معلومات

بحث عن أخلاقيات المعلومات بصفتها أخلاقيات موسعة

إحدى الطرق المباشرة في التعريف بأخلاقيات المعلومات بصفتها منهاجًا عامًّا في تناول الموضوعات الأخلاقية هي مقارنتها بالأخلاقيات البيئية. تعتمد الأخلاقيات البيئية في تحليلها للوضع الأخلاقي للكيانات والنظم البيئية البيولوجية على القيمة الجوهرية «للحياة»، وعلى القيمة السلبية الجوهرية «للمعاناة». إنها طريقة تعظم من أهمية دور الكائنات الحية الأخرى بخلاف الإنسان، وتسعى إلى تطوير أخلاقيات تهتم بالكائنات المفعول بها، وقد لا يكون هذا «المفعول به» بشرًا فقط بل أي شكل من أشكال الحياة. في حقيقة الأمر، تمتد أخلاقيات الأرض في مفهومها عن المفعول به ليشمل أي مكون للبيئة، ومن ثَمَّ تقترب أكثر من المنهج الذي تدعمه أخلاقيات المعلومات. يتمتع أي شكل من أشكال الحياة ببعض الخصائص الأساسية أو المصالح الأخلاقية التي تستأهل وتتطلب الاحترام، على الأقل وفق الحد الأدنى، ونسبيًّا — أي وفق معنًى يمكن تجاوزه — عند مقارنتها بالمصالح الأخرى. لذا، تشير الأخلاقيات التي تُعظم من أهمية الكائنات الحية الأخرى إلى أن طبيعة وسلامة المفعول به (المتلقي) في أي عمل تشكِّل (على الأقل جزئيًّا) موقفه الأخلاقي، وأن الموقف الأخلاقي يؤثر تأثيرًا كبيرًا على الفاعل المتفاعل. يجب أن تسهم هذه الادِّعاءات من حيث المبدأ في توجيه القرارات الأخلاقية للعامل الفاعل وفي تقييد السلوك الأخلاقي له. يقع «مُتلقي» العمل، أو المفعول به، في القلب من الخطاب الأخلاقي، باعتباره مركزًا للاهتمام الأخلاقي، بينما ينتقل «ناقل» أي عمل أخلاقي — أو الفاعل — إلى هامشه.

 

تمثِّل أخلاقيات المعلومات

أخلاقيات المعلومات
أخلاقيات المعلومات
الآن ضع كلمة «الوجود» محل كلمة «الحياة» وسيصبح جليًّا ما تعنيه أخلاقيات المعلومات. تمثِّل أخلاقيات المعلومات أخلاقيات بيئية تتمحور حول المتلقي لكنها تجعل «التمحور حول الوجود» يحل محل «التمحور حول الكائنات الحية». تشير أخلاقيات المعلومات إلى أن ثمة شيئًا أكثر جوهرية من الحياة، ألا وهو «الوجود»؛ أي وجود وازدهار جميع الكيانات وبيئتها العالمية، بل ثمة شيء أكثر جوهرية من المعاناة؛ ألا وهو تحديدًا «الإنتروبي». الإنتروبي هنا ليس مفهومَ الإنتروبي الحراري الذي جرت مناقشته في (الفصل الخامس لقراءة الموضوع)، بمعنى مستوى الاختلاط في أحد النُّظم. بل يشير الإنتروبي هنا إلى أي نوع من «دمار»، و«فساد»، و«تلوث»، و«نضوب» الأشياء المعلوماتية (العقل، وليس فقط المعلومات بصفتها محتوًى دلاليًّا). بعبارة أخرى: أي شكل من أشكال إفقار الواقع. توفِّر أخلاقيات المعلومات إذن مفردات مشتركة لفهم عالم «الوجود» بأسره معلوماتيًّا. يشير مفهوم أخلاقيات المعلومات إلى أن «الوجود»/المعلومات يحظى بقيمة جوهرية. تدعم أخلاقيات المعلومات هذا الموقف من خلال إدراك أن أي كيان معلوماتي لديه حق الاستمرار على حالته، وحق الازدهار، بمعنى تحسين وإثراء وجوده وجوهره. بناءً على هذه «الحقوق»، تقيِّم أخلاقيات المعلومات واجب أي فاعل أخلاقي في إطار المساهمة في نمو «الحيز المعلوماتي»، وأي عملية، أو عمل، أو حدث يؤثر سلبًا على الحيز المعلوماتي بأسره — ليس مجرد الكيان المعلوماتي — في صورة زيادة في مستوى الإنتروبي به، ومن ثَمَّ حالة من الشر.

