رواية أولاد حارتنا للكاتب نجيب محفوظ
رواية أولاد حارتنا للكاتب نجيب محفوظ

رواية أولاد حارتنا للكاتب نجيب محفوظ

“الناس تحملوا البغى فى جلد ، ولاذوا بالصبر واستمسكو بالأمل، وآانوا آلما أضر بهم العسف قالوا : لابد للظلم من آخر، ولليل نهار، ولنرين فى حارتنا مصرع الطغيان ومشرق النور والعجائب
هذا حكاية حارتنا ، أو حكايات حارتنا وهو الأصدق ، لم أشهد من واقعها إلا طوره الأخير الذى عاصرته
ولكنى سجلتها جميعا آما يرويها الرواة وما أآثرهم جميع أبناء حارتنا يروون هذه الحكايات
يرويها آل آما يسمعها فى قهوة حية أو آما نقلتإليه خلال الأجيال
ولا سند لى فيما آتبت إلا هذه المصادر، وما أآثر المناسبات التى تدعو إلى ترديد الحكايات
آلما ضاق أحد بحاله، أو ناء بظلم أو سوء معاملة أشار إلى البيت الكبير على رأس الحارة من ناصيتها المتصلة بالصحراء، وقال
فى حسرة هذا بيت جدنا، جميعنا من صله، ونحن مستحقوا أوقافه
فلماذا نجوع وآيف نظام؟ ثم يأخذ فى قص القصص والاستشهاد بسير أدهم وجبل ورفاعة وقاسم من أولاد حارتنا الأمجاد، وجدنا هذا لغز من الألغاز عمر فوق ما يطمع إنسان أويتصور حتى ضرب المثل بطول عمره
واعتزل فى بيته لكبره منذ عهد بعيد، فلم يره منذ أعتزاله أحد، وقصة اعتزاله وآبره مما
يحير العقول، ولعل الخيال أو الاغراض قد اشترآت فى إنشائها على أى حال آان يدعى الجبلاوى وباسمه سميت حارتنا

رواية أولاد حارتنا

وهو صاحب أوقافها وآل قائم فوق أرضها والأحكار المحيطة بها فى الخلاء سمعت مرة رجلاً يتحدث عنه
فيقول : هو أصل حارتنا، وحارتنا أص مصر أم الدنيا، عاش فيها وحده وهى خلاء خراب، ثم امتلكها بقوة ساعده ومترلته عند
الوالى، آان رجلاً لايجود الزمان بمثله، وفتوة تهاب الوحوش ذآره

وسمعت آخر يقول عنه :

آان فتوة حقًا، ولكنه لم يكن
آالفتوات الآخرين، فلم يفرض على أحد أتاوة، ولم يستكبر فى الأرض ، وآان بالضعفاء رحيما

ثم جاء زمان فتناولته قلة من الناس بكلام لا يليق بقدره ومكانته
وهكذا حال الدنيا وآنت ومازلت أجد الحديث عنه شائقًا لايمل، وآم جعلنى ذلك
إلى الطواف ببيته الكبير لعلى أفوز بنظرة منه ولكن دون جدوى وآم وقفت
أمام بابه الضخم أرنو إلى التمساح المحنط المرآب أعلاه، وآم جلست فى صحراء المقطم غير بعيد من سوره الكبير فلا أرى إلا رءوس أشجار التوت والجميز والنخيل تكتنفالبيت ونوافذه مغلقة لا تنم على
أى أثر لحياة أليس من المحزن أن يكون لنا جد مثل هذا الجد دون أن نراه أو يرانا؟ أليس
من الغريب أن يختفى هو فى هذا البيت الكبير المغلق وأن نعيش نحن فى التراب؟

وإذا تساءلت عما صار به وبنا إلى هذا الحال سمعت من فورك القصص،
وترددت على أذنيك أسماء أدهم وجبل ورفاعة وقاسم ولن تظفر بما يبل الصدر أو يريح
العقل، قلت إن أحدا لم يره منذ اعتزاله
ولم يكن هذا بذى بال عند أآثر الناس فلم يهتموا منذ بادئ الأمر إلا بأوقافه
وبشروطه العشرة التى آثر القيل والقال عنها، ومن هنا ولد التراع فى حارتنا منذ ولدت
ومضى خطره يستفحل بتعاقب الأجيال حتى اليوم والغد
ولذلك فيس أدعى إلى السخرية المريرة من الإشارة إلى صلة القربى التى تجمع بين أبناء حارتنا
آنا ومازلنا أسرة واحدة لم يدخلها غريب

وآل فرد فى حارتنا يعرف سكانها جميعا نسءً ورجالاً ومع ذلك فلم تعرف حارة
حدة الخصام آما عرفناها، ولا فرق بين أبنائها التراع آما فرق بيننا، ونظير آل ساع إلى الخير تجد عشرة فتوات يلوحون
بالنبابيت ويدعون إلى القتال حتى اعتاد الناس أن يشتروا السلامة بالإتاوة، والأمن بالخضوع والمهانة، ولاحقتهم العقوبات
الصارمة لأدنى هفوة فى القول أو فى الفعل بل للخاطرة تخطر فيشى بها الوجه وأعجب شئ أن الناس فى الحارات
القريبة منا آالعطوف وآفر الزغارى والدراسة والحسينية يحسدوننا على أوقاف حارتنا ورجالنا الأشداء، فيقولون حارة منيعة
وأوقاف تدر الخيرات فتوات لايغلبون، آل هذا حق، ولكنهم لايعلمون أننا بتنا من الفقر آالمتسولين، نعيش فى القاذورات بين
الذباب والقمل، نقنع بالفتات، ونسعى بأجساد شبه عارية، وهؤلاء الفتوات يرونهم وهم يتبخترون فوق صدورنا فيأخذهم
الإعجاب، ولكنهم ينسون أنهم إنما يتبخترون فوق صدورنا، ولا عزاء لنا إلا أن نتطلع إلى البيت الكبير ونقول فى حزن وحسرة

“هنا يقيم الجبلاوى ” صاحب الأوقاف، وهو الجد ونحن الأحفاد

شهدت:
العهد الأخير من حياة حارتنا وعاصرت الأحدات التى دفع بها إلى الوجود ” عرفة ” ابن حارتنا البار . وإلى أحد أصحاب عرفة
يرجع الفضل فى تسجيل حكايات حارتنا على يدة، إذ قال لى يوما ” : إإنك من القلة التى تعرف الكتابة، فلماذا لا تكتب
حكايات حارتنا؟ إنها تروى بغير نظام، وتخضع لأهواء الرواة وتحزباتهم، ومن المفيد أن تسجل بأمانة فى وحدة متكاملة
ليحسن الانتفاع بها، وسوف أمدك بما لا تعلم من الأخبار والأسرار .” ونشطت إلى تنفيذ الفكرة اقتناعا بوجاهتها من ناحية،
وحبًا فيمن اقترحها من ناحية أخرى , وآنت أول ن اتخذ من الكتابة حرفة فى حارتنا على رغم ما جره ذلك على من تحقير
وسخرية، وآانت مهمتى أن أآتب العرائض والشكاوى للمظلومين وأصحاب الحاجات . وعلى آثرة المتظلمين الذين
يقصدوننى فإن عملى لم يستطع أن يرفعنى عن المستوى العام للمتسولين فى حارتنا، إلى ما اطلعنى عليه من أسرار
الناس وأحزانهم حتى ضيق صدرى وأشجن قلبى، ولكن مهلاً، فإننى لا أآتب عن نفسى ولا عن متاعبى، وما أهون
متاعبى إذا قيست بمتاعب حارتنا ، حارتنا العجيبة ذات الأحداث العجيبة، آيف وجدت؟ وماذا آان من أمرها ؟ ومن هم أولاد حارتنا ؟

رواية: أولاد حارتنا تأليف: نجيب محفوظ  عدد الصفحات: 593

لشراء نسخة ورقية تصلك حتى باب المنزل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: Content is protected !!