كيف تصبح خبيرًا معترَفًا به في ثلاثين يومًا؟
كيف تصبح

دراسات القيادة في عصر النهضة

ظهر بعد أرسطو بحوالي ١٨٠٠ عام، في منطقة البحر المتوسط نفسها، كتاب سيطر على الكتابة عن القيادة، ليس فقط في وقته بل في وقتنا الحالي أيضًا. لم يكن كتاب «الأمير» لكاتبه نيكولو مكيافيلي كتابًا شهيرًا، بل كان على العكس أقل النصوص شهرة في القرن السادس عشر. ولا شك أن مكيافيلي كان سيجد في هذا الأمر مفارقة مزدوجة؛ أولًا، لأنه كتب «الأمير» بغرض استعادة بعض من مصداقيته وشهرته السياسية لدى أصحاب عمله السابقين. ثانيًا، لأنه كتب هذا الكتاب كعمل وصفي لا نصي. بمعنى آخر، أصر مكيافيلي على أنه كتب هذا الكتاب ليصف عالم السياسة على حقيقته، لا كما يجب أن يكون في صورة مثالية أسطورية غير قابلة للتحقيق. فقد تشرب كتاب «الأمير» بالواقعية السياسية مما أدى إلى استنكار القادة الدينيين والسياسيين فورًا له في ذلك الوقت، ولكن هذه الواقعية السياسية تفسر أيضًا سبب شهرته في الوقت الحاضر. فلم يكن الكتاب، كما يقول مكيافيلي، معتمدًا على النظريات بل على الحقائق التاريخية، ولكن الكنيسة الكاثوليكية حَرَّمَتْه ووضعته في قائمة الكتب المحظورة.
📖

كتب مكيافيلي كتاب «الأمير» في الفترة ما بين عامي ١٥١٣-١٥١٤ عندما انهارت بلاده بسبب الحرب الأهلية والاحتلال الخارجي. سعى مكيافيلي لتأليف كتاب إرشادي يسترشد به جميع القادة السياسيين، وخاصة عائلة ميدِتشي، سادته والقادة السابقين لفلورنسا. بعد ذلك، لم يكن «الأمير» مجرد كتاب كتبه ليلقى الحظوة لدى عائلة ميدِتشي فحسب، بل أصبح نداءً للجهاد للدفاع عن فلورنسا وإيطاليا — عن طريق الهيمنة الفلورنسية — ضد «البرابرة» الذين يقصد بهم الغزاة الإسبان والفرنسيون.

📖

من بين الأشخاص الأساسيين الذين تمثل بهم مكيافيلي في كتابه «الأمير»، سيزار بورجيا، الابن غير الشرعي لرودريجو بورجيا الذي أصبح البابا ألكساندر السادس في عام ١٤٩٢. قاد سيزار بورجيا الجيوش البابوية وهدد استقلال فلورنسا، ولكن لاحظ مكيافيلي نوعًا مختلفًا من القادة في سيزار؛ لأنه كان الرجل الذي قتل أحد ضباطه (ريميرو أوركو) عندما اتضح له أنه استخدم القسوة غير المبررة خلال سيطرته على مقاطعة رومانيا. كما يتذكر مكيافيلي قائلًا: «… في صباح أحد الأيام، وجدت جثة ريميرو مشطورة نصفين في ساحة مدينة سيسينا، وبجانبها كتلة خشبية وسكين ملطخ بالدماء، وأذهلت وحشية هذا المنظر سكان مقاطعة رومانيا وهدأتهم.» (الفصل السابع من أطروحة مكيافيلي «الأمير») بعد ذلك دعا سيزار الأشخاص الذين كانوا يتآمرون عليه على العشاء، فقط ليذبحهم جميعًا وهم يتناولون الطعام. استخدم مكيافيلي سيزار بعد ذلك كقدوة يحتذى بها في تنفيذ السياسة بالقوة، فقد آمن بأن سيزار استعاد السلام عن طريق اختياره للعنف. كان البديل — كما أعلن أغلب قادة هذا الوقت على الملأ — هو التصرف بنبل وأخلاق، ولكن في رأى مكيافيلي، كانت عاقبة التصرف بأخلاق في عالم لا يتسم بالأخلاق هي السماح للفاسدين بالسيطرة، حيث يقول في كتاب «الأمير»: «الحقيقة هي أن الشخص الذي يرغب في التصرف بفضيلة بجميع الطرق الممكنة لا بد أن يشعر بالأسى بين الكثيرين الذين يفتقرون إلى التحلي بالفضيلة. لذا، لكي يتمكن الأمير من الاحتفاظ بحكمه عليه أن يتعلم كيف يكون الافتقار إلى الفضيلة، ويستخدم ذلك أو لا يستخدمه تبعًا لما يتطلبه الموقف.» وهكذا:

القيادة
القيادة

كان سيزار بورجيا قاسيًا، ولكن قسوته هذه أصلحت من شأن رومانيا، ووحدتها وأعادت النظام والطاعة. وعند التفكر والتدبر، يتضح أن سيزار امتلك شفقة فاقت شفقة الفلورنسيين الذين — لكي يتجنبوا وصفهم بالقساة — تركوا بيستويا للدمار …

📖

في الواقع، لم يقل مكيافيلي إن على القادة أن يتصرفوا بصورة غير أخلاقية، بل قال إنه على الأمير، حتى يحمي مصالح المجتمع (النقطة التي اتضحت أكثر في كتاب «نقاش عن ليفي»)، أن يفعل ما يتطلبه الأمر من أجل المصلحة العامة، ومن ثم يجب وضع التصرف في سياقه الصحيح وعدم تحليله استنادًا إلى عالم أخلاقي أسطوري. المشكلة، بلا شك، تكمن في تعريف «المصلحة العامة».

📖

وردًّا على سؤاله المجازي الذي يقول: «هل من الأفضل أن تكون محبوبًا أم مخيفًا؟»، يتخذ مكيافيلي جانب الخوف دون تردد:

الإجابة هي أن المرء قد يرغب في أن يكون كليهما، ولكن من الصعب جدًّا الجمع بين الأمرين، لذا فمن الأفضل أن تكون مخيفًا على أن تكون محبوبًا إذا لم تستطع أن تجمع بين الاثنين. ويمكن للمرء أن يعمم هذا الأمر على البشر أجمعين، فهم جاحدون، متقلبون، كاذبون ومخادعون … وعندما تتعرض للخطر يديرون ظهورهم لك. وأي أمير يعتمد فقط على الوعود دون أخذ احتياطات أخرى ضمن هلاكه … إن رابطة الحب هي رابطة … يقطعها البشر إذا كان ذلك في مصلحتهم، ولكن الخوف يقوى بخشية العقاب الفعالة دائمًا. ولكن على الأمير أن يجعل نفسه مُخيفًا بطريقة تجعل الناس لا يكرهونه، وإن لم يحبوه.

 📖📖📖

دراسات القيادة في عصر النهضة – كتاب: القيادة مقدمة قصيرة جدًّا
تأليف: كيث جرينت – ترجمة: حسين التلاوي – مراجعة: هاني فتحي سليمان – مؤسسة هنداوي

عن كلام كتب

كلام كتب، هنساعدك تقرأ. نعمل على نقل المعرفة من الكتب إليكم من جميع الكتب العربية. مثل كتب : (تطوير الذات - إدارة أعمال - علم النفس - تعليم - معلومات عامة - صحة وطب - روايات والأدب - التاريخ - قصص - العناية بالمنزل - العناية بالأطفال - هوايات وفنون)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: Content is protected !!