الإسلام

تصنيف العلوم عند العرب

ذكرنا في الباب الثاني شيئًا من المواد التي كان الأطفال والشبان يتعلمونها في الكتاتيب (اقرأ المقال: أهداف الكتاتيب ومناهجها وبرامجها) ومعاهد الدراسة الأخرى، ونبيِّن في هذا الباب رأْي الفلاسفة والمربين المسلمين في تصنيف العلوم.

ولعل أقدم مؤلِّف عربي تعرَّض للبحث في هذا الأمر هو المعلم الثاني الفيلسوف أبو نصر الفارابي محمد بن محمد بن أوزلغ، فقد ألَّف رسالة من هذا البحث سماها «مراتب العلم» أو «إحصاء العلوم»، وقد شاعت هذه الرسالة بين الفلاسفة والمربين؛ فاعتمدها بعده كل من أراد البحث في تصنيف العلوم وتبويبها.
  • أما الطريقة التي تبعها الفارابي في تصنيفه فقد بيَّنها في مقدمة رسالته فقال:

قصدنا في هذا الكتاب أن نُحصيَ العلوم المشهورة علمًا علمًا، ونعرف جُمل ما يشتمل عليه كل واحد منها، وأجزاء كل ما له منها أجزاء، وجُمل ما في كل واحد من أجزائه، ونجمله في خمسة فصول:

تصنيف العلوم عند العرب تبعها الفارابي

  • الأول: في علم اللسان وأجزائه.
  • والثاني: في علم المنطق وأجزائه.
  • والثالث: في علوم التعليم، وهي العدد والهندسة، وعلم المناظر، وعلم النجوم التعليمي، وعلم الموسيقى، وعلم الأثقال، وعلم الحيل.
  • والرابع: في العلم الطبيعي وأجزائه، وفي العلم الإلهي وأجزائه.
  • والخامس: في العلم المدني وأجزائه، وفي علم الفقه وعلم الكلام.
وغرضه من هذا الكتاب هو أن يبيِّن لمن «أراد أن يتعلم علمًا من هذه العلوم وينظر فيه، علمَ على ماذا يقدم وفي ماذا ينظر، وأي شيء سيفيد نظره، وما غناء ذلك، وأي فضيلة تُنال به، ليكون إقدامه على ما يُقدِم عليه من العلوم على معرفة وبصيرة، لا على عمًى وغرر، وبهذا الكتاب يقدر الإنسان على أن يقيس بين العلوم، فيعلم أيها الأفضل، وأيها الأنفع، وأيها أتقن وأوثق وأقوى، وأيها أوهن وأوهى وأضعف، وينتفع به في تكشُّف من ادَّعى البصر بعلم من هذه العلوم ولم يكن كذلك … ويتبيَّن أيضًا فيمن يحسن علمًا منها هل يحسن جميعه أو بعض أجزائه … وينتفع به المتأدب المتفنن الذي قصده أن يشدوَ جُملَ ما في كل علم.»

والفارابي في هذه المقدمة لم يبيِّن لنا الطريقة التي اتبعها في تصنيف هذه العلوم كما نجده عند من جاءوا بعده من الفلاسفة والمربين، مثل ابن سينا في «الشفاء» الذي أحصى فيه العلوم وفصَّل الكلام عليها، ومثل جماعة إخوان الصفا الذين كانوا في البصرة في النصف الثاني من القرن الرابع في رسائلهم الاثنتين والخمسين التي ذكروا فيها العلوم وقسَّموها إلى أقسام أربعة: رياضية، وطبيعية، ونفسانية، وإلهية؛ ومثل ابن حزم الظاهري في كتابه «مراتب العلوم وكيفية طلبها»، ومثل الفخر الرازي في كتابه «حدائق الأنوار في حقائق الأسرار» الذي أحصى فيه العلوم الإنسانية وأبلغها إلى نحو ستين علمًا.

