختلِف المسئولين على مدار سنوات. ومع زيادة اعتماد هذه الشركة على نظام الهيكل المصفوفي — فرق وتحالفات معتمدة بعضها على بعض — أصبح الافتقار إلى الثقة المنتشر في كل مكانٍ يعطِّل الأمور وينتقص من قيمة المساءلة؛ ونتيجةً لذلك، رغب فريق تنفيذي جديد في زيادة الثقة في جميع أنحاء الشركة، وفوَّضوا إلى فريق تطوير القيادة تنفيذَ تدريبٍ مخصَّصٍ لتحقيق هذا الهدف. وتضمَّن برنامج تطوير القيادة جزءًا معقدًا ومتعددَ الأبعاد يهدف لبناء الثقة، يجتازه مئات القادة. وعلى الرغم من ذلك، عندما عاد القادة إلى وظائفهم كانت التوتُّرات بين الوظائف وبين المستويات الهرمية المختلفة لا تزال بقوتها المعهودة، وعندما حاوَلَ الأفراد «المُطَوِّرون» إبداءَ الثقة في الآخَرين، كانوا يُقابَلون غالبًا بالرفض؛ ولذلك عادوا إلى سلوكياتهم القديمة المفتقدة إلى الثقة، بل تدهورت الثقافة أكثر أيضًا. ويدرك نائبُ الرئيس المسئول عن تطوير القيادة والمستشارون الخارجيون الذين يعملون معه تلك الإخفاقاتِ، لكنهم يشعرون بأنهم عاجزون عن معالجتها؛ لأن الفريق التنفيذي ليس مهتمًّا بالاشتراك أو بتغيُّر المؤسسة بطرقٍ سوف تدعم تلك الجهود التطويرية في مجال القيادة.

مؤخرًا، استعانت بنا شركةٌ كبرى أخرى من الشركات الواردة في قائمة مجلة فورتشن لأكبر ٥٠٠ شركة، كي نصمِّم اجتماعًا لقادة الإدارة العليا يركِّز على التنفيذ. وكان الهدف من الاجتماع تحديد التحديات التي تعترض التنفيذ في هذه المؤسسة، وإظهارها، وحلها. وهكذا أعددنا الاجتماع، ونسَّقناه، وأثناء سيره بدأ الحوار بين الحاضرين يُظهِر تلك المشكلات على نحوٍ واضح. إلا أن الخطوة التالية — أي حل المشكلات — لم تَحدث؛ ففريق الإدارة العليا لم يستطع تحمُّلَ مسئوليته في خلق هذه المشكلات. وكان الحل المفضَّل هو «إصلاح» هذه الأمور من خلال مزيدٍ من التدريب والوعي والمكافآت، ومن خلال عقابِ غير الموجودين داخل قاعة الاجتماعات.

إن التطوير لا يحدث بمفرده، وهو في الغالب يتطلَّب إجراءاتٍ تنظيميةً متوازيةً يكون لها تأثيرٌ تآزُري عندما تتضافر مع تطوير القيادة. إلا أنه عندما يختار الفريقُ الإداري الانسحابَ من هذه العملية، فإن هذا التآزُر يصبح ناقصًا. توجد شركة نعرفها جيدًا، وهي شركة خدمات مالية كبرى عالمية غير مركزية، تتميَّز بالأداء القوي عبر عددٍ كبيرٍ من وحدات الأعمال المستقلة، وقد أسفرَتْ هذه اللامركزية عن الكثير من النتائج الإيجابية، مثل: زيادة فرص تطوير القادة، واتخاذ قدرٍ أكبر من القرارات التي تُرضِي العملاء، وتخصيص الموارد على نحوٍ أكثر ذكاءً.