في أخلاقيات المعلومات، يتعلق الخطاب الأخلاقي بأي كيان معلوماتي. بعبارة أخرى: ليس فقط بجميع الأشخاص، وثقافتهم، ورخاءهم، وبالتفاعلات الاجتماعية، وليس فقط بالحيوانات، والنباتات، وحياتها الطبيعية المناسبة، بل أيضًا بأي شي موجود — من اللوحات والكتب إلى النجوم والأحجار — وأي شيء قد يوجد أو سيوجد، مثل الأجيال القادمة، وأي شيء كان موجودًا ولم يعد كذلك، مثل الأسلاف أو الحضارات القديمة. إن أخلاقيات المعلومات تتسم بالموضوعية والعمومية؛ نظرًا لأنها تستكمل عملية التوسُّع في مفهوم ما يمكن اعتباره مركزًا (مهما كان ضئيلًا) لأي ادِّعاء أخلاقي استكمالًا تامًّا، وهو ما يشمل حاليًّا جميع أمثلة «الوجود» من الناحية المعلوماتية، سواء جرى تنفيذها ماديًّا أو لا. في هذا المقام، تشير أخلاقيات المعلومات إلى أن كل كيان، بوصفه تعبيرًا عن «الوجود»، له كرامة، يشكِّلها نمط وجوده وجوهره (مجموع الخصائص الأساسية كافة التي تشكل هذا الكيان وتجعله ما هو عليه)، ويستأهل الاحترام (على الأقل في الحد الأدنى وفيما يمكن التغاضي عنه)؛ ومن ثَمَّ تحمِّل أخلاقيات المعلومات الفاعل المتفاعل ادِّعاءات أخلاقية، ويجب أن تسهم في تقييد قراراته وسلوكه الأخلاقي وتوجيهها. يشير «مبدأ المساواة الوجودي» هذا إلى أن أي شكل من أشكال الواقع (أي مثال من أمثلة المعلومات/«الوجود»)، لمجرد كونه ما هو عليه، يحظى بحق أدنى، مبدئي، مهم في الوجود وفي التطور على نحو يلائم طبيعته. يفترض الإدراك الواعي لمبدأ المساواة الوجودية افتراضًا مسبقًا توافُرَ حكم موضوعي للموقف الأخلاقي من منظور موضوعي، بمعنى أنه منظور غير متمحوِر حول الإنسان كأهم كائن في الكون قدر الإمكان، وبدون توافر هذة القيمة المعرفية يصبح السلوك الأخلاقي أقل احتمالًا في حدوثه. يتحقق تطبيق مبدأ المساواة الوجودية، متى كانت الأفعال موضوعية، وعامة، و«مراعيةً للآخر». يكمن في أصول هذا المنهج «الثقة الوجودية» التي تجمع العوامل الفاعلة والمفعول بها معًا. تتمثل إحدى الطرق المباشرة لتوضيح مفهوم الثقة الوجودية في عقد مقارنة مع مفهوم «العقد الاجتماعي».

تشير الأشكال المتنوعة من التعاقدية (في علم الأخلاق) والعقدية (في الفلسفة السياسية) إلى أن الالتزام الأخلاقي، أو واجب الولاء السياسي، أو عدالة المؤسسات الاجتماعية، تكتسب دعمها من خلال ما يُطلق عليه «العقد الاجتماعي». وقد يكون العقد الاجتماعي اتفاقية افتراضية بين الأطراف التي تشكِّل المجتمع (مثلًا: بين الشعب والحاكم، أو بين أعضاء جماعة ما، أو بين الفرد والدولة). يتفق الأطراف على قبول شروط العقد ومن ثَمَّ يحصلون على بعض الحقوق في مقابل بعض الحريات التي — زعمًا — سينالونها في حالة افتراضية للطبيعة. تمثل الحقوق والمسئوليات للأطراف المشاركة في الاتفاق شروط العقد الاجتماعي، بينما يمثل المجتمع، الدولة، الجماعة … إلخ، الكيانَ الذي جرى إنشاؤه بغرض تفعيل الاتفاقية. لا تثبُت الحقوق والحريات بل قد تتغير، وذلك بناءً على تفسير العقد الاجتماعي.

تميل تفسيرات نظرية العقد الاجتماعي إلى أن تتمحور حول الإنسان بوصفه الكائن الأهم (عن غير وعي عادةً) بصورة كبيرة (يتمثل التركيز على العوامل الفاعلة العقلانية البشرية) والتشديد على الطبيعة القسرية للاتفاق. بينما لا يعتبر هذان الملمحان من سمات مفهوم الثقة الوجودية، إلا أن الفكرة الأساسية للاتفاق الأساسي بين الأطراف باعتباره أساسًا للتفاعلات الأخلاقية يمكن إدراكها. في حالة الثقة الوجودية، يتحول الاتفاق إلى «ميثاق» افتراضي بالكامل، بدائي، يسبق منطقيًّا العقد الاجتماعي، الذي لا تملك جميع العوامل الفاعلة إلا التوقيع عليه عند قدومهم إلى الوجود، وهو الاتفاق الذي يتجدد باستمرار في الأجيال اللاحقة.

في النظام القانوني الإنجليزي، تمثل الثقة كيانًا يمتلك فيه أحد الأشخاص (الموثوق فيه) ويدير الأصول السابقة لشخص (مانح الثقة، أو المانح) لصالح أشخاص أو كيانات محددة (المستفيدين). بصيغة أكثر تحديدًا، الأصول ليست ملكًا لأحد، بما أن مانح الثقة تبرَّع بها، والشخص الموثوق به له حق الملكية القانونية فقط، ولا يمتلك المستفيد سوى حق ملكية مساوٍ لذلك. والآن، يمكن استخدام الشكل المنطقي لهذا الاتفاق لنمذجة الثقة الوجودية، على النحو التالي:

  • يمثل العالم الأصول أو «الذخيرة»، بما في ذلك العوامل الفاعلة والمرضى الحاليين.
  • يمثل المانحون جميعهم «أجيالًا» ماضية وحالية من العوامل الفاعلة.
  • يمثل الأشخاص الموثوق فيهم جميعهم عوامل فاعلةً «فردية» حالية.
  • يمثل المستفيدون جميعهم العوامل الفاعلة والمفعول بها من «الأفراد» الحاليين والقادمين.

مع مجيئه إلى الوجود، يصبح العامل الفاعل ممكنًا، وذلك بفضل وجود الكيانات الأخرى. يصبح العامل الفاعل إذن مقيدًا بكل ما هو موجود فعليًّا، «قسرًا» و«حتميًّا» بل و«رعايةً» أيضًا: «قسرًا»؛ نظرًا لأنه لا يوجد شخص يأتي إلى الوجود طوعًا، على الرغم من أن كل شخص يستطيع — نظريًّا — الخروج طوعًا من الوجود. «حتميًّا»؛ نظرًا لأن الرابط الوجودي قد ينفرط عن طريق العامل الفاعل على حساب عدم الاستمرار في الوجود باعتباره عاملًا فاعلًا. رغم أن الحياة الأخلاقية لا تبدأ من خلال أحد أفعال الحرية، إلا أنه من الممكن أن تنتهي بها. أما جزئية الرعاية، فتتأتى نظرًا لأن المشاركة في الواقع عن طريق أي كيان، بما في ذلك أي فاعل — أي يعتبر أي كيان تعبيرًا لما هو موجود — يوفر الحق في الوجود ويمثل دعوة (لا واجب) لاحترام ورعاية الكيانات الأخرى. لا يتضمن الاتفاق إذن أي قسر، بل علاقة تبادلية من التقدير والعرفان والرعاية، والتي يدعمها الإدراك المتمثل في اعتماد جميع الكيانات على بعضها. يبدأ الوجود من خلال هبة، حتى وإن كانت هبة غير مرغوب بها. يصبح الجنين مستفيدًا فقط من العالم في البداية. بمجرد ميلاده وصيرورته إلى فاعل أخلاقي كامل، سيصبح الجنين مستفيدًا وشخصًا موثوقًا فيه في العالم. سيكون الجنين مسئولًا عن العناية بالعالم، وطالما كان عضوًا في جيل العوامل الفاعلة الحية سيكون مانحًا أيضًا للعالم. بمجرد موته، يترك العامل الفاعل العالم لعوامل فاعلة أخرى من بعده ومن ثَمَّ يصبح عضوًا في جيل المانحين. اختصارًا، تصبح حياة العامل الفاعل الإنساني رحلة من كونه مستفيدًا فقط إلى كونه مانحًا فقط، مارًّا عبر مرحلة كونه عاملًا فاعلًا مسئولًا موثوقًا به في العالم. بينما نبدأ حياتنا العملية كعوامل فاعلة أخلاقية باعتبارنا غرباء عن العالم، يجب أن تنتهي حياتنا العملية باعتبارنا أصدقاء له.

بالتأكيد ستختلف الالتزامات والمسئوليات التي تفرضها الثقة الوجودية بناءً على الظروف، ولكن التوقع هنا — بصورة أساسية — هو أنه سيجري اتخاذ الأفعال أو تجنُّبها في ضوء رفاهة العالم بأسره.

لا يمكن المبالغة في تقدير الأهمية البالغة للتغيير الجذري في المنظور الوجودي. تفشل الأخلاقيات البيولوجية والأخلاقية البيئية في تحقيق مستوى من الموضوعية الكاملة؛ نظرًا لأنها لا تزال متحيزة ضد الكيانات غير العاقلة، والكيانات التي لا حياة فيها، والكيانات غير الملموسة، والكيانات المجردة (حتى الأخلاقيات الأرضية تعتبر منحازة ضد التكنولوجيا والأشياء المصطنعة، على سبيل المثال). من منظورها، يستحق كل ما هو حي بداهةً اعتباره مركزًا ملائمًا للادعاءات الأخلاقية، مهما كانت ضئيلة؛ لذا يفوتها عالم بأسره. يعتبر هذا الآن هو الحد الأساسي الذي تتجاوزه أخلاقيات المعلومات، وهو ما يخفض أكثر من الحد الأدنى الذي يجب تحقيقه، من أجل اعتباره مركزًا للاهتمام الأخلاقي، وصولًا إلى العامل المشترك الذي يشترك فيه أي كيان، ألا وهو حالته المعلوماتية. وبما أن أي شكل من أشكال «الوجود» يعتبر في أي حالة أيضًا كيانًا متماسكًا من المعلومات، فإن القول بأن أخلاقيات المعلومات تتمحور حول المعلومات، يساوي تفسيرها، على نحو صحيح، كنظرية ترتكز على الوجودية.

تتمثل النتيجة إذن في أن جميع الكيانات — «باعتبارها» أشياء معلوماتية — تحظى بقيمة أخلاقية جوهرية، على الرغم من كونها قيمة ضئيلة وقابلة للإبطال؛ ومن ثَمَّ يمكن اعتبارها عوامل أخلاقية مفعولًا بها، تحظى ولو بالنزر اليسير بدرجة من الاحترام الأخلاقي تفهم كاهتمام «منزَّه عن الأغراض»، «تقديري»، و«يتسم بالرعاية». مثلما أشار الفيلسوف أرني نيس (١٩١٢–٢٠٠٩): «تتمتع جميع الأشياء في المحيط الحيوي بحق متساوٍ في الحياة والازدهار.» يبدو أنه ليس ثمة سبب وجيه في عدم تبنِّي منظور أعلى، أكثر شمولًا، ومتمحورًا حول الوجود. تحظى فيه الجمادات إضافة إلى الأشياء المثالية، والأشياء غير الملموسة، والأشياء الفكرية بدرجة دنيا من القيمة الأخلاقية، مهما كانت ضآلتها، وهو ما يستوجب احترامها.

خطابات ألبرت أينشتاين – أخلاقيات المعلومات

هناك فقرة مشهورة في أحد خطابات ألبرت أينشتاين، تلخص جيدًا هذا المنظور الوجودي الذي تدعمه أخلاقيات المعلومات. قبل سنوات قليلة من وفاته، تلقى أينشتاين خطابًا من فتاة تبلغ من العمر ١٩ عامًا تتأسى فيه على فقدان أختها الصغرى. كانت الفتاة ترغب في معرفة ما إذا كان العالِم المشهور لديه ما يقوله ليواسيها. في ٤ مارس ١٩٥٠ أجابها أينشتاين قائلًا:

يعتبر الإنسان جزءًا من الكل الذي نطلق عليه «الكون»، جزءًا محدودًا في الزمان والمكان. يفكر الإنسان في نفسه، أفكاره ومشاعره، باعتبارها شيئًا منفصلًا عن باقي الأشياء، نوع من الضلالات البصرية لوعيه. تعتبر هذه الضلالة نوعًا من السجن لنا، يحصرنا في رغباتنا الشخصية وفي ودِّنا نحو أشخاص قليلين قريبين منَّا. يجب أن تكون مهمتنا هي تحرير أنفسنا من سجننا من خلال توسيع دائرة تعاطُفنا لتشمل الإنسانية جمعاء والطبيعة بأسرها بجمالها. ورغم أنه لا يستطيع أحد تحقيق هذا بالكامل، فإن بذل الجهد من أجل تحقيق ذلك في حدِّ ذاته هو جزء من عملية التحرر وأساس للأمن الداخلي.

دفع علماء البيئة العميقة بأن الجمادات أيضًا قد تنطوي على قيمة جوهرية؛ ففي مقال مشهور، تساءل المؤرخ لين تاونسند وايت الابن (١٩٠٧–١٩٨٧):

هل لدى الناس التزامات أخلاقية تجاه الصخور؟ [وأجاب على ذلك] بالنسبة إلى جميع الأمريكيين تقريبًا، ممن لا يزالون متشبعين بالأفكار السائدة تاريخيًّا في المسيحية … ليس للسؤال أي معنًى على الإطلاق. فإذا حان الوقت الذي لا يصبح فيه سؤالٌ مثل هذا مثيرًا للسخرية، فربما سنكون على مشارف تغيير في بِنى القيمة التي توفر إجراءات ممكنة للتعامل مع الأزمة البيئية المتزايدة. يأمل المرء في أن يكون هناك مزيد من الوقت المتبقي لذلك.

وفقا لأخلاقيات المعلومات، هذا هو المنظور البيئي الصحيح، وهو يعتبر منطقيًّا للغاية بالنسبة إلى أي معتقدات دينية أو روحية (بما في ذلك المعتقدات اليهودية-المسيحية) التي تعتبر الكون بأسره خلقًا إلهيًّا، يسكنه الإله، ويُعد هبة للإنسانية، وهو الكون الذي يجب على الإنسانية أن تعتني به. تترجم أخلاقيات المعلومات كل هذا إلى مصطلحات معلوماتية. إذا كان ثمة شيء يمكن أن يكون عاملًا أخلاقيًّا مفعولًا به أو متلقيًا، فيمكن إذن أخذ طبيعته في الاعتبار من قبل أي فاعل أخلاقي «أ»، ويسهم هذا المتلقي في تشكيل أفعال «أ»، مهما صَغُرت. وإذا وضعنا ذلك في صيغة أكثر ميتافيزيقية، فإن أخلاقيات المعلومات تدفع بأن جميع جوانب وأمثلة «الوجود» تستأهل شكلًا مبدئيًّا، ربما كحد أدنى وبما يمكن التغاضي عنه، من أشكال الاحترام الأخلاقي.

إن للتوسع في مفهوم ما قد يُعَدُّ مركزًا للاحترام الأخلاقي ميزة تتمثل في تمكين المرء من فهم الطبيعة الابتكارية لتكنولوجيات المعلومات والاتصال، باعتبارها توفر إطارًا مفهوميًّا قويًّا وجديدًا. كما أنه يمكِّن المرء من التعامل مع السمة الأصلية لبعض موضوعاته الأخلاقية على نحو مُرضٍ، من خلال تناول هذه الموضوعات من منظور قوي نظريًّا. بمرور الوقت، انتقل علم الأخلاق بثبات من مفهوم ضيِّق إلى مفهوم أكثر شمولًا لما يمكن أن يُعد مركزًا للقيمة الأخلاقية، من المواطن إلى المحيط الحيوي. إن ظهور عالم المعلومات، باعتباره بيئة أثينية جديدة يقضي فيها البشر معظم حياتهم، يفسِّر الحاجة إلى التوسُّع أكثر في مفهوم ما قد يُعد طرفًا أخلاقيًّا مفعولًا به أو متلقيًا. وبناءً عليه، تمثل أخلاقيات المعلومات التطور الأكثر حداثة في هذا الاتجاه المسكوني، ومنهاجًا بيئيًّا دون تحيُّز مُنْصَبٍّ حول الكائنات الحية. فهي تترجم الأخلاقيات البيئية إذن في إطار كيانات الحيز المعلوماتي والكيانات المعلوماتية؛ إذ لا تقتصر المساحة التي نشغلها على الأرض فقط.

 

بحث عن أخلاقيات المعلومات – المعلومات مقدمة قصيرة جدًّا

تأليف: لوتشانو فلوريدي – ترجمة: محمد سعد طنطاوي – مراجعة: علا عبد الفتاح يس – مؤسسة هنداوي

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: Content is protected !!
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock