المعلومات
المعلومات

ثورة المعلومات عصر الزيتابايت

في عام ٢٠٠٣، قدَّر الباحثون في كلية إدارة ونظم المعلومات في بيركلي كاليفورنيا حجم البيانات التي راكمتها الإنسانية بمقدار ١٢ إكسابايت (الإكسابايت الواحد يوازي ١٠١٨ بايت من البيانات أو ما يماثل ٥٠ ألف عامٍ من محتوى الفيديو عالي الجودة) عبر مسار تاريخها كله حتى إنتاج أجهزة الكمبيوتر على مستوًى تجاري. في المقابل، قدَّر الباحثون أنفسهم حجم محتوى المواد المطبوعة، والفيلمية، والممغنطة، والبصرية؛ بما يماثل أكثر من ٥ إكسابايت من البيانات في عام ٢٠٠٢، ويكافئ ذلك حجم ٣٧ ألف مكتبة جديدة بحجم مكتبة الكونجرس. بالنظر إلى حجم سكان العالم في ٢٠٠٢، يتبين أنه أُنتج ما يقترب من ٨٠٠ ميجابايت من البيانات المسجلة لكل شخص، وهو ما يشكل ٣٠ قدمًا من الكتب لكل مولود جديد جاء إلى العالم؛ أي ٨٠٠ ميجابايت من البيانات المطبوعة على الورق. من بين هذه البيانات، جرى تخزين ٩٢٪ منها في وسائط ممغنطة، معظمها على أقراص صُلبة، وهو ما أدَّى إلى حدوث عملية «دمقرطة» غير مسبوقة للمعلومات؛ إذ يمتلك المزيد من الأشخاص حاليًّا مزيدًا من البيانات أكثر من أي وقت مضى. لا يزال هذا التزايد المتسارع مستمرًّا دون توقف؛ فوفق دراسة حديثة، سيزداد حجم البيانات الرقمية عالميًّا أكثر من ستة أضعاف، من ١٦١ إكسابايت إلى ٩٨٨ إكسابايت بين عامَي ٢٠٠٦ و٢٠١٠. يشير الاصطلاح الجديد «فيضان الإكسابايت» إلى ما اصطلح عليه مؤخرًا لوصف هذا الإعصار الهائل من وحدات البيانات التي تغمر العالم. وبطبيعة الحال، يجري استخدام مئات الملايين من أجهزة الكمبيوتر بصورة مستمرة للإبحار عبر فيضان الإكسابايت هذا، وستظل الأرقام السابقة تنمو باطِّراد في المستقبل المنظور، ويرجع ذلك في الأساس إلى أن أجهزة الكمبيوتر تُعتبر من أكبر مصادر إنتاج المزيد من الإكسابايت، ويعود إليها الفضل في أننا نقترب من «عصر الزيتابايت» (١٠٠٠ إكسابايت). هذه العملية بمثابة دورة تعزز نفسها. ومن الطبيعي أن يشعر المرء بالارتباك بسبب هذا الحجم الهائل من المعلومات، بل يساور المرءَ شعورٌ مختلط، أو على الأقل هكذا يجب أن يكون الأمر.

المعلومات تغير العالم

لا تزال تكنولوجيات المعلومات والاتصال تُغيِّر العالم بعمقٍ وعلى نحو لا سبيل إلى الرجوع عنه لأكثر من نصف قرن من الزمان وحتى الآن، على نطاق هائل وبمعدل فائق السرعة؛ فهي من ناحيةٍ أدت إلى ظهور فرص حقيقية ووشيكة ذات فوائد عظمى على التعليم، والرفاهية، والازدهار، والتهذيب، فضلًا عن المميزات الاقتصادية والعلمية الكبرى؛ لذا لا غرو في أن وزارة التجارة الأمريكية ومؤسسة العلوم القومية جعلت من تكنولوجيا النانو، والتكنولوجيا الحيوية، وتكنولوجيا المعلومات، والعلوم الإدراكية، مجالاتِ بحث ذات أولوية على المستوى القومي. تجدر الإشارة إلى أن تكنولوجيا النانو والتكنولوجيا الحيوية والعلوم الإدراكية لن تصبح ممكنة بدون تكنولوجيا المعلومات. وفي خطوة مشابهة، أقر رؤساء وحكومات الاتحاد الأوروبي بالأثر الهائل لتكنولوجيا المعلومات والاتصال عندما اتفقوا على جعل الاتحاد الأوروبي «الاقتصاد المعرفي الأكثر تنافسية وحيوية بحلول عام ٢٠١٠».

تكنولوجيا المعلومات والاتصال

على الجانب الآخر، تنطوي تكنولوجيا المعلومات والاتصال على مخاطر كبيرة، كما يتولد عنها معضلات وأسئلة عميقة حول طبيعة الواقع ودرجة معرفتنا به، وحول تطور العلوم كثيفة المعلومات (العلم الإلكتروني)، وتنظيم مجتمع عادل (خذ مثلًا الفجوة الرقمية)، وحول مسئوليتنا والتزاماتنا تجاه الأجيال الحالية والقادمة، وحول فهمنا للعالم المتشابك، ونطاق تفاعلنا الممكن مع البيئة. نتيجة لذلك، تجاوزت تكنولوجيات المعلومات والاتصال فَهمنا لطبيعتها وتداعياتها المفهومية، كما أثارت مشكلات تزداد درجة تعقدها وأبعادها العالمية بسرعة؛ مشكلاتٍ تتطور وتصبح أكثر خطورة.

ربما تسهم مشابهة بسيطة في بيان الوضع الحالي. يشبه مجتمع المعلومات شجرةً تنمو أفرعها السامقة بصورة أكبر، وأسرع، وأكثر عشوائية من جذورها المفهومية، والأخلاقية، والثقافية. يعتبر غياب التوازن مسألة جلية، بل مسألة خبرة يومية في حياة الملايين من المواطنين. كمثال على ذلك، خذ مثلًا بسرقة الهوية. بعبارة أخرى: استخدام المعلومات لانتحال هوية شخص آخر بغرض السرقة أو تحقيق فوائد أخرى. وفقًا للجنة التجارة الفيدرالية، قُدرت عمليات الاحتيال التي تتضمن حالات سرقة الهوية في الولايات المتحدة بما يقترب من ٥٢٫٦ مليار دولار أمريكي من الخسائر في عام ٢٠٠٢ فقط، وهي العمليات التي تأثر بها حوالي ١٠ ملايين مواطن أمريكي. يتمثل خطر ذلك في أن تحقيق المزيد من النمو الصحي في القمة قد يعوقه وجود أساس هَشٍّ في القاعدة، كشجرة واهنة الجذور. وبناءً عليه، يواجه أي مجتمع معلومات متطورٍ اليوم المهمة العاجلة المتعلِّقة بتزويد نفسه بفلسفة المعلومات القابلة للتطبيق. بتطبيق المشابهة السابقة، بينما تنمو التكنولوجيا من أسفل إلى أعلى، حان الوقت للبدء في النزول إلى العمق؛ أي من أعلى إلى أسفل؛ لتوسيع وترسيخ استيعابنا لمفاهيم عصر معلوماتنا هذا، ولطبيعته، ولتداعياته الأقل وضوحًا، ولأثره على الرفاهية البشرية والبيئية؛ ومن ثَمَّ منح أنفسنا فرصة للتنبؤ بالصعوبات، وتحديد الفرص، وحل المشكلات.

 

أدى الانفجار المفاجئ لمجتمع المعلومات العالمي، بعد مرور ألفيات قليلة من عملية النضج الهادئة نسبيًّا، إلى بروز تحديات جديدة هائلة التأثير، وهي التحديات التي لم تكن متوقَّعة قبل عقود قليلة مضت. ومثلما وثَّقت المجموعة الأوروبية لأخلاقيات العلوم والتكنولوجيات الجديدة ومرصد اليونسكو حول مجتمع المعلومات، فقد جعلت تكنولوجيات المعلومات والاتصال من عمليات إنشاء، وإدارة، واستخدام المعلومات، والاتصال، والموارد الحسابية؛ أمورًا مهمة، ليس فقط فيما يتعلق بفَهمنا للعالم وبعمليات تفاعلنا معه، بل فيما يتعلق بتقييمنا الذاتي لأنفسنا وبهويتنا. بمعنًى آخر: أدَّى علم الكمبيوتر وتكنولوجيات المعلومات والاتصال إلى «ثورة رابعة».

 

ثورة المعلومات عصر الزيتابايت – المعلومات مقدمة قصيرة جدًّا

تأليف: لوتشانو فلوريدي – ترجمة: محمد سعد طنطاوي – مراجعة: علا عبد الفتاح يس – مؤسسة هنداوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: Content is protected !!