وعلى الرغم من ذلك، فنظرًا لاحتياج السوق إلى المزيد من الحلول التآزُرية المطوَّرة في «المساحات البيضاء» الفاصلة بين وحدات الأعمال تلك، فإن قادة الشركة يتطلعون بطبيعة الحال إلى تحديد الأولويات؛ إذ لا يعلم أحدٌ منهم أيٌّ من بنود جداول أعمالهم قد يمثِّل فرصةً مهمةً للشركة، وأيُّها يمثِّل حلًّا دون المستوى الأمثل المطلوب للشركة. ويعتقد فريق القيادة العليا أن التدخُّل وتحديد اتجاهٍ واضحٍ سوف يُضعِف القيادة في وحدات الأعمال؛ ولذلك، تتوجَّه جهودُ تطوير القيادة لديها صوبَ مساعدة الأشخاص على فهم معنى اللامركزية، وتعليمهم كيفية تحقيق الشراكة في أنحاء الشركة كافةً، وكيفية قيادة الفرق بكفاءة. هذه خطوات مفيدة، لكن السوق والقوى التنظيمية تطالِبان حاليًّا بتدخُّل فريق الإدارة العليا وتحديد أولويات الفرق. ولو كان أعضاء فريق الإدارة العليا جزءًا من الحوار، ومن عملية التطوير أيضًا، لَكانوا سيدركون أن هذا التدخُّل يمثِّل القيادة ولا ينزعها، وأن التدريب التطويري يمكن أن يركِّز على هذه الأولويات المحدَّدة.

وكما هو متوقَّع، فإن تطوير القيادة الذي يحدث دون إشراك التنفيذيين يُنتِج قادة جزئيين. وفي أغلب الأحيان ينحرف تركيزُ عملية التطوير نحو مهارةٍ واحدةٍ محددةٍ أو مجالٍ معرفيٍّ بعينه؛ ولا يكون الرئيس التنفيذي أو غيره من التنفيذيين موجودًا ليقترح نظرةً أكثر اتساعًا وشموليةً لعلاج المشكلة؛ على سبيل المثال: تمنَّتْ إحدى الشركات استخدام تطوير القيادة في دعم عقلية النمو بين المديرين. وعلى الرغم من أن الرئيس التنفيذي كان مدركًا جيدًا لتطلُّب عقليةِ النمو توظيفَ العقل والقلب والشجاعة (إذ تحتاج إلى خوض المخاطرات المناسبة، وإشراك الناس في القضية، بالإضافة إلى امتلاك استراتيجيةِ نموٍّ سليمة)؛ فقد تَحوَّل برنامج تطوير القيادة إلى شيءٍ آخر تمامًا، وأصبح التركيز منصبًّا على تعليم كيفية التنفيذ الجيد دون ارتكاب أخطاء، وهذه مهارة معرفية بحتة (وليست المهارة المناسبة للنمو على أي حال).

 

(٢-٣) الخطوة الثالثة: استخدام تطوير القيادة كأداةٍ تشخيصية

من الناحية الواقعية، لا تَعِي الإدارة دائمًا مشكلاتِ النظام التي تُضعِف الشركة؛ كما أنها ليست مهتمة بتلك المشكلات كما يُنتظَر منها. وعلى الرغم من ذلك، فإن المراحل الأوَّلية من تطوير القيادة قد تُقنِع الإدارة بالالتفات إلى تلك المشكلات والتعامُل معها. تُنظِّم شركتنا الكثيرَ من برامج التعلُّم بالعمل في الشركات العالمية، ومن الأجزاء المهمة في هذه البرامج دعم حوارٍ فوريٍّ بين المشتركين وقادة الإدارة العليا حول المشكلات الحقيقية. ويفيد التعلُّم بالعمل في خلق نظامٍ مؤقتٍ ذي قِيَمٍ فريدةٍ تضمُّ العقل والقلب والشجاعة، في ظلها يمكن إجراء نوعٍ مختلفٍ من الحوار. وإذا تمَّ ذلك على النحو الصحيح، فلن يتحرَّج المشتركون من تزويد الإدارة العليا بتعقيبهم — ذلك التعقيب الصادق الفطن الذي يعزِّز الرؤية ويوضِّح المشكلات، والذي قد لا يصدر بطريقةٍ أخرى — في أعلى مستويات الشركة.

والأهم من ذلك أن هذا البرنامج يُيسِّر من عملية تطوير «القائد الكامل»؛ فعندما يتحدَّث الأشخاص عن شعورهم بالخوف من التحدُّث عن إحدى المشكلات، أو عن شعورهم بأن مرءوسيهم المباشِرين لا يُصدِّقون أنهم يضعون مصالحهم نُصبَ أعينهم، تصبح القيادة التنفيذية واعيةً بالأبعاد الأخرى للمشكلة، تلك الأبعاد التي تتجاوز الأمور المعرفية؛ على سبيل المثال: عندما يكون الابتكار هو محورَ تطوير القيادة، فإن التدريب يتضمَّن غالبًا إمدادَ القادة بأساليب تساعد على دعم التفكير الإبداعي بين موظفيهم. وعلى الرغم من ذلك، فمن خلال هذا العنصر التشخيصي تنتبه الإدارة إلى أن المديرين مقتنعون بأن الشركة تُعاقِب دائمًا عقابًا شديدًا على الفشل، وأنهم يَشُكُّون في أن موظفيهم لا يشعرون بالارتياح الكافي لمشاركة أفكارهم التي تُعارِض تقاليدَ وأعرافَ المؤسسة. وهذه مشكلات متعلِّقة بالقلب والشجاعة، ويمكن دمجها لاحقًا في عملية التطوير.

 

(٢-٤) الخطوة الرابعة: تخصيص العملية

أخيرًا، «خصِّصِ العمليةَ وفقًا لوضع المؤسسة، وادمجْ أبعادَ العقل والقلب والشجاعة في التصميم». سوف نتحدَّث عن عملية التطوير طوال الكتاب، لكن حاليًّا نريد أن نؤكد على نقطتين؛ أولًا: لا تعتمد على البرامج المؤسسية الرائجة الجاهزة أو حتى تلك المندرجة تحت فئة «أفضل الممارسات»؛ فالبرنامج الذي يبدو ميسورَ التكلفة لا يكون كذلك في المعتاد؛ لأن كلَّ ثقافة وكل شركة وكل صناعة فريدةٌ من نوعها، والقيادة هي نتيجة لعوامل نظامية، إيجابية وسلبية على حدٍّ سواء، بالإضافة إلى المشكلات التنافسية التي لا تختلف من مجالٍ لآخَر. أنت في حاجةٍ إلى تنظيم برنامج تطوير القيادة واضعًا نقاطَ القوة ونقاطَ الضعف في شركتك نُصبَ عينَيْك. وعندما نقوم بعملية تطوير القيادة الاستراتيجية، فإننا نربطها دائمًا بسياق الشركة، أو أجندة الرئيس التنفيذي، أو التحديات التنافسية، أو تاريخ الشركة، أو نظام الأداء الإداري، أو ما شابه ذلك. لقد تعلَّمْنا من خلال الخبرات الطويلة والصعبة أحيانًا ذلك الدرسَ الصعب الذي يقول إن استيراد أحد البرامج التي تصلح في مكانٍ آخَر، خاصةً في الإدارة العليا، يواجِه في الغالب مقاومةً ثقافيةً.

وبالمثل، فإننا نقيم متطلبات العقل والقلب والشجاعة في الشركة المعنية؛ فبعض الشركات يجب ألَّا تركِّز بالتساوي على العقل والقلب والشجاعة؛ فقد تواجِه الشركة مجموعةً من الخيارات الاستراتيجية المتناقضة؛ مما يتطلَّب من قادتها اتخاذ قراراتٍ أكثر تعقيدًا وتجنُّب الحلول البسيطة. وقد تواجِه أزمةً تنظيمية، أو بيئية، أو تنافُسية، ويكون لزامًا على قادتها الانحراف عن نهج الشركة التقليدي المحافظ؛ فيحتاجون إلى استراتيجيةٍ أكثر جرأةً للتعامل مع الأزمة بنجاح. وقد يكون لزامًا على إحدى المؤسسات إعدادُ كادرٍ من الموظفين لمناصب ستختلف عن الموجودة في الوقت الراهن، ولزامًا على عمليةِ التطويرِ إعدادُ دراسةِ جدوى قويةٍ للسلوك الجديد.

وقد تختلف العملية نفسها اختلافًا كبيرًا، اعتمادًا على عناصر الموقف، لكن دعونا نعرض عليكم أسلوبًا بسيطًا أعددناه.

يتضمَّن الجزء الأول من عملية التعلُّم عرضًا تقديميًّا حول أيٍّ من المواضيع أو المسائل التي صُمِّم البرنامج التطويري بهدف تناوُلها. عادةً، تُخصَّص الجلسة الصباحية لشرح الموضوع؛ مثل بيان معنى «الابتكار» أو «التعاون» أو «الإدارة العالمية»، والمهارات المطلوبة لإجادتها، والأمثلة الموضحة لها. وهذا هو الجانب المعرفي من البرنامج.

