التصنيفات
اقرأ من الكتب

دراسات القيادة الكلاسيكية

خارج القارة الأوروبية، نجد كتاب «أرتاشاسترا» لمؤلفه كوتيليا، الذي كُتب حوالي عام ٣٢١ قبل الميلاد من أجل مملكة موريا التي تُعرف الآن بالهند، والذي تضمَّن مجموعة من النصائح والتوجيهات العملية التي على القادة أن يضعوها في اعتبارهم، ولكن ربما كان أقدم نص مكتوب حقق نجاحًا كبيرًا في زمانه ومكانه — الصين القديمة — وما يزال يخلب لب مديري الشركات التنفيذيين حتى الوقت الحاضر هو «فن الحرب» من تأليف صن تزو (٤٠٠–٣٢٠ قبل الميلاد). في حقيقة الأمر، لم يتضح حتى الآن حقيقة من ألف الأقوال المأثورة التي تكون منها كتاب «فن الحرب»، وربما كان أتباع وتلامذة صن تزو هم من كتبوا الكثير منها. في الواقع، النص نفسه يقترح هذا الافتراض بسبب بنيته الحوارية، مع مشاركة العديد من الشخصيات في مناقشة تُجرى تحت إشراف المعلم صن. مع هذا، تظهر الرسالة المحورية عن القيادة بوضوح: «تقع مسئولية جموع المقاتلين التي تتألف من مليون رجل على عاتق رجل واحد، فهو من يُطلق روحهم القتالية» (مانوفر ٢٠). وبمجرد إثباته لهذا الأمر، يبدأ كتاب «فن الحرب» في عرض لوحات حوارية تدور حول أهم عناصر الاستراتيجيات والتكتيكات الحربية ليستفيد منها القادة العسكريون.
?

دراسات القيادة

من المفارقة، بالنسبة للعقلية الغربية، ولكن على نحو مناسب للجوهر المعتدل لأصولها الطاوية، أن أحد أهم الدروس المستفادة من كتاب «فن الحرب» هو أن القتال آخر الخيارات التي يجب على القادة العسكريين اللجوء إليها، نظرًا لأن: «الذين ينتصرون في جميع المعارك لا يتمتعون حقًّا بالمهارة، وإنما أفضل القادة هم هؤلاء الذين يجعلون جيوش الآخرين لا حول لها ولا قوة دون قتال» (التخطيط لحصار المدن). يصر صن تزو بعد ذلك على أن الاستراتيجية هي أهم عناصر النصر؛ لأن فن الحرب هو فن تفادي الصراعات غير الضرورية.

?

3 كتب عن الفوركس_Forex
يعتبر «الجسر الذهبي» نتيجة طبيعية لهذه الفلسفة: إذا كان يجب عليك أن تقاتل، فتجنب الصراعات المباشرة إذا كان هذا ممكنًا؛ لأن هذه المواجهات مكلفة من حيث الموارد والأرواح وأخطر من مجرد مهاجمة خطط العدو وخطوط إمداده، أما إذا اضطررت لمواجهة العدو وجهًا لوجه — ولكنك لست واثقًا من هزيمته هزيمة منكرة — فعليك أن تترك «جسرًا ذهبيًّا»؛ أي طريق هروب لأعدائك لينسحبوا من خلاله، وإلا سيضطر أعداؤك للقتال حتى النهاية، ومرة أخرى ستكون العواقب وخيمة.
?
النصيحة الثانية المثيرة للجدل هي إحراق جسورك: بمعنى التزم وإلا تحمل العاقبة. يقول صن تزو: «عندما يضع القائد لقواته هدفًا لتُحَقِّقَهُ، يكون كما لو كان صعد إلى مكان عالٍ وألقى بالسلم بعيدًا.» هذه القاعدة عكس قاعدة الجسر الذهبي تمامًا، ولكن يجب تطبيقها بالعكس؛ لأنه إن شعر رفاقك بالخطر ورأوا طريقًا ميسرًا للهرب، فسوف يسلكونه، ولكن إذا لم يجدوا طريقًا للهرب — الأمر الذي يُطلق عليه صن تزو «الأرض الميتة» — فسوف يلزمون أنفسهم بالقتال من أجل البقاء، وهذا هو نوع التزام الأتباع نحو قائدهم الذي يعكس الجذور الطاوية لعمل صن تزو. وكما يقول في «الأراضي التسع»: «ضعهم في موقف لا مهرب منه وسوف يموتون قبل الهرب.»
القيادة
القيادة

تمسك صن تزو برأيه أن الأمور العسكرية يجب أن تُترك في يد الخبراء العسكريين وليس في يد السياسيين الذين يتحكمون بهم، حيث يقول: «إذا قلت إنه على الجنرال أن ينتظر أوامر السادة في مثل هذه الظروف فكأنك تخبر رئيسك بأنك ترغب في إخماد حريق.» (استراتيجية هجومية)، أو كما افترض في «المتغيرات التسع»: «هناك حالات لا يجب فيها طاعة أوامر السادة … فعندما ترى التصرف الصحيح أمامك، لا تنتظر الأوامر.»

?

في نفس الوقت تقريبًا الذي كان يدرس فيه صن تزو القيادة العسكرية في الصين، كان أفلاطون (٤٢٧ / ٤٢٨–٣٤٧ قبل الميلاد) يحذر الإغريق من أن نهضة القيادة السياسية المعتمدة على الديمقراطية لا تمثل ازدهار الثقافة الإغريقية بقدر ما تمثل تهديدًا مباشرًا للحضارة الإغريقية، فقد نتج عن نظام انتخاب القادة نوع من الهرج والمرج لا منتدى للنقاش الجاد كما كان يرى أفلاطون؛ لأن هذا من شأنه أن يشجع القادة المحتملين على أن يرضوا أدنى غرائز حشود الغوغاء — «الحيوان الكبير والخطر» — التي انتشرت في الكثير من كتاباته عن هذه المسألة. يفترض أفلاطون في كتابه «الجمهورية» أن الغوغاء قد يكونون على استعداد لأن يخاطروا بمجتمعهم (الذي هو كالسفينة) عن طريق انتخابهم لأي شخص يعدهم بمكاسب أكبر. وهكذا، بدلًا من الإبحار تحت قيادة شخص مؤهل على النحو الأكمل ليكون قائد السفينة (أحد الملوك الفلاسفة بحسب تعبير أفلاطون)، تضمن الديمقراطية أن الغوغائي الذي له شعبية هو من سيسود، ومن ثم يقود السفينة لتصطدم بصخور الكوارث.
?

القيادة

ولكن كيف يمكننا تمييز الشخص الأقدر على القيادة؟ عند أفلاطون، من البديهي أن نميز مهارات الناس عن طريق الأخذ بعين الاعتبار تخصصاتهم: لن نسأل البستاني أن يصنع لنا قاربًا أو أن نطلب من المزارع أن يدير اقتصاد الدولة. ولكن ما أصاب أفلاطون بالإحباط الشديد أنه عندما يتعلق الأمر بالمعرفة «الأخلاقية»، يزعم الغوغاء أن الجميع خبراء، ولهذا لا يوجد خبراء. لهذا السبب بالذات عارض أفلاطون السفسطائيين وأيزوكراتيس الذي علم الناس فن الخطابة؛ لأنه يشجع على هيمنة الشكل على المضمون. والأهم من كل شيء أن أفلاطون خشي أن يفسد النظام هؤلاء الذين يعتزمون القيادة بطريقة أخلاقية من أجل تحقيق الخير للمجتمع، وحيث إن صحة المجتمع أمر أساسي للقادة، فلا بد من أن يدمر القائد الفاسد «مجتمعه». واتفق أرسطو (٣٨٤–٣٢٢ قبل الميلاد)، أحد تلامذة أفلاطون، على أن أثينا تتعرض للهجوم على يد القادة الفاسدين، ولكن اختلف رد فعله إزاء المشكلة. كتب أرسطو جزءًا من كتابه «الخطابة» كعرض ﻟ «حيل الخطابة»، التي كان يؤمن بأنها تفسد الحياة العامة في أثينا.
 ???

 

دراسات القيادة الكلاسيكية – كتاب: القيادة مقدمة قصيرة جدًّا
تأليف: كيث جرينت – ترجمة: حسين التلاوي – مراجعة: هاني فتحي سليمان – مؤسسة هنداوي

بواسطة كلام كتب

موقع كلام كتب، هنساعدك تقرأ نقوم بتوفير أجمل الروايات والقصص الخليجية الرومانسية وروايات غرام عالمية، مع توفير العديد من المقالات في شتى المجالات من قبل كتاب متخصصون وملهمون، شعارًا هو "الهامك"

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.