رواية المحترم البربري كاملة - منال سالم
رواية المحترم البربري كاملة - منال سالم

رواية المحترم البربري كاملة – منال سالم

رواية المحترم البربري كاملة – منال سالم

شدَّ كم قميصه – ذو اللون الأبيض –من أسفل سترته الكُحلية للخارج قليلاً ليغلق الزر الذهبي، انتصب ذاك الشاب الذي قارب على بلوغ العقد الرابع من عمره في وقفته ليزداد عُرض منكبيه ويبرز طوله الفاره أكثر، مسح البائع على كتفيه برفق ليتأكد من ضبط السترة عليه، ابتسم له بتباهٍ يعكس إعجابه بتفرده المعروف في بيع تلك النوعية من الثياب الفاخرة، حدق “معتصم” في المرآة مطولاً متفحصًا تفاصيل البدلة عليه، كانت مناسبة له وكأنها صممت خصيصًا من أجل ذوقه الرفيع فأظهرت تناسق جسده الرياضي ببراعة، وأبرزت عضلاته المشدودة، مط فمه مستطردًا حديثه بصوته الخشن:
-تمام، هاخدها!
اتسعت ابتسامة البائع على الأخير، فبيع قطعة كتلك ستزيد من ربحه خاصة إن كان المشتري الرجل الأكثر ثراءً في عالم البناء والمقاولات، رد بلا تفكير:
-تحت أمرك يا “معتصم” بيه!
لم يكن بحاجة لتبديل ثيابه من جديد، حسم أمره بارتداء الحلة الجديدة بعد نزع الملصق الذي يحوي ماركتها التجارية الشهيرة وسعرها الباهظ، انحنى قليلاً بجذعه ليلتقط حافظة نقوده، أخر منها الكارت البنكي ليسدد ثمنها فورًا، ثم دس في جيبه مفاتيحه وهاتفه المحمول، اقترب منه أحد العاملين بالمحل التجاري يحمل في يده حقيبة وضعت بها بدلته القديمة، أشار له ليتبعه إلى سيارته، وما إن رأه سائقه الخاص حتى أسرع بفتح باب المقعد الخلفي له ليستقر بداخلها، تناول من العامل الحقيبة ووضعها بصندوق السيارة ثم أسرع في خطاه ليجلس خلف المقود، تساءل السائق بنبرة رسمية:
-على المكتب يا “معتصم” بيه؟
رد باقتضاب وهو يضع نظارته الداكنة على عينيه:
-لأ، اطلع على البيت، ده ميعاد الغدا!
-حاضر يا فندم
قالها وهو يدير السيارة بتريث نحو الطريق الرئيسي لينحرف منه إلى طريق أخر جانبي حيث يؤدي في نهايته إلى المجمع السكني الذي يقطن به رب عمله، أمسك “معتصم” بهاتفه المحمول ليتابع أخر المستجدات عبر الصفحات الإخبارية، لمح مصادفة خبرًا صغيرًا عن أجر خيالي لإحدى العارضات العربيات والذي فاق نظيراتها الأجنبيات، لم يتوقف عنده كثيرًا فقد بدا مشمئزًا من تلك المهنة التي تخفي الكثير خلفها من العبث واللهو الماجن، ناهيك عن الفضائح المتعلقة ببعضهن، رن الهاتف فأضاءت شاشته العريضة بصورة “أية” ابنة عمه الصغرى، تقوس فمه بابتسامة صغيرة وهو يجيبها متحمسًا:
-برينسيس العيلة
ردت عليه بتوسلٍ مغرٍ:
-“معتصم”، بليز عاوزة منك خدمة
تلاشت بسمته وهو يتابع بجدية:
-على طول كده، من غير سلامات وتحيات، ها، قولي!
أكملت موضحة:
-أنا وصحابي مش عارفين نحجز في كافيه (……)، تقدر تكلم صاحبه يظبطلنا الحكاية دي
وضع إصبعه تحت ذقنه يفركه بحركة بسيطة قائلاً:
-ممممم، عشانه صاحبي!
زادت من استعطافها المصطنع قائلة:
-بليز.. بليز، ده إنت حبيبي!
التوى ثغره للجانب ليقول مستسلمًا لرقتها التي تجبره على الخضوع لها وتنفيذ رغباتها دون نقاشٍ:
-أوامرك يا جميلة
هللت بحماس استطاع تخمينه:
-ميرسي خالص، مش هنسالك ده أبدًا، أشوفك بعدين، وسلم على أنكل وأنطي
-أوكي، باي
……………………………….
انتهت من تنسيق الزهور في المزهرية الرفيعة قبل أن تضعها في مكانها بجوار النافذة المفتوحة لتتسرب إليها أشعة الشمس الذهبية، ابتسمت لجمالها الطبيعي الذي يشعرها بالارتياح، التفتت “نادية” بجسدها للخلف لتسير بخطوات متهادية ورزينة نحو المقعد الوثير الموضوع بجوار مكتبة الحائط الضخمة، أتت إليها الخادمة تسألها بروتينية معتادة:
-أجهز الغدا يا هانم؟
أجابتها بابتسامة صغيرة:
-شوفي “معتصم” الأول، لو كان هايجي خلاص حضريه، لو عنده شغل مافيش داعي
تابعت الخادمة متسائلة:
-والباشا “وحيد”؟
أجابتها بنفس الهدوء الناعم:
-الدكتور قال النهاردة يقدر ياكل مشوي، وأنا بنفسي هاشرف على أكله بس لما يرجع من عنده
-تؤمري بحاجة تانية يا هانم
-لأ، شكرًا، تقدري تتفضلي
-عن إذنك
قالتها الخادمة وهي تومئ برأسها قبل أن تنصرف من غرفة المكتبة لتترك سيدة المنزل بمفردها، سحبت “نادية” ذلك الكتاب من على الطاولة الصغيرة المستديرة، ثم جلست على المقعد لتشرع في استكمال قراءته، فقد عزفت عن متابعته لأيام بسبب انشغالها بمراعاة زوجها الذي عانى من وعكة صحية لكنه تماثل للشفاء، للحظة شردت في ذكرى بعيدة وهي تقلب صفحات الكتاب، تلك الذكرى التي دومًا تنغص عليها هدوئها وتشعرها بالذنب والأسف، ارتعشت أناملها وتوترت أنفاسها وهي تقاتل لاستبعادها عن عقلها، هي عمدت إلى دفن كل ما يخصها كي لا تتألم، لم يكن الأمر بيدها، كانت مضطرة للتخلي عن أي شيء يربطها به، حتى هي … ابنتها.

  • اقرا ايضاً رواية لا تفضحني – أيمن العدوي
  • اكمل الرواية في الصفحة التالية واذا كنت تريد الفصل الثاني اترك لنا تعليق

عن منار عمر

منار عمر .. خريجة تربية نوعية تكنولوجيا التعليم .. خبرة سابقة في كتابة المقالات في جميع المجالات .. أتطلع إلي تنميه هوايتى ومهاراتي في الكتابة والعمل في مجال تخصصي

تعليق واحد

  1. رؤيه جميله ممكن بقيت الاجزاء

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: Content is protected !!