ويحدث الجزء الثاني عادةً أثناء جلسةٍ بعد الظهر، ويتضمَّن أداء المشاركين لبعض التدريبات أو تلقِّي التوجيه حول المشكلات الشخصية التي تظهر في أحد الموضوعات المطروحة. وإذا كان الموضوع هو الابتكار، فمن الممكن أن نُحدِّث المشاركين عن مدى شعورهم بالابتكار، وعقبات الابتكار التي يجدونها في العمل، ومتى أصبحوا مبتكرين ولماذا. وفي نهاية الجلسة، يُعطَى المشاركون مهمةً متعلقة بالابتكار (أو متعلقةً بأي موضوعٍ قد يكون مطروحًا)، ويُطلَب منهم التدرُّب عليها في محيط العمل على مدار الأيام، أو الأسابيع، أو الشهور القليلة القادمة.

وفي الجزء الثالث يجرب المشاركون ما تعلَّموه. ويمثِّل هذا التطبيق العملي مرحلةَ الشجاعة في عملية التطوير. وفي جميع الأحوال يجب أن يجرِّب الأشخاصُ سلوكياتٍ جديدةً ويواجِهوا تحدياتٍ جديدة، وبما أن ذلك يحدث في بيئة «حقيقية» (مقارَنةً بالبيئة النظرية)، فإن له نتائج. قد يشعرون بالحرج والارتباك، ويضعون أنفسَهم في مواقف مزعِجة، ويمارسون مهاراتٍ غير بارعين فيها، وربما يفشلون. وكلها أمور تتطلَّب شجاعةً واضحة.

أما الجزء الرابع فيتضمَّن عودةَ المشاركين إلى البرنامج بعد مرور الوقت؛ حيث نستمع إليهم وهم يَصِفون تجاربَهم ويقدِّمون تعقيباتهم حول مدى نجاحهم (أو فشلهم) في الدمج بين السلوكيات القيادية المعتمدة على العقل والقلب والشجاعة.

 

 

(٣) إدراك الحاجة إلى مقادير مختلفة من قِيَم العقل والقلب والشجاعة باختلاف المواقف

كما أشرنا في السابق، نحن نضع في اعتبارنا أهداف تطوير القيادة التي تحددها الشركة لمنصبٍ معينٍ (أو لفريق معين أو لجماعةٍ معينة) قبل تصميم البرنامج؛ فبعض الوظائف تتطلب توظيفًا للقلب أكثر من الشجاعة؛ وبعض المهام تتطلب توظيفًا للعقل أكثر من القلب. إن مقدار العقل والقلب والشجاعة المطلوب لفريقٍ قياديٍّ يقلص تعاملات الشركة، يختلف عن المقدار اللازم لرئيسٍ تنفيذيٍّ يوسع نطاق عمل الشركة من خلال فتح أسواقٍ جديدة؛ فمن المهم تصميم عمليةٍ تراعي تلك المتطلبات الخاصة بكل موقف.

وفي كتاب «خط إعداد القادة» — بقلم رام تشاران، وستيف دروتر، وجيم نويل — يوضِّح المؤلفون أنه مع انتقال الأشخاص بين المستويات المختلفة في المؤسسة، ينبغي أن يُكيِّفوا سلوكياتهم وتوجُّهات قِيَمهم على حسب تلك المستويات؛ فالمهارات والقِيَم في مستوى المساهم الفردي، على سبيل المثال، تختلف عن المهارات والقِيَم في مستوى المدير الذي يتقلَّد هذا المنصب لأول مرة.

إن أول تغييرٍ يحتاج إلى فعله المديرُ الذي يتقلَّد هذا المنصب لأول مرةٍ هو تقييم إسهامات الآخَرين بدلًا من التركيز على أدائه. ويؤكِّد المؤلفون على أن الأمر لا يقتصر على اكتساب مجموعةٍ جديدةٍ من المهارات والقِيَم، بل يتضمَّن التخلِّيَ عن المهارات والقِيَم التي جعلت المدير ناجحًا في المستوى السابق.

ولتطوير الأفراد بكفاءة، انظر كيف تظهر مهارات العقل والقلب والشجاعة في المستويات التنظيمية المختلفة:

العقل

  • المستوى ١ (المشرف المباشر): تعلُّم المهارات التقنية.
  • المستوى ٢ (مدير المديرين): التنسيق بين الأفراد في المستويات الأفقية وتنسيق المشروعات الأفقية.
  • المستوى ٣ (المسئول التنفيذي): وضع الاستراتيجية.

القلب

  • المستوى ١: إدارة العلاقات الثنائية.
  • المستوى ٢: التوجيه، ودعم المواهب، وتحقيق الاصطفاف بين الفرق.
  • المستوى ٣: إدارة التعقيد، والتعامل مع المعوقات الشخصية، والتعامل مع الغموض.

الشجاعة

  • المستوى ١: إعطاء تقييمٍ قاسٍ والتعامل مع الموضوعات الصعبة الأخرى المتعلقة بإدارة الأداء.
  • المستوى ٢: إدارة الصراع بين الوحدات، وتخصيص الموارد، والإقدام على مخاطرة التعبير عن الرأي.
  • المستوى ٣: اتخاذ قراراتٍ صعبةٍ (غلق المصانع، وإعادة توزيع الأصول والموارد، وغير ذلك).

إن تلك الأوصاف المقدمة للمستويات تتَّسم بالتعميم على نحوٍ واضح، وقد تجد أنك في حاجةٍ إلى إجراء تعديلاتٍ معتمدةٍ على وصفٍ أكثر تفصيلًا للمستويات، أو معتمدةٍ على المتطلبات الخاصة بشركتك. وعلى الرغم من أن الهدف العام للتطوير هو مساعدة الأفراد على الدمج بين هذه الأنواع الثلاثة من السلوكيات، فإن الهدف الأكثر تحديدًا هو مساعدتهم على دمج هذه السلوكيات بالقدر الصحيح.

خط إعداد القيادة

خط إعداد القيادة
خط إعداد القيادة
شكل : المصدر: تشاران، آر، دروتر، سي، نويل، جيه (٢٠٠١). «خط إعداد القادة». سان فرانسيسكو: جوسي-بايس، الصفحة ٧. أعيد نشره بإذن جون وايلي آند صنز.

(٤) الشجاعة: المنطقة الأصعب في التطوير

إحقاقًا للحق، تطويرُ الشجاعة مجالٌ غير مستكشفٍ إلى حدٍّ كبير. وفي حقيقة الأمر، لقد سمعنا أكثرَ مِن رئيسٍ تنفيذيٍّ يُشكِّك في أن الشجاعة يمكن تعلُّمها. وعلى الرغم من أنه من غير الممكن تحويل شخصٍ يتجنَّب المخاطرة بفطرته إلى شخصٍ مخاطِر، فقد وجدنا أن الأشخاص يمكن أن يُحرِزوا تغيُّراتٍ متزايدةً تدريجيًّا في طريق الإقدام على المخاطرة. وعند العمل مع الأفراد في مجالات الشجاعة، فإننا نعطيهم تقييمًا حول تجنُّبهم إظهارَ الشجاعة (مثل رفض اتخاذ قراراتٍ صارمة)، ونساعدهم في فهم العواقب السلبية لهذا السلوك. وندعمهم أيضًا في محاولاتهم إظهارَ الشجاعة؛ ونزوِّدهم بالأدوات والأساليب التي قد تساعدهم في هذا الصدد. وفي كثيرٍ من الأحيان، يحفِّزهم هذا الأسلوب على إظهار قدرٍ أكبر من الشجاعة في محيط العمل في أمورٍ صغيرة.

في كتاب «شجاعة التصرُّف» يؤكِّد المؤلفان ميروم كلاين ورود نابير على أن الشجاعة يمكن اكتسابها، خاصةً إذا تعامَلْنا معها باعتبارها سلوكًا يُظهِر السمات الخمس التالية: الإصرار، والإرادة، والصرامة، والمخاطرة، والصراحة. من خلال الوعي بهذه العوامل وممارسة السلوكيات المرتبطة بها يمكن للأشخاص التغلُّب على مخاوفهم، وتعلُّم الإقدام على المخاطرة، وفِعل أمورٍ لم يفعلوها من قبلُ.

