رواية المحترم البربري كاملة - منال سالم
رواية المحترم البربري كاملة - منال سالم

رواية المحترم البربري كاملة – منال سالم

رواية المحترم البربري كاملة – منال سالم

علق حقيبته الرياضية على كتفه وهو يتجه نحو المصعد بعد أن أوصله رفيقه المقارب له في عمره إلى المجمع السكني، فأصحبت عادة ممارسة الرياضة مع الرفقاء القدامى من اهتماماته مؤخرًا خاصة بعد اعتقاده أنها ستعيد إليه شبابه المفقود، ضغط “وحيد” على زر استدعاء المصعد مترقبًا نزوله، اعتلى وجهه ابتسامة هادئة حينما رأى إحدى الشابات الصغيرات تقف إلى جواره، بادلته الشابة الابتسامة قائلة بنعومة:
-هاي أنكل “وحيد”
امتعض وجهه من تذكيرها للفارق العمري بينهما بدعوته إياه بذلك اللقب المقيت، فقد كان يحب مناداته باسمه مجردًا إن لم يكن مصحوبًا بكلمة السيد “وحيد”، اضطر أن يرد عليها بعبوس:
-أهلاً
عضت على شفتها السفلى الملطخة بتلك الحمرة الصريحة متسائلة بخجلٍ لطيف:
-أخبار “معتصم” إيه وأنطي “نادية”؟
بالطبع فهم سبب توددها الغريب إليه رغم كونه جاهلاً بهويتها، فابنه يقف خلف ذلك الاهتمام الزائد، فهو الشاب الأكثر شهرة في هذا المجمع السكني الراقي بين الفتيات والشابات بسبب تعامله المثالي معهن، يشعر كل واحدة منهن بأنها خلقت ملكة متوجة، لا مثيل لها، متفردة، تستحق أن تلقب بملكة جمال العالم، فلماذا التعجب إذًا من اهتمامهن به شخصيًا؟ رسم “وحيد المصري” على فمه ابتسامة سخيفة وهو يرد باختصار:
-كويسين
مالت الفتاة ناحيته فلامست ذراعه بكتفها وهي تهمس له بمكرٍ:
-طيب سلملي عليهم، وخصوصًا “معتصم”، باي يا أونكل!
أومأ برأسه دون تعليق، وما زاد من غرابة الموقف أنها انصرفت ولم تركب معه المصعد، ولج إلى الداخل محدثًا نفسه بازدراء:
-هو أنا عارف إنتي مين! محظوظ يا “معتصم”، مين أدك، كل البنات بتحبك، كل البنات حلوين!
انغلق المصعد عليه وهو يدندن بما يتذكره من تلك الأغنية الشبابية آنذاك وقت أن كان يماثله في العمر.
…………………………………..
بعد مرور يومين، توقفت سيارة الأجرة أمام إحدى البنايات ذات الطراز المعماري القديم والتي تقع في وسط المدينة، ورغم كون المنطقة راقية إلا أنها تحوي تحف معمارية مميزة ظلت شاهدة على تاريخ أصيل، تنهدت “آسيا” بإرهاق وهي تترجل من السيارة بعد أن دفعت الأجرة لسائقها، كانت رحلة عودتها متعبة، لكنها وصلت في الأخير إلى حيث ستبدأ، أحضر لها السائق حقيبتها قائلاً بترحاب زائد كمجاملة مصطنعة منه للحصول منها على مبلغ إضافي:
-حمدلله على السلامة يا هانم، القاهرة نورت
اكتفت بالنظر إليه من خلف نظارتها العريضة، دست يدها في حقيبتها لتخرج ورقة نقدية منها، مدت إصبعيها بهما إليه فسال لعابه وهو مركز بصره عليه، خطفها منهما وكأنه كنزه الثمين الذي حاز به دون عناءٍ يذكر، تناولت حقيبة سفرها منه لتخطو برشاقة وهي تصرع الأرضية الصلبة بخطواتها الواثقة في اتجاه المدخل، فهناك منزلها الذي استأجرته لتمكث فيه خلال الفترة القادمة، هب حارس البناية واقفًا يتأمل صاحبة الوجه الحسن والمظهر اللافت للأنظار وهو يسألها:
-خير يا هانم؟
ردت بقوة ظهرت في نبرتها:
-أنا الساكنة الجديدة هنا، “آسيا شرف الدين”!
رسم ابتسامة مرحبة على محياه وهو يردد اسمها الذي كان مختلفًا عن بقية ساكني البناية:
-الست “آسيا”
-ايوه، السمسار بلغني آ…..
قاطعها بتهليل متحمس:
-عرفتك يا هانم، احنا اتشرفنا بيكي، والعمارة كمان نورت بـ…..
ردت مقاطعة ببرود:
-كفاية كلام، أنا مصدعة
تجهمت تعابيره قائلاً بحرجٍ:
-اللي تؤمري بيه جنابك
-خد الشنطة وطلعها لفوق!
قالتها بصيغة آمرة وهي تنزع النظارة عن عينيها باحثة عن المصعد لتستقله، تبعها الحارس بهدوء وهو يتأمل هيئتها المغرية، بالطبع وجود أنثى بتلك المواصفات الجمالية الغير طبيعية في بناية تعج بالسكان – وخاصة الذكور – سيحدث الكثير من المشاكل، هكذا دار في عقله وهو يتوقع الأسوأ من بقائها.
…………………………………….
تململ على الفراش بتعب مضاعف وهو يقاتل لإبقاء جفنيه مفتوحين بعد تلك الليلة الصاخبة التي قضاها بصحبة أقربائه للاحتفال بنجاح ابنة عمه الصغرى، امتد الحفل للساعات الأولى من الصباح، وبالطبع تعذر عليه النهوض مبكرًا للذهاب إلى عمله في مكتب المقاولات والإنشاءات الهندسية المملوك له، أنزل “معتصم” ساقيه عن الفراش أولاً، ثم بدأ في فرك رأسه عدة مرات كمحاولة بائسة منه لتنشيط عقله، تثاءب بصوت مسموع وهو يمسح بيده على صدره العاري، هو يحبذ النوم بسرواله فقط تاركًا الغطاء يتكفل بتغطية جسده إن شعر بالبرودة، زحف – بالمعنى المجازي – نحو المرحاض ليغتسل ويبدل ثيابه، سمع دقات خافتة على باب غرفته تبعها صوت الخادمة القائل:
-معتصم بيه، أحضر لحضرتك الفطار
دعك عينيه بقبضتيه المتكورتين لينحني بعدها نحو هاتفه المحمول ليتفقد الوقت، تأخر كثيرًا عن موعد الإفطار، فقد قارب الظهيرة، رد عليه بصوت متحشرج وهو يسعل:
-لأ، اعملي فنجان قهوة بس!
ردت بامتثالٍ:
-حاضر يا فندم
سألها “معتصم” مستفسرًا وهو ينظر إلى ذقنه النابتة قليلاً في المرآة:
-ماما صحت؟
أجابته بجدية:
-ايوه، ونزلت من بدري مع الباشا “وحيد”
زفر بملل وهو يقول:
-طيب، جهزي القهوة وأنا جاي
-حاضر
ولج بعدها إلى داخل المرحاض ليبدأ في مراحل الاستعداد للذهاب إلى عمله، في نفس التوقيت كانت تقف عند عتبة باب ذلك المنزل ترمق اللافتة المدون عليها “وحيد المصري” بنظرات نارية تحمل الغضب والكره، توصلت “آسيا” إلى عنوان تلك العائلة من أحد معارفها القدامى والذي ظن أنه يقدم لها خدمة عظيمة بإبلاغها به، لكنه لم يعرف أنه سيفتح بابًا من الجحيم على أفرادها، بابًا لم يظنوا أنه سيظهر ليفسد عليهم هدوئهم واستقرارهم الطبيعي

عن منار عمر

منار عمر .. خريجة تربية نوعية تكنولوجيا التعليم .. خبرة سابقة في كتابة المقالات في جميع المجالات .. أتطلع إلي تنميه هوايتى ومهاراتي في الكتابة والعمل في مجال تخصصي

تعليق واحد

  1. رؤيه جميله ممكن بقيت الاجزاء

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: Content is protected !!