يطوي العالم الأرضي مدى الزمان، ويتغير حسب أدواره كما يطوي الإنسان أجله، ويتغير حسب أطواره، والتغير في كل صور الطبيعة صفة حتمية لها، فهو في المادة على العموم تَحَوُّلُ صورها الطبيعية من مركب إلى مركب؛ لتفاعل جواهرها الفردة تبعًا لقوى الجذب والدفع المتنوعة فيها، وتغير الكل ناشئ عن تغير أجزائه، هذه سنة الله تعالى في الطبيعة.

هكذا ترى صور الجماد تتغير تبعًا لتغير أجزائها — كما تقدم — فنتوء الجبال، وهبوط الأودية، وتجمع اليم، والتحجُّر، والتحاتُّ إلى غير ذلك من مظاهر الجماد، إنما هي أمثلة ذلك التغير تبعًا لفواعل القوى الطبيعية من حرارة، وألفة كيمية، ونحوهما، وترى ذلك التغير أظهر في المملكة النباتية بنشوء النباتات ونموها وذُوِيِّها بعد استيفائها أعمارها، وتراه أظهر من ذلك في المملكة الحيوانية، ولا سيما في الآدميين بتوالد الحيوانات ونموها وموتها.

البقاء

وعند التأمل تلاحظ أن نتيجة تلك التغيرات «البقاء»؛ فإن الجمادات تجدد أطوارها بتغيرها من مركب إلى آخر، ومن شكل إلى غيره كأنها تبتغي «البقاء»، والنباتات كالحيوانات تجدد أعمارها بالتبذير والتفريخ والنمو والإزهار وهلم جرًّا، وهي بتكرار هذه الأعمال تبتغي «البقاء»؛ بقاء النوع.

وليس غرضنا في هذا الكتاب إيضاح هذه النتيجة «أو الغاية» في المملكتين الدنيئتين، وهي خفية فيهما؛ ولذلك نقتصر على الإلماع إليها فيهما، وفي المملكة الحيوانية أيضًا توصُّلًا إلى بيانها في الإنسان.

تتغير حالات الحيوان من ناطق وأعجم بتحركه المتنوع: كالسعي وراء الرزق، والعمل لنيله، وكالاغتذاء، والتنفس، والتمثيل إلى غير ذلك من الأعمال الحيوية الطوعية وغير الطوعية، وغنيٌّ عن البيان أن مآلَ حركاتِ الحيوان هذه «بقاؤه» حيًّا، و«بقاء نوعه» أيضًا، فالحركة إذًا ناموس الحياة، ومآل الحركة البقاء، وسببها خاصة من خواص المتحرِّك تُدعى قوة، فالأحياء لا يحيون إلا «بالحركة».

على أن الأحياء كثيرون على سطح البسيطة، والوسط الذي يتحركون فيه أصبح ضيقًا على حركتهم، ولذلك لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ تماسِّهم في تحركهم، أو بالحري لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ تضارب حركاتهم وتقاطعها وتصادمها بحيث يقاوم بعضها بعضًا، وينافيه أو يقاويه، ويغالبه أو يطاوعه ويساعفه. ومن ذلك نشأ التنازع والتنافس والتزاحم، وتفرَّع التآلف والتنافر، والتعاضد والتعاون. وهذا هو سبب أن الإنسان في جهاد دائم، ونزاع مستمر مع قوى الطبيعة ومع أفراد جنسه؛ بغية حفظ بقائه؛ فإنه إذا استكن لحظة أفلتت منه حياته، وأُبدِل فناؤه ببقائه.

وظيفة الإنسان في الطبيعة

وبما أن الإنسان أوسع عقلًا من سائر الحيوان، وأكثر شعورًا، وبالتالي أحب لنفسه من سائر الأحياء، وأشد أثرة؛ فالتنازع بين أفراده أعظم جدًّا من التنازع بين أفراد العجماوات. ومَن لا يدرك ما يقضي به هذا العمران البشري من الجهاد الدائم في سبيل الحياة؟

فإذًا وظيفة الإنسان في الطبيعة الحركة للسعي، والعمل لحفظ حياته، ولحفظ «بقاء نوعه»، وللحياة التي يبتغيها الحيوان — ولا سيما الإنسان — خاصتان جوهريتان؛ وهما: «الأجل المديد، والحظ السعيد». وفيما يلي تَبَسُّطٌ وَافٍ لهاتين الخاصتين، وقد جمعهما لفظ «المستقبل».


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: Content is protected !!