وفي عالَم الأعمال، وجدنا أن الشخص نفسه يمكن أن يتجنَّب المخاطرة في إحدى المؤسسات، وأن يكون مستعِدًّا للمخاطرة في مؤسسةٍ أخرى. في المؤسسة الأولى يرسل النظامُ رسائلَ تُوحِي بأن اقتناص الفرص فكرةٌ سيئة؛ أي إن الإدارة تُعاقِب بصرامةٍ أيَّ شخصٍ يخاطر ويفشل. وفي المؤسسة الأخرى، لا تقتصر رسالة النظام على قول إن الأشخاص الذين يخاطرون ويفشلون لن يُعاقَبوا (باستثناء لو أَقْدَمُوا على مخاطراتٍ حمقاء واستمروا في تكرار الأخطاء)، لكن تقول أيضًا إن الأشخاص الذين يتبنَّوْن عقلية المخاطرة سيُكافَئون بطرقٍ مختلفة. ومرةً أخرى نعود إلى نصيحتنا السابقة القائلة بضرورة الانتباه إلى المشكلات التنظيمية في الشركة، قبل الشروع في برنامج تطوير القيادة.

وفي واقع الأمر، لا ترغب معظم المؤسسات البيروقراطية في أن يُظهِر قادتها قدرًا كبيرًا من الشجاعة، بصرف النظر عمَّا يقال عكس ذلك؛ فالشركات الكبرى، التي تقودها مخاوف متعلِّقة بالدعاوى القضائية والمساهمين والدعاية، تميل دائمًا إلى خيار التقليل من المخاطرة. وأي شركةٍ جاوزَتِ المراحلَ الأولى من الدورة الاقتصادية لا يمكنها سوى تحمُّل مستوًى معينٍ من السلوكيات المتمردة والمعارضة للعُرْف المتبع فيها. وعلى الرغم من أن بعض المؤسسات تتحمَّل العباقرةَ الغرباءَ الأطوار الذين يُعبِّرون عن آرائهم ويخاطرون، فإن تلك المؤسسات هي الاستثناء وليست القاعدة. ومعضلةُ معظم الشركات في الوقت الحاضر هي أن الإذعان أفضلُ من الشجاعة؛ وأن من الصعب إنجازَ الكثير من المهام إذا عبَّرَ الجميع عن آرائهم أو تصرَّفوا بطريقةٍ مختلفةٍ عن النهج المتبع.

ليس المقصود هو ضرورة أن يُظهِر جميع القادة الشجاعةَ مع كل فرصة، بل يجب أن يتعلَّموا متى وكيف يُظهِرون هذه الشجاعة — وهذا ما يُطلِق عليه جوزيف باداروكو الباحثُ في جامعة هارفرد «اللحظات الحاسمة» — أيْ لحظات الخيارات القيادية النادرة التي تخلق حقًّا شخصيتَك وتُشكِّل منظومة القِيَم الخاصة بك. إن التعبير عن رأيك عند الشعور بأن أمرًا ما ليس منصِفًا أو ليس أخلاقيًّا، هو بالتأكيد أحد مظاهر الشجاعة، لكن التعبير عن رأيك عندما يكون المدير غارقًا لأذنيه في أزمةٍ، قد لا يُسفِر عن أفضل رد فعلٍ متوقَّعٍ ولا ينمُّ عن حسن اختيار التوقيت. وبالمثل، فإن إلقاءَ خطبةٍ غاضبةٍ عن العقلية الفاشية للشركة ومغادرةَ الاجتماع قد لا يكونان أفضل سُبُل التعبير عن الشجاعة.

ولذلك، فإن جزءًا من عملية تطوير القيادة يجب أن يُخصَّص لبيان كيف ومتى تظهر الشجاعة؛ فعلى سبيل المثال: يمكن لعملية تطوير القيادة أن تساعد الأشخاص على فهم أنهم عندما يُعبِّرون عن آرائهم، ينبغي أيضًا أن يحرصوا على سماع وجهة نظر الآخرين، وأن يُظهِروا أنهم استمعوا إليها، وأن يحاولوا إقناعهم بطريقةٍ أخرى للتفكير دون اللجوء إلى أسلوب الهجوم.

 

مقالات قد تعجبك:

 

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: Content is protected !!
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock