حقيقة الاقتصاد السياسي والشخصي
حقيقة الاقتصاد السياسي والشخصي

حقيقة الاقتصاد السياسي والشخصي

حقيقة الاقتصاد: الاقتصاد تدبير يُقصد به إلى إنماء الثروة بحيث يُبْذَلُ من القوى أقل، ويُكتسَب ريعٌ أكثر؛ لإكثار وسائل الراحة والرفاهة؛ وهو نوعان: «اقتصاد سياسي»، و«اقتصاد شخصي».

الاقتصاد السياسي

تدبير اجتماعي يقصد به إلى إنماء ثروة الأمة، وتقسيمها على الأفراد، وإنفاقها في سبيل الرفاهة، وتحسين أحوال المعاش، وترقية البلاد في سلم الحضارة والمدنية؛ ولذلك يكون للحكومة يَدٌ في هذا التدبير فتنشئ المدارس لتعليم الناشئة، وتسهِّل الطرق لتحسين زراعة البلاد وصناعتها، بأن تنشئ البنوك لمساعدة الفلاح والصانع، وتضرب الرسوم على الواردات الأجنبية؛ لكيلا تحل محل حاصلات البلاد التي من نوعها، وعلى الصادرات؛ لكي لا تخرج من البلاد وهي في حاجة إليها، إلى غير ذلك.

والاقتصاد الشخصي

تدبير فردي يقصد به إلى إنماء ثروة الفرد أو الأسرة؛ لاتقاء الإعسار، والتمتع بالإيسار، والرفاهة على الدوام.

 

وبين نوعي الاقتصاد المذكورين عداء طبيعي لا بد منه، وهو سبب تفاوت الأفراد بالغنى والفقر، والسعادة والشقاء. وسبب هذا العداء استحالة تقسيم الريع بالتساوي، أو بالنسبة إلى ما يُبذل من القوى البشرية — عقلية وبدنية — لأنه يُقسم بالنسبة إلى «القوة المالية» مضافة إلى القوتين: البدنية والعقلية. وبما أن «القوة المالية» هي أعظم القوات، والناس يتفاوتون كثيرًا بامتلاك مقاديرها، وقليلًا بامتلاك القوتين الأخريين، فالتقسيم يجب أن يكون بالنسبة إلى ذلك التفاوت؛ أي أن ذا المال الكثير ينال من الريع أكثر، وقلنا: إنهم يتفاوتون قليلًا بامتلاك «القوتين: العقلية والبدنية»؛ لأنهم يولدون متساوين بهما، وثم تنمو «القوى العقلية» بالتربية والتعليم، ولا يتفاوت الأفراد بها تفاوتًا فسيحًا إلا ببذل وقت ومال؛ ولذلك يضاف هذا التفاوت بدرجات القوى العقلية إلى تفاوت القوى المالية، أو بالحري يعتبر التفاوت الأول من الثاني ويجمل معه.

 

والسبب الآخر لذلك العداء هو تسابق الأفراد في حلبة هذا الاقتصاد، وفوز القوي على الضعيف، والغني على الفقير بلا بد؛ لتفاوت الأفراد بالقوى، ولا سيما «القوة المالية» — كما تقدم — فيزداد القوي قوة، والضعيف ضعفًا حتى لقد يلتهم هذاك هذا ويفنيه.

 

ولإيضاح ذلك نضرب هذا المثل: كان قبل إنشاء الترامواي في القاهرة كذا حميرًا للركوب، وكذا مركبات تجرها الخيل، فانتبه بعض المتمولين لمشروع الترامواي، واشتركوا بإنشائه بأموالهم، فأغنى الترامواي الناس عن الحمير وعن قسم من المركبات؛ لأن أجرة الترامواي أقل جدًّا من أجر الحمير والمركبات، حتى أصبح الذي لم يعتد أن يركب حمارًا أو مركبة يركب الترامواي؛ لرخصه.

 

فترى أن الترامواي قد سهَّل أمر الركوب كثيرًا بأجرة أقل، ونفع الذين كانوا يركبون الحمير والمركبات بأن وفَّر لهم فرق الأجرة، وأراح الذين كانوا يمشون؛ لعدم استطاعتهم أن يدفعوا أجر المركبات والحمير الكثيرة، وعاد على الشركة التي أنشأته بالأرباح الطائلة، ولكنه من الجهة الأخرى أضرَّ بالحمَّارة وأصحاب المركبات ضررًا بليغًا؛ إذ سابقهم إلى باب رزق كانوا يسترزقون منه، وزاحمهم فيه، وربما ابتأس البعض بسببه إذا لم يكن له باب للرزق غير حماره أو مركبته.

 

قوات الطبيعة

وهكذا إذا تألف لكل صنف من العمل شركة مالية تتعاون لتحسينه وتكثيره، وتستخدم له أسهل الطرق، وتسخر «قوات الطبيعة» على عمله كالكهربائية والبخار، وتجعله رخيصًا بحيث يُقبل الناس عليه دون غيره تزداد ثروة البلاد عمومًا، وتتوفر وسائل الرفاهة والراحة، ولكن تصبح أبواب الرزق كلها في أيدي المتمولين الأفراد. وأما عامة الناس فيضيق ذرعهم، وربما يموت أكثرهم جوعًا.

 

 

والذي يطلع على أحوال هذه الشركات في أميركا، ويعلم كيفية تدابيرها وحيلها المالية حتى صار كل صنف من التجارة والعمل في يد شركة كأنها محتكرة له، وأصبح العامة لا عمل لهم، يفهم جيدًا معنى العداء بين «الاقتصاد السياسي» و«الاقتصاد الشخصي». ويظن بعض علماء الاقتصاد الأميركيين أنه إذا استمرت هذه الشركات في أميركا على هذه الحال نفد صبر العامة، وثاروا على أرباب الأموال يطالبونهم بأنصبة من ثرواتهم حسب مبادئ الاشتراكيين.

 

 

و«الاقتصاد الشخصي» وحده موضوع بحثنا في هذا الكتاب، وقد تبسَّطنا فيما تقدم؛ لكي نوضح الفرق بين الاقتصادين، ونبين مركز الاقتصاد الشخصي الحرج؛ ليعلم القارئ أهميته، ووجوب الاهتمام به.

 

و«الاقتصاد الشخصي» يقوم بالتوفير والتثمير، وفيما يلي بيانهما.

 

 

 

 


لتحميل الكتاب كاملاً من الموقع الرسمي لـمؤسسة هنداوي: من هنا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: Content is protected !!