علم النفس

تعريف الوعي

التعريف العلمي للوعي

ليس هناك تعريف متَّفَق عليه للوعي بشكل عام، لكن التعريفات التالية تعطينا فكرةً عمَّا تعنيه الكلمة.

تعريف الوعي

  • «كيف يكون الحال لو كنتَ …؟»: إذا كان هناك حال معيَّن تكون عليه لو أنك حيوان (أو جهاز كمبيوتر أو طفل رضيع)، فذلك الشيء كائن واعٍ، وإلَّا فهو ليس كذلك.
  • الذاتية أو الظاهراتية: الوعي يعني تجربة ذاتية أو تجربة ظاهراتية؛ والمقصود: كيف تبدو الأشياء لي، في مقابل ما تبدو عليه على نحوٍ موضوعيٍّ؟
  • التجارب الواعية الذاتية: وهي السمات الذاتية التي يتعذَّر وصْفُها للتجربة، مثل حُمْرة اللون الأحمر، أو الرائحة التي لا يمكن وصْفُها لزيت التربنتين. يزعم بعض الفلاسفة أن تلك التجارب لا وجودَ لها.
  • المشكلة الصعبة: كيف تنشأ تجاربُ ذاتيةٌ من دماغ ماديٍّ موضوعيٍّ؟

ضرب ناجيل بالخفاش مثلًا لأن الخفافيش مختلفةٌ تمامًا عنَّا؛ فهي تطير، وتعيش معظم حياتها في الظلام، وتتدلَّى رأسًا على عقب من الأشجار أو في كهوف رطبة، وتستخدم نظامَ سونار — بدلًا من الإبصار — لرؤية العالم؛ فهي تُطلِق أصواتَ صرير حادة متلاحِقة أثناء طيرانها، ثم تحلِّل الأصداءَ التي تعود إلى آذانها الحساسة، وهكذا تعرف طبيعةَ العالَمِ حولها.

اقرأ ايضاً: طرق البحث في علم النفس

كيف سيكون الحال إن كنتَ تدرك طبيعةَ العالم حولَكَ هكذا؟

لا فائدةَ من تخيُّلِ نفسِكَ خفَّاشًا؛ لأن الخفَّاش الناطق المثقَّف لن يكون خفَّاشًا طبيعيًّا على الإطلاق. وفي المقابل، إذا أصبحتَ خفَّاشًا طبيعيًّا، فليس في مقدورك التفكير أو الكلام، فلن تستطيع الإجابةَ على سؤالِكَ.

أشار ناجيل أننا لن نعرف ذلك أبدًا، وخلَص إلى أن المشكلة لا حلَّ لها؛ ولهذا السبب لُقِّبَ ﺑ «المُلغِز»، ويشاركه اللقبَ أيضًا الفيلسوفُ الأمريكي كولين ماكجين، الذي قال: إننا نحن البشر «منغلِقون معرفيًّا» فيما يتعلَّق بفهم الوعي؛ ومعنى ذلك أنه لا أملَ لدينا في فهم الوعي تمامًا مثلما أنه لا أملَ في أن يقرأ أحدُ الكلابِ الجريدةَ التي يحملها فَرِحًا في طريق العودة من المتجر، ويتَّفِق معه في ذلك عالمُ النفس ستيفن بينكر قائلًا: إننا قد نكون قادرين على فهم معظم التفاصيل الخاصة بكيفية عمل العقل، لكنَّ الوعْيَ نفسه قد يظلُّ بعيدًا عن فهمنا إلى الأبد.

كثير من العلماء لا يشاركون ناجيل نظرته التشاؤمية، لكن سؤاله أفاد في تذكيرنا بنقطةٍ بالغةِ الخطورة عند الحديث عن الوعي؛ فلا جدوى من الحديث عن الإدراك الحسي أو الذاكرة أو الذكاء أو القدرة على حلِّ المشكلات باعتبارها عملياتٍ فيزيائيةً بحتة، ثم نزعم أننا قد فسَّرْنا الوعْيَ. إذا كنتَ تتحدَّث عن الوعي حقًّا، فعليكَ أن تتعامل بطريقة أو بأخرى مع الذاتية؛ فيتعيَّن عليك أن تحلَّ المشكلةَ الصعبة وتفسِّرَ كيف تنبع الذاتية من العالم المادي، أو يتعيَّن عليك — إذا كنتَ تزعم أن الوعي مطابِقٌ لتلك العمليات الفيزيائية، أو أنه وَهْمٌ أو حتى غير موجود على الإطلاق — أن تفسِّرَ لماذا «يبدو» حاضرًا بقوة هكذا؛ وفي كلتا الحالتين، لن تستطيع القولَ بأنك تتعامل مع الوعي إلا إذا كنتَ تطرح السؤال: «كيف يكون الحال لو كنتَ …؟»

اقرأ ايضاً: طريقة التحليل النفسي

الوعي الظاهراتي

يُطلَق على ذلك المعنى الأساسي للوعي أيضًا اسم الظاهراتية أو الوعي الظاهراتي، وهما مصطلحان صاغهما الفيلسوفُ الأمريكي نيد بلوك. يقارن بلوك بين «الوعي الظاهراتي/التلقائي» الذي يتعلَّق بالكيفية التي تكون عليها عندما تكون في حالةٍ معيَّنةٍ، و«وعي الإتاحة أو الوعي التأملي» الذي يشير إلى إتاحة المعلومات الموجودة في عقلنا للتفكير أو توجيه الأفعال والكلام. الوعي الظاهراتي (أو الظاهراتية أو الذاتية) هو الذي تحدَّثَ عنه ناجيل، وهو جوهر مشكلة الوعي.

هل الوعي عنصرٌ خارجي نمتلكه

بعد أن أشرنا إلى ذلك، نكون على استعدادٍ لتناوُلِ واحدةٍ من أهم النقاط الخلافية في الدراسات الخاصة بالوعي، وهذه النقطة تتعلَّق بالسؤال التالي: هل الوعي عنصرٌ خارجي نمتلكه — نحن البشر — إضافةً إلى قدراتنا الخاصة بالإدراك الحسي والتفكير والشعور، أم أنه جزء جوهري لا يتجزَّأ في أي كائنٍ لديه قدراتُ الإدراك الحسي والتفكير والشعور؟ هذا هو السؤال الأهم الذي يعتمد عليه كلُّ شيء آخَر، وربما عليك أن تقرِّرَ الآن أي اختيارٍ ستفكِّر فيه؛ لأن تبعات كِلا الاختيارين مثيرةٌ للدهشة تمامًا.

من ناحية، إن كان الوعيُ عنصرًا خارجيًّا إضافيًّا، فسنودُّ بطبيعة الحال أن نسأل عن سبب امتلاكنا إياه، وأن نسأل عن أهميته والوظيفة التي يؤدِّيها وكيف نمتلكه. ووفقًا لهذا الرأي، من السهل أن نتخيَّلَ أننا ربما قد تطوَّرنا من دونه، وهكذا سنودُّ أن نعرفَ السببَ الذي أدَّى إلى تطوُّرِ الوعي، والمزايا التي حَبَانا بها، وإن كان قد تطوَّرَ في كائناتٍ أخرى أيضًا أم لا. ووفقًا لهذا الرأي، تكون المشكلة الصعبةُ عسيرةً حقًّا، وتكون المهمة التي نحن بصددها هي الإجابة عن تلك الأسئلة الصعبة.

اقرأ ايضاً: نظرية التحليل النفسي

من الناحية الأخرى، إن كان الوعي جزءًا لا يتجزَّأ من العمليات الدماغية المعقَّدة، فمن العبث أن نسأل معظم تلك الأسئلة؛ ووفقًا لهذا الرأي (الذي يُسمَّى في بعض الأحيان الوظيفيةَ)، فلا جدوى من السؤال عن سببِ تطوُّر الوعي؛ لأن أيَّ كائنٍ تطوَّرَ بحيث أصبَحَ لديه ذكاءٌ وإدراكٌ حسي وذاكرةٌ ومشاعرُ، يكون واعيًا أيضًا بالضرورة. أيضًا لا جدوى من الحديث عن «الوعي نفسه» أو «التجارب الذاتية التي يتعذَّر وصفها»؛ لأنه ما من شيء خارجي يوجد بمعزل عن العمليات والقدرات.

فيما يتعلَّق بهذا الرأي، لا يوجد لغز مستعصٍ على الحلِّ ولا مشكلة صعبة؛ لذا تكون المهمة التي نحن بصددها مختلفةً تمامًا؛ أَلَا وهي تفسير لماذا «يبدو» لنا أن هناك مشكلة، ولماذا «يبدو» لنا أن لدينا تجاربَ واعية غير مادية يتعذَّر وصْفُها. هنا تبدو فكرةُ الوعي وَهْمًا؛ لأنه لا الوعي ولا المشكلة الصعبة يكونان كما يبدوان، ولذا يتعيَّن علينا تفسير كيفية ظهور الوهم.

إذا كانَتِ التبعات المترتِّبة على هذين الرأيَيْن صعبةَ الفهم، فربما نكون بحاجةٍ إلى إحدى التجارب الفكرية.

كتاب: الوعي تأليف: سوزان بلاكمور

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: Content is protected !!
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock