تعريف المعرفة التقليدية: المعرفة مُنْتَج للنشاط الإنساني الخلَّاق الذي يجري في سياق اجتماعي حضاري محدد وفي إطار منظومة بيئية معينة، وبِقَدْرِ تنوُّعِ الكيانات الاجتماعية/الحضارية التي يحيا في إطارها الإنسان، واختلافِ الظروف البيئية، تتنوَّع المعرفة الإنسانية. «والمعرفة التقليدية هي بذلك نتاج حضاري وحصيلة تاريخية لتفاعل أبناء المجتمعات المحلية المختلفة عبر آلاف السنين مع بيئتهم المحيطة، ومع مواردهم المحلية، من أجل إشباع حاجاتهم الأساسية، وكذلك التعبير عن رؤاهم الحضارية وتلبية حاجاتهم الروحية.» والمعرفة التقليدية بذلك تُعَدُّ تراثًا قد يتجسَّد بشكل مادي أو يكون مكتوبًا أو حتى شفهيًّا؛ لكنه مَعِيش!

مجالات المعرفة التقليدية

تمتدُّ مجالات المعرفة التقليدية لتشمل الحاجات الإنسانية المختلفة؛ من البناء إلى الكساء، إلى الغذاء، إلى التداوي والعلاج، إلى الدفاع … إلخ.

وتمثل المعرفة التقليدية بذلك تراثًا غنيًّا في اكتشاف الاستخدامات المختلفة للموارد المتاحة لكل مجتمع محلي، في إشباع الحاجات الإنسانية المختلفة، سواء أكانت هذه الموارد مكوناتٍ للتكوينات الجيولوجية/الأرضية أم مكوناتِ الغطاء الطبيعي؛ النباتي والحيواني. كما تمثِّل المعرفة التقليدية حصيلةَ الخبرات الطويلة للحضارات المختلفة في استئناس السلالات النباتية والحيوانية المختلفة.

 

أهمية المعرفة التقليدية

المعرفة التقليدية متاحة للإنسان العادي في كل مكان بحكم انتمائه لمجتمعه المحلي، وغالبًا عبر ارتباطه بالتكوينات الاجتماعية/الحضارية السائدة ودون تدخُّل مؤسسات الدولة أو آليات السوق؛ مما يضمن له حدًّا أدنى من القدرة على إشباع حاجاته الأساسية، وعلى الفعل والمبادرة، انطلاقًا من موقعه في مجتمعه المحلي؛ وفيما يلي أمثلة لتلك المعرفة:

 

  • البناء بالموارد المحلية: الكرشيف في سيوة، والطفلة في شمال سيناء، والطين في وادي النيل.
  • صناعة الأثاث من جريد النخيل في العديد من محافظات الصعيد: بدءًا من الفيوم وحتى أسوان.
  • التداوي بالأعشاب والنباتات الطبية، القائم حتى الآن في المجتمعات الصحراوية في شمال وجنوب سيناء والساحل الشمالي الغربي، وكذلك في الصعيد.

 

  • تَحْمِل المعرفة التقليدية أحيانًا تعبيرية حضارية Cultural expressiveness تؤكد الهوية الحضارية؛ سواء أكانت على مستوى المجتمع المحلي أم الدائرة الحضارية ككلٍّ؛ فالمعرفة التقليدية في شِقِّها التقني — أي التراث التقني Technical heritage — تقوم بتشكيل العالم المادي بحيث يعبِّر عن الرؤية الكامنة لدى المجتمع/الحضارة، ويُعَدُّ الحوش السماوي (فِنَاء الدار)، السائد في البيوت البدوية وكذلك في المنازل التقليدية في شمال سيناء وفي النوبة، نموذجًا معبِّرًا في هذا السياق.
  • المعرفة التقليدية تحمل شفرة حضارية Cultural code مميَّزة، أو لغة Software خاصة، تعطي توجُّهًا خاصًّا للفكر والخيال، وتُطلِق الإبداعَ في اتجاهات مغايرة لما هو سائد، وربما تكون تلك هي القيمة الأعلى والأكثر تجريدًا للمعرفة التقليدية. يعني هذا أن اهتمامنا بالمعرفة التقليدية في كل مجتمع محلي، يمكن أن يمثِّل منطلقًا لإبداع حضاري على المستويين القومي والعالمي.

 

ونضرب مثالًا لذلك: فعندما يجري هدم البيوت التقليدية في الصعيد، التي يُستخدَم فيها جريد النخيل في السقف، يقوم القفَّاصون بإعادة استخدام هذا الجريد — الذي يكون قد جفَّ تمامًا — في الأعواد الرأسية (التي تُسمَّى لديهم «سنابل») في صناعة الأقفاص. أَلَا يوحي لنا ذلك — عندما نقوم باختيار مورد/مادة ما لتصنيع منتج — بأن نخطِّط منذ البداية لعددٍ من الحيوات المتتابعة لهذا المورد/المادة، وأن نراعي في تصميم المنتج سهولةَ استعادةِ كلِّ مكون له من أجل استخدامه في حياة جديدة؛ مما يرفع كفاءة استخدام الموارد Resource use efficiency، ويحقِّق من ثَمَّ معيارَ التنمية المستدامة Sustainable development.

 

مقالات قد تعجبك

 

كتاب: تأملات في التنمية تأليف: حامد الموصلي
لتحميل الكتاب من الموقع الرسمي لمؤسسة هنداوي من هنا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: Content is protected !!