وقد عمد الفارابي في كتابه إلى سرد العلوم على ترتيبٍ ارتآه متوخيًا اتباع الطريقة الطبيعية أو المنطقية في إحصاء العلوم؛ فقد قدَّم «علم اللسان» وما يتبعه من لغة ونحو وصرف وغيرها لأن هذا العلم هو العلم الذي تستقيم به العبارات وتصحيح الألفاظ فلا بد من تقديمه، ثم أتبعه بعلم المنطق لأنه العلم الذي يعطي جملة القوانين التي من شأنها أن تقوِّم العقل وتسدِّد الإنسان نحو طريق الصواب. وكما أن علم اللسان يقوِّم اللسان، فكذلك علم المنطق يقوِّم العقل، وهذان العلمان ضروريان لكل من يريد أن يشدوَ علمًا من العلوم، وهما في الحقيقة ليسا علمَين مقصودَين وإنما هما آلتان تخدمان العلوم.

أما العلوم الحقيقية فهي نوعان:

  • علوم نظرية: وهي علم التعاليم وعلم الطبيعة، وعلم ما بعد الطبيعة «الإلهي».
  • وعلوم عملية: وهي العلم المدني، وعلم الفقه، وعلم الكلام.

أما «علم اللسان» فهو سبعة أقسام:

  • علم الألفاظ المفردة في لغة أمةٍ ما من أصيل ودخيل.
  • علم قوانين الألفاظ المفردة من معاني الألفاظ واشتقاقها وصرفها ونحو ذلك.
  • علم قوانين الألفاظ المركبة التي صنَّفها خطباؤهم وكُتَّابهم وشعراؤهم.
  • علم قوانين الألفاظ عندما تتركب في أطراف الكَلِم أو في أحوال التركيب.
  • علم قوانين الكتابة والإملاء.
  • علم قوانين القراءة.
  • علم الأشعار وأوزانها وقوافيها وألفاظها.

أما علم المنطق فهو الصناعة التي من شأنها أن تقوِّم العقل وتسدِّد الإنسان نحو الصواب في كل ما يمكن أن يغلط فيه من المعقولات.

وأما العلوم النظرية، فهي علوم تحصل بها معرفة الموجودات التي ليس للإنسان أن يفعلها، وهي ثلاثة أقسام:

تصنيف العلوم عند العرب العلوم النظرية

  • علم الرياضة: وهو الذي سمَّاه علم التعاليم، ويبحث في علم العدد والهندسة، والمناظر — وهو ما يُطلَق عليه باللغة الأوروبية اسم perspective — والنجوم، والموسيقى، والأثقال، والحيل — وهو ما يُطلَق عليه باللغات الأوروبية اسم mecanique.
  • علم الطبيعة: وهو الذي يبحث في معرفة الأجسام الطبيعية وأعراضها وأحوالها.
  • علم ما وراء الطبيعة: وهو الذي يبحث في العلم الإلهي، وهو أشرف العلوم وما سواه خدم له؛ ولذلك كان بعض الفلاسفة يسمُّونه العلم الأعلى، ويسمُّون العلم الرياضي بالعلم الأوسط، والعلم الطبيعي بالعلم الأدنى.

وأما العلوم العملية، فهي التي تُعلِّم الحكمة العملية في الحياة من أخلاق وسياسة. وتنقسم إلى قسمين:

  • العلم المدني: وهو الذي يبحث عن أصناف الأفعال والسُّنن الإرادية والمَلَكات والأخلاق والشيم التي تصدر عن الأفعال الجميلة والقدرة على أسبابها، وبه تصير الأشياء الجميلة قنية للإنسان.
  • العلم السياسي: وهو الذي يبحث عن الأمور التي تُحصل الأشياء الجميلة لأهل المدن والقدرة على تحصيلها وحفظها لهم.
وقد أتبع الفارابي هذين القسمين قسمًا ثالثًا هو علم «الفقه الإسلامي» و«الكلام الإسلامي»؛ لأن صناعة علم الفقه هي التي يقتدر بها الإنسان على أن يستنبط تقدير شيء مما لم يصرِّح واضع الشريعة بتحديده على الأشياء التي صرح فيها بالتحديد والتقدير، وأن يتحرَّى تصحيح ذلك حسب غرض واضع الشريعة بالعلة التي شرعها في الأمة التي لها شرع، وكل ملة فيها آراء وأفعال؛ فالآراء مثل الآراء التي تشرع في الله وفيما يوصف به، وفي العالم أو غير ذلك، والأفعال مثل الأفعال التي يعظم بها الله، والأفعال التي بها تكون المعاملات في المدن؛ فلذلك يكون علم الفقه جزأين: جزء في الآراء، وجزء في الأفعال.

وكلام الفارابي هذا غير مسلَّم به على إطلاقه؛ لأنه يُفهم منه أن «علم الفقه» يشتمل على نوعين من البحث؛ أولهما: «علم الفقه» نفسه، والثاني: «علم العقائد». وقد يمكن قبول هذا التعميم خصوصًا، وقد ذهب إليه غير الفارابي كالحاج خليفة في كشف الظنون. وأما الذي لا يمكن قبوله فهو جعْله «علم العقائد» من العلوم التي يدخلها القياس؛ فهذا قول غريب لم يقُل به أحد غيره، ولا يقبله المنطق الديني السليم؛ لأن العقائد لا تثبت بالقياس والاستدلال، بل لا بدَّ فيها من ورود نصوص شرعية تثبتها وتدل عليها.

هذه هي أصناف العلوم على ما ارْتَآه الفارابي، وهذا هو تقسيم العلوم الإنسانية في نظره كما قرَّره في رسالته «إحصاء العلوم» وكتابه «التنبيه على سبيل السعادة»، والظاهر أن هذا التقسيم قد اتبعه مِن بعده أكثر الفلاسفة والمربين الذين كتبوا في تصنيف العلوم، وقد اتَّبعوا هذا التقسيم لسهولته وانتظامه، ولعلَّ أفضل مَن بحث في هذا الأمر من العلماء المتأخرين ودقَّق فيه وأجاد في تفريعه وتقسيمه؛ العلَّامة المولى أحمد بن مصطفى طاش كبري زاده ، فقد أفاض فيه وقسَّم العلوم تقسيمًا آخر حيث يقول:

الكتابة، والعبارة، والأذهان، والأعيان

اعلم أن للأشياء وجودًا في أربع مراتب؛ في الكتابة، والعبارة، والأذهان، والأعيان. وكل سابق منها وسيلة إلى اللاحق؛ لأن «الخط» دال على «الألفاظ» وهذه على ما في «الأذهان» وهذا على ما في «الأعيان». ولا يخفى أن الوجود العيني هو الوجود الحقيقي الأصيل، وفي الوجود الذهني خلاف في أنه حقيقي أو مجازي، أما الأولان فمجازيان قطعًا. ثم العلم المتعلق بالثلاث «آلي» البتة، وأما التعلق بالأعيان فإما «عملي» لا يُقصد به حصول نفسه بل غيرها، وإما «نظري» يُقصد به حصول نفسه فقط؛ ثم كلٌّ منهما إما أن يبحث فيه من حيث إنه مأخوذ من الشرع فهو «العلم الشرعي»، أو من حيث إنه مقتضى العقل فهو «العلم الحكمي»؛ فهذه الأصول السبعة، ولكلٍّ منها أنواع ولأنواعها فروع، يبلغ العلم على ما اجتهدنا في الفحص والتنقير عنه بحسب موضوعاته وأساميه وتتبع ما وقع فيه من المصنفات إلى مائة وخمسين نوعًا، ولعلي سأزيد عليه، ولا نريد ها هنا أن نعدد أنواع العلوم التي أوصلها إلى ثلاثمائة وستة عشر علمًا، وإنما نريد أن نبيِّن الأصول السبعة التي أشار إليها، وقد قسمها إلى دوحات سبع:

تصنيف العلوم عند العرب

  • فالدوحة الأولى: في العلوم الخطية.
  • والدوحة الثانية: في العلوم اللفظية؛ المفردات والمركبات.
  • والدوحة الثالثة: في علوم باحثة عما في الأذهان من المنطق والجدل والخلاف.
  • والدوحة الرابعة: في علوم باحثة عما في الأعيان من العلم الإلهي، والطبيعي، والرياضي.
  • والدوحة الخامسة: في علوم باحثة عن الحكمة العملية من علم الأخلاق وتدبير المنزل والمدينة.
  • والدوحة السادسة: في علوم باحثة عن الشريعة من قرآن وحديث وتفسير وأصول وفقه.

وقد استوفى إحصاء العلوم وتعدادها وترتيبها أحسن استيفاء، وذكر في كل علم مشهور كُتبه وأئمة مؤلفيه مع الدقة الفائقة، والترتيب المنطقي الجميل، والإحصاء الصحيح، وبخاصةٍ علوم العرب والإسلام.

القرن الأول

ولا ريب في أن هذه العلوم قد دُرست في عصور الإسلام الخمسة الأولى دراسات مختلفة بحسب طبيعة الزمان والمكان والظروف؛ ففي القرن الأول كانت عناية الناس بعلوم الدوحتين السادسة والسابعة؛ أعني علوم الدين من قرآن وحديث وتفسير وفقه، كما كان لهم بعض اهتمام بعلوم الدوحتين الأولى والثانية؛ أعني علوم الخط والكتابة والإملاء والمفردات، مع قليل من علوم الدوحة الرابعة كبعض فروع العلم الطبيعي والعلم الرياضي.

القرن الثاني

وفي القرن الثاني عُني الناس بعلوم الدوحة الأولى والثانية والرابعة والخامسة والسادسة، وكان اهتمام خلفاء بني أمية في آخر عهدهم وخلفاء بني العباس في أول عهدهم حتى عصر الخليفة الهادي؛ اهتمامًا ضيقًا بعلوم هذه الدوحات التي أشرنا إليها. كما أن التأليف في علوم هذه الدوحات لم يكن شيئًا مذكورًا حاشا الدوحتين الثانية والسادسة.

القرن الثالث والرابع

وفي القرن الثالث والرابع عُني الناس بعلوم جميع الدوحات، ونشطت همم الناس إلى علوم الدوحات الثالثة والرابعة والخامسة، وهي علوم المنطق والجدل والإلهيات والطبيعيات والرياضيات، وعلوم الحكمة العملية، كما أن علوم الدوحتين الثانية والسادسة؛ أعني علوم المفردات والمركبات وعلوم الشريعة، قد اهتم المؤلفون بها اهتمامًا ملموسًا، وأُلفت فيها كُتب المراجع والأمهات والبحوث القيِّمة.

القرن الخامس

  • وفي القرن الخامس وما بعده ارتقت علوم الدوحات كلها وكثرت فيها التآليف والبحوث ما خلا بعض علوم الدوحة الرابعة؛ أعني علم الإلهيات والطبيعيات، فإنها قد اعتورها بعض الانحطاط لانصراف الناس عنها إلى علوم اللغة والدين، ولمحاربة بعض الأمراء ورجال الدين إياها في المشرق وبلاد الأندلس والمغرب بصورة خاصة؛ فالمدرسة النظامية ببغداد والمدارس النظامية الأخرى في العواصم الإسلامية كانت لا تهتم بغير علوم العربية والدين، وأما العلوم الفلسفية والطبيعية والإلهية فإنها كانت تكون في الدرجة الرابعة والخامسة، وربما كانوا لا يهتمون بها أصلًا. وكذلك كان الحال في المعاهد الأخرى التي شُيدت بعد النظاميات وعلى غرارها في عواصم العالم الإسلامي، ولم يبقَ لعلوم الفلسفة والحكمة ما كان لها من شأن في عهد دار الحكمة ببغداد ودار العلم بالقاهرة، اللهم إلا دراسات الطب وما إليه، كالذي رأيناه في البيمارستانات معاهد الطب.
مقالات قد تعجبك:

تصنيف العلوم عند العرب كتاب: التربية والتعليم في الإسلام تأليف: محمد أسعد طلس
لتحميل الكتاب من الموقع الرسمي لمؤسسة هنداوي من هنا

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: Content is protected !!
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock