المعلقات العشر
المعلقات العشر

المعلقات العشر أو القصائد العشر الطوال

مع بيان أنساب قائليها واختلاف الروايات ونسبتها لرواتها والكلام على غريب ما في ذلك من اللغة وما يحتاجه القارئون من المسائل النحوية من صنيع الأديب الشيخ أحمد بن الأمين الشنقيطي رحمه الله.

 

المعلقات العشر المعلقة الأولى لامرئ القيس

لامرئ القيس بن حُجُر بن الحارث بن عمرو وهو المقصور ابن حُجْر، وهو آكل المُرار ابن عمرو بن معاوية بن الحارث بن معاوية بن الحارث بن معاوية بن ثور بن مُرتِع الكندي، وهي:

قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل
بسقط اللوى بين الدَّخول فحومل
فتوضح فالمقراة لم يعف رسمها
لما نسجتها من جنوبٍ وشمأل
ترى بعر الأرآم في عرصاتها
وقيعانها كأنه حبُّ فلفل
كأني غداة البين يوم تحمَّلوا
لدى سمُرات الحيِّ ناقفُ حنظل
وقوفًا بها صحبى عليَّ مطيهم
يقولون لا تهلك أَسًى وتجمل
وإن شفائي عَبرةٌ مهراقةٌ
فهل عند رسمٍ دارسٍ من معول
كدأبك من أمِّ الحويرث قبلها
وجارتها أُمِّ الرباب بمأسل
إذا قامتا تضوَّع المسك منهما
نسيم الصبا جاءت بريا القرنفل
ففاضت دموع العين مني صبابةً
على النَّحر حتى بلَّ دمعي محملي
ألا رُبَّ يومٍ لك منهن صالحٍ
ولا سيَّما يومٍ بدارة جلجل
ويوم عقرت للعذارى مطيَّتي
فيا عجبًا من كورها المتحمل
فظل العذارى يرتمين بلحمها
وشحم كهدَّاب الدِّمقس المفتَّل
ويوم دخلت الخدر خدر عنيزةٍ
فقالت لك الويلات إنك مرجلي
تقول وقد مال الغبيط بنا معًا
عقرت بعيري يا امرأ القيس فانزل
فقلت لها سيري وأرخي زمامه
ولا تبعديني من جناك المعلل
فمثلك حُبلى قد طرقتُ ومُرضِعٍ
فألهيتها عن ذي تمائم مُحوِل
إذا ما بكى من خلفها انصرفت له
بشقٍّ وتحتي شقُّها لم يحوَّل
ويومًا على ظهر الكثيب تعذرت
عليَّ وآلت حلفةً لم تحلِّل
أفاطم مهلًا بعض هذا التدلل
وإن كنت قد أزمعت صرمي فأجملي
وإن تك قد ساءتك مني خليقةٌ
فسُلِّي ثيابي من ثيابك تنسل
أغرَّك مني أن حُبَّك قاتلي
وأنك مهما تأمري القلب يفعل
وما ذرفت عيناك إلَّا لتضربي
بسهميك في أعشار قلبٍ مقتَّل
وبيضة خدرٍ لا يرام خباؤها
تمتَّعت من لهوٍ بها غير معجل
تجاوزت أحراسًا إليها ومعشرًا
عليَّ حراصًا لو يسرُّون مقتلي
إذا ما الثريا في السماء تعرضت
تعرُّض أثناء الوشاح المفصَّل
فجئت وقد نضت لنوم ثيابها
لدى الستر إلا لبسة المتفضِّل
فقالت يمين الله ما لك حيلةٌ
وما إن أرى عنك الغواية تنجلي
خرجت بها تمشي تجرُّ وراءنا
على أثرينا ذيل مرطٍ مرحَّل
فلما أجزنا ساحة الحيِّ وانتحى
بنا بطن خبتٍ ذي حقافٍ عقنقل
هصرت بفَوْدَي رأسها فتمايلت
عليَّ هضيم الكشح ريَّا المخلخل
مهفهفةٌ بيضاء غير مفاضةٍ
ترائبها مصقولةٌ كالسجنجل
كبكر المقاناة البياض بصفرةٍ
غذاها نمير الماء غير المحلَّل
تصدُّ وتبدي عن أسيل وتتقي
بناظرةٍ من وحشٍ وجرة مطفل
وجيدٍ كجيد الرئم ليس بفاحشٍ
إذا هي نصَّته ولا بمعطَّل
وفرع يزين المتن أسود فاحمٍ
أثيثٍ كقنو النخلة المتعثكل
غدائره مستشزراتٌ إلى العلا
تضل العقاص في مثنى ومرسل
وكشح لطيفٍ كالجديل مخصَّرٍ
وساقٍ كأنبوب السقيِّ المذلل
وتُضحي فتيت المسلك فوق فراشها
نئوم الضحى لم تنتطق عن تفضل
وتعطو برخصٍ غير شثن كأنه
أساريع ظبيٍ أو مساويك إسحل
تضيء الظلام بالعشاء كأنها
منارة ممسى راهبٍ متبتل
إلى مثلها يرنو الحليم صبابةً
إذا ما اسْبَكَرَّتْ بين دِرْعٍ ومِجْوَلِ
تسلَّت عمايات الرجال عن الصبا
وليس فؤادي عن هواك بمنسل
ألا ربَّ خصمٍ فيك ألوى رددته
نصيحٍ على تعذاله غير مؤتل
وليل كموج البحر أرخى سدوله
عليَّ بأنواع الهموم ليبتلي
فقلت له لما تمطَّى بصلبه
وأردف أعجازًا وناء بكلكل
ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي
بصبحٍ وما الإصباح منك بأمثل
فيا لك من ليلٍ كأن نجومه
بكل مغار الفتل شدَّت بيذبل
كأنَّ الثريَّا علِّقت في مصامها
بأمراس كَتَّانٍ إلى صُمِّ جَنْدَلِ
وقربة أقوامٍ جعلت عصامها
على كاهلٍ منِّي ذلولٍ مرحَّل
ووادٍ كجوف العير قفرٍ قطعته
به الذئب يعوي كالخليع المعيَّل
فقلت له لمَّا عوى إنَّ شأننا
قليل الغنى إن كنت لمَّا تموَّل
كلانا إذا ما نال شيئًا أفاته
ومن يحترث حرثي وحرثك يهزل
وقد أغتدي والطير في وكُناتها
بمنجردٍ قيد الأوابد هيكل
مكرٍّ مفرِّ مقبلٍ مدبرٍ معًا
كجلمود صخر حطَّه السيل من عل
كُميتٍ يزلُّ اللِّبد عن حال متنه
كما زلت الصفواء بالمتنزَّل
على الذَّبل جيَّاشٍ كأن اهتزامه
إذا جاش فيه حميه غلي مرجل
مسحٍّ إذا ما السَّابحات على الونى
أثرن الغبار بالكديد المركَّل
يزلُّ الغلام الخفُّ عن صهواته
ويلوي بأثواب العنيف المثقَّل
دَريرٍ كخَذروف الوليد أمرَّه
تتابُع كفيه بخيطٍ موصَّل
له أيطلَا ظبيٍ وساقَا نعامةٍ
وإرخاء سرحانٍ وتقريب تتفُل
ضليع إذا استدبرتَه سدَّ فرجه
بضافٍ فويق الأرض ليس بأعزل
كأنَّ على المتنين منه إذا انتحى
مداك عروسٍ أو صلاية حنظل
كأن دماء الهاديات بنحره
عصارة حنَّاء بشيبٍ مرجل
فعنَّ لنا سربٌ كأنَّ نعاجه
عذارى دوارٍ في ملاءٍ مذيَّل
فأدبرن كالجزع المفصَّل بينه
بجيد معمٍّ في العشيرة مخوَل
فألحقنا بالهاديات ودونه
جواحرها في صرَّةٍ لم تزيل
فعادى عداءً بين ثورٍ ونعجة
دراكًا ولم ينضح بماءٍ فيغسل
فظلَّ طهاة اللحم من بين منضجٍ
صفيف شواءٍ أو قديرٍ معجل
ورحنا يكاد الطرف يقصر دونه
متى ما ترق العين فيه تسفل
فبات عليه سرجه ولجامه
وبات بعيني قائمًا غير مرسل
أصاحِ ترى برقًا أُريكَ وميضَه
كلمع اليدين في حبِيٍّ مكلل
يضيء سناه أو مصابيح راهبٍ
أمال السليط بالذُّبال المفتل
قعدت له وصحبتي بين ضارجٍ
وبين العذيب بعد ما متأمِّلي
على قَطنٍ بالشيم أيمن صوبه
وأيسره على الستَّار فيذبل
فأضحى يسحُّ الماء حول كتيفةٍ
يكبُّ على الأذقان دوح الكنهبل
ومرَّ على القنان من نفيانه
فأنزل منه العُصم من كلِّ منزل
وتيماء لم يترك بها جذع نخلةٍ
ولا أطمًا إلَّا مشيدًا بجندل
كأنَّ ثبيرًا في عرانين وبله
كبير أناسٍ في بجادٍ مزمل
كأنَّ ذرى رأس المجيمر غدوةً
من السيل والغثاء فلكة مغزل
وألقى بصحراء الغبيط بَعَاعَهُ
نزول اليماني ذي العياب المحمل
كأنَّ مكاكيَّ الجواء غُدية
صبحن سلافَا من رحيقٍ مُفلفلِ
كأنَّ السِّباع فيه غرقى عشيَّةً
بأرجائه القصوى أنابيش عُنصُل

المعلقة الثانية لطرفة بن العبد

لطرفة بن العبد البكري، وهو طرفة بن العبد بن سفيان بن سعد بن مالك بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة وهو الحصن بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل بن قاسط بن هنب بن دعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن مَعَدِّ بن عدنان، وهي:

لخولة أطلالٌ ببرقة ثهمد
تلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد
وقوفًا بها صحبى عليَّ مطيَّهم
يقولون لا تهلك أسًى وتجلد
كأنَّ حدوج المالكيَّة عدوةً
خلايا سفينٍ بالنَّواصف من دَدِ
عدوليَّةٌ أو من سفين ابن يامنٍ
يجور بها الملاح طورًا ويهتدي
يشقُّ حباب الماء حيزومُها بها
كما قسم الترب المفايل باليد
وفي الحيِّ أحوى ينفض المردَ شادن
مُظاهر سِمْطَى لؤلؤٍ وزبرجد
خذولٌ تراعي ربربًا بخميلةٍ
تناول أطراف البرير وترتدي
وتبسم عن ألمى كأن منوِّرًا
تخلل حرَّ الرمل دعصٍ له ند
سقته إياةُ الشَّمس إلا لثاته
أُسفَّ ولم تكدم عليه بإثمد
ووجهٌ كأن الشَّمس ألقت رداءها
عليه نقيُّ اللَّون لم يتخدَّد
وإني لأمضي الهمَّ عند احتضاره
بعوجاء مرقال تروح وتغتدي
أُمُونٍ كألواح الإران نصأتها
على لاحبٍ كأنه ظهر بُرجُد
جُماليةٍ وجناءَ تردي كأنها
سفنجةٌ تبري لأزعر أربد
تباري عتاقًا ناجياتٍ وأتبعت
وظيفًا وطيفًا فوق مورٍ معبَّد
تربَّعت القفَّيْن في الشَّول ترتعي
حدائق موليِّ الأسرَّة أغيد
تريع إلى صوت المهيب وتتقي
بذي خصلٍ روعات أكلف ملبد
كأن جناحي مِضرِحِيٍّ تكنفا
حِفافيه شُكَّا في العسيب بمسرد
فطورًا به خلف الزَّميل وتارةً
على حشفٍ كالشَّنِّ ذاوٍ مجدَّد
لها فخِذَان أكمل النَّحضُ فيهما
كأنهما بابَا منيفٍ ممرَّد
وطيُّ محالٍ كالحنيِّ خلوفه
وأجرنةٌ لزَّت بدأيٍ منضد
كان كناسي ضالة يكنفانها
وأطرَ قسيٍّ تحت صلب مؤيد
لها مرفقان أفتلان كأنها
تمرُّ بسلمى دالجٍ متشدِّد
كقنطرة الرُّوميِّ أقسم ربها
لتكتنفنَّ حتى تساد بقرمد
صهابية العثنون موجدة القرا
بعيدة وَخْدِ الرَّجل موَّارة اليد
أُمِرَّتْ يداها فتل شزرٍ وأُجنحت
لها عضداها في سقيفٍ مسند
جنوحٌ دقاقٌ عندلٌ ثم أفرعت
لها كتفاها في معالي مصعِّد
كأن علوتَ النسع في دأياتها
موارد من خلقاء في ظهر قردد
تلاقَى وأحيانًا تَبينُ كأنها
بنائق غرٌّ في قميصٍ مقدِّد
وأتلع نهاضٌ إذا صعَّدت به
كسكَّان بوصيٍّ بدجلة مصعد
وجمجمةٌ مثل العلاة كأنما
وَعَى الملتقى منها إلى حرف مبرد
وخدٌّ كقرطاس الشآمِي ومِشفرٌ
كَسَبْت اليماني قدُّه لم يُجرَّد
وعينان كالماويتين استكنَّتا
بكهفي حَجَاجَيْ صخرةٍ قلت مورد
طحوران عوَّار القذى فتراهما
كمكحولتي مذعورةٍ أُمِّ فرقد
وصادقتا سَمْعِ التَّوجُّس للسُّرى
لهجس حفيٍّ أو لصوتٍ مندَّد
مؤلَّلتان تعرف العتق فيهما
كسامعتي شاةٍ بحومل مفرد
وأروع نباضٌ أحذ ململمٌ
كمرداة صخرٍ في صفيحٍ مصمَّد
وأعلم مخروتٌ من الأنف مارن
عتيقٌ متى ترجُمْ به الأرض تَزْدَدِ
وإن شئت لم ترفل وإن شئت أرفلت
مخافة ملويٍّ من القدِّ محصد
وإن شئت سامَى واسط الكور رأسها
وعامت بضبعيها نجاء الخفَيدد
على مثلها أمضى إذا قال صاحبي
ألا ليتني أفديك منها وأفتدي
وجاشت إليه النفس خوفًا وخاله
مصابًا ولو أمسى على غير مرصد
إذا القوم قالوا من فتًى خلت أنَّني
عنيت فلم أكسلْ ولم أتبلد
أحلت عليها بالقطيع فأجذمت
وقد خبَّ آل الأمعز المتوقِّد
فذالت كما ذالت وليدة مجلسٍ
تُرَى ربَّها أذيال سحل ممدَّد
ولست بحلَّال التلاع مخافةً
ولكن متى يسترفد القوم أرفد
فإن تبغني في حلقة القوم تلقَنِي
وإن تلتمسني في الحوانيت تصطد
متى تأتني أصبحت كأسًا رويَّةً
وإن كنت عنها ذا غنًى فاغنَ واردَدِ
وإن يلتقي الحيُّ الجميع تلاقني
إلى ذروة البيت الشَّريف المصمَّد
نداماي بيضٌ كالنُّجوم وقَيْنةٌ
تروح إلينا بين بردٍ ومجسد
رحيبٌ قطاب الجيب منها رفيقةٌ
بجسِّ النَّدامى بضَّة المتجرِّد
إذا نحن قلنا أسمعينا انبرت لنا
على رِسلها مطروفةً لم تشدَّد
إذا رجَّعت في صوتها خلت صوتها
تجاوب أظآر على رُبَع رَدِ
وما زال تشرابي الخمور ولذَّتي
وبيعي وإنفاقي طريفي ومُتلِدي
إلى أن تحامتني العشيرة كلُّها
وأُفرِدْتُ إفراد البعير المعبِّد
رأيت بني غبراء لا ينكرونني
ولا أهل هذاك الطِّرَاف الممدَّد
ألا أيُّهذا الزَّاجري أَحْضُرُ الوغى
وأن أشهد اللذَّات هل أنت مخلدي
فإن كنت لا تسطيع دفع منيتي
فدعني أبادرها بما ملكت يدي
ولولا ثلاثٌ هنَّ من عيشة الفتى
وجدِّك لم أحفل متى قام عُوَّدي
فمنهنَّ سبقي العاذلات بشربةٍ
كميتٍ متى ما تُعْلَ بالماء تُزْبَد
وكرِّي إذا نادى المضاف مُجَنَّبًا
كَسيدِ الغضا نبَّهتْه المتورِّد
وتقصير يوم الدَّجن والدَّجنُ معجبٌ
ببهكنة تحت الخباء المعمِّد
كأنَّ البرين والدَّماليج علِّقت
على عشرٍ أو خروعٍ لم يخضَّد
كريمٌ يروِّي نفسه في حياته
ستعلم إن متنا غدًا أيُّنا الصَّدي
أرى قبر نحَّامٍ بخيلٍ بماله
كقبر عويٍّ في البطالة مفسد
ترى جثوتين من ترابٍ عليهما
صفائح صمُّ من صفيحٍ منضَّد
أرى الموت يعتام الكرام ويصطفي
عقيلة مال الفاحش المتشدِّد
أرى العيش كنزًا ناقصًا كلَّ ليلةٍ
وما تنقص الأيَّام والدَّهر ينفد
لعمرك إنَّ الموت ما أخطأ الفتى
لكالطُّول المرخى وثنياه باليد
متى ما يشأ يومًا يقده لحتفه
ومن يَكُ في حبل المنيَّة ينقد
فما لي أراني وابن عمِّي مالكًا
متى أدن منه يَنْأَ عني ويبعد
يلوم وما أدري علام يلومني
كما لامني في الحيِّ قرط بن أعبد
وأيأسني من كلِّ خيرٍ طلبته
كأنا وضعناه إلى رمس مُلحد
على غير شيءٍ قلته غير أنني
نشدت فلم أغفل حمولة معبد
وقرَّبت بالقربى وجدِّك إنَّه
متى يك أمرٌ للنَكيثة أشهد
وإن أُدْعَ للجِلَّى أكن من حماتها
وإن يأتك الأعداء بالجهد أجهد
وإن يقذفوا بالقذع عرضك أسقِهم
بشرب حياض الموت قبل التَّهدُّد
بلا حدثٍ أحدثته وكمحدَثٍ
هجائي وقذفي بالشَّكاة ومطردي
فلو كان مولاي امرأً هو غيره
لفرَّج كربي أو لأَنْظَرَنِي غدي
ولكنَّ مولاي امرؤٌ هو خانقي
على الشُّكر والتَّسآل وأنا مفتد
وظلمُ ذوي القربى أشدُّ مضاضةً
على المرء من وقع الحسام المهنَّد
فذرني وخلقي إنني لك شاكرٌ
ولو حلَّ بيتي نائيًا عند ضرغد
فلو شاء ربِّي كنتُ قيس بن خالدٍ
ولو شاء ربي كنت عمرو بن مرثد
فأصبحت ذا مال كثيرٍ وزارني
بنون كرامٌ سادةٌ لمسوَّد
أنا الرَّجل الضَّرب الذي تعرفونه
خشاشٌ كرَاسِ الحية المتوقد
فآليت لا ينفكُّ كشحي بطانةً
لعضبٍ رقيق الشَّفرتين مهنَّد
حسام إذا ما قمت منتصرًا به
كفى العَوْدَ منه البدء ليس بمعضد
أخي ثقةٍ لا ينثني عن ضريبةٍ
إذا قيل مهلًا قال حاجزه قدي
إذا ابتدر القوم السلاح وجدتني
منيعًا إذا بلَّت بقائمه يدي
وبركٍ هجودٍ قد أثارت مخافتي
نواديها أمشي بعضبٍ مجرَّدٍ
فمرَّت كهاةٌ ذات خيفٍ جلالةٌ
عقلية شيخٍ كالوبيل يلندد
يقول وقد ترَّ الوظيف وساقها
ألست ترى أن قد أتيت بمؤيد
وقال ألَا ماذا ترون بشاربٍ
شديدٍ علينا بغيُه متعمِّد
وقال ذروه إنما نفعها له
وإلَّا تكفُّوا قاصي البرك يزدد
فظلَّ الإماء يمتللن حَوَارها
ويُسعى علينا بالسديف المسرهد
فإن متُّ فانعيني بما أنا أهله
وشقِّي عليَّ الجيب يا ابنة معبد
ولا تجعليني كامرئٍ ليس همُّه
كهمِّي ولا يغني غنائي ومشهدي
بطيءٍ عن الجلَّى سريعٍ إلى الخنا
ذلولٍ بأجماع الرِّجال ملهَّد
فلو كنتُ وغلًا في الرِّجال لضرَّني
عداوة ذي الأصحاب والمتوحِّد
ولكنْ نَفَى عني الرِّجالَ جراءتي
عليهم وإقدامي وصدقي ومحتدي
لعمرك ما أمري عليَّ بغُمَّةٍ
نهاري ولا ليلي عليَّ بسرمد
ويوم حبست النَّفس عند عراكه
حفاظًا على عوراته والتَّهدُّد
على موطنٍ يخشى الفتى عنده الرَّدى
متى تعترك فيه الفرائص ترعد
وأصفر مضبوحٍ نظرت حواره
على النَّار واستودعته كفَّ مجمد
أرى الموت أعدادَ النُّفوس ولا أرى
بعيدًا غدًا ما أقرب اليوم من غد
ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلًا
ويأتيك بالأخبار من لم تزوِّد
ويأتيك بالأخبار من لم تَبِعْ له
بتاتًا ولم تضرب له وقت مَوْعِدِ

المعلقة الثالثة لزهير بن أبي سُلْمَى

وهي لزهير بن أبي سُلْمَى المزني، واسم أبي سُلْمَى: ربيعة بن رياح بن قرط بن الحارث بن مازن بن خلاوة بن ثعلبة بن ثور بن هدمة بن لاطم بن عثمان بن عمرو بن أُدَّ بن طابخة بن إلياس.

أمن أم أوفى دمنة لم تكلم
بحومانة الدَّرَّاج فالمتثلم
ودارٌ لها بالرقمتين كأنها
مراجيع وشمٍ في نواشر معصم
بها العين والأرآم يمشين خلفةً
وأطلاؤها ينهضن من كلِّ مجثم
وقفت بها من بعد عشرين حجةً
فلأيًا عرفت الدَّار بعد توهُّم
أنا فيَّ سفعًا في مُعرَّس مرجل
ونؤيًا كجذم الحوض لم يتثلَّم
فلمَّا عرفت الدَّار قلت لربعها
ألا انعم صباحًا أيُّها الرَّبع واسلم
تبصَّر خليلي هل ترى من ظعائنٍ
تحمَّلن بالعلياء من فوق جرثم
جعلن القنانَ عن يمينٍ وحزنه
وكم بالقنان من مُحلٍّ ومحرم
علون بأنطاكيَّةٍ فوق عقمةٍ
وراد حواشيها مشاكهة الدَّم
ظهرن من السُّوبان ثمَّ جزعنه
على كلِّ قينيٍّ قشيبٍ ومفأم
وورَّكن في السُّوبان يعلون متنه
عليهنَّ دلَّ الناعم المتنعَّم
بكرن بكورًا واستحرن بسُحرةٍ
فهنَّ ووادي الرَّسِّ كاليد للفم
وفيهنَّ ملهًى للصِّديق ومنظرٌ
أنيقٌ لعين النَّاظر المتوسَّم
كأن فتات العهن في كلِّ منزل
نزلن به حبُّ الفنا لم يحطَّم
فلمَّا وردن الماء زرقًا جِمامهُ
وضعن عصيَّ الحاضر المتخيم
سعى ساعيَا غيظِ بن مرة بعدما
تبزَّل ما بين العشيرة بالدَّم
فأقسمت بالبيت الذي طاف حوله
رجالٌ بنوه من قريشٍ وجرهم
يمينًا لنعم السيِّدان وجدتما
على كلِّ حالٍ من سجيلٍ ومَبرَم
تداركتما عبسًا وذبيان بعدما
تفانوا ودقُّوا بينهم عطر منشَم
وقد قلتما إن ندرك السلِّم واسعًا
بمالٍ ومعروفٍ من القول نسلم
فأصبحتما منها على خير موطن
بعيديْن فيها من عقوق ومأثم
عظيمين في عليا معدٍّ هُدِيتُمَا
ومن يستبح كنزًا من المجد يعظُم
تُعفَّى الكلوم بالمئين فأصبحت
ينجِّمها من ليس فيها بمجرم
ينجِّمها قومٌ لقومٍ غرامةً
ولم يُهْرِيقُوا بينهم ملء مَحجم
فأصبح يجري فيهم من تلادكم
مغانم شتى من إفالٍ مزنَّم
ألا أبلغ الأحلاف عنِّي رسالةً
وذبيان هل أقسمتم كل مُقسَم
فلا تكتُمنَّ الله ما في نفوسكم
ليخفى ومهما يُكتم اللهُ يَعلمِ
يؤخِّر فيوضع في كتابٍ فيدخَرْ
ليوم الحساب أو يُعجِّل فينقم
وما الحرب إلا ما علمتم وذُقتُمُ
وما هو عنها بالحديث المرجَّم
متى تبعثوها تبعثوها ذميمةً
وتضرَ إذا ضرَّيتموها فتضرم
فتعرككم عرك الرَّحى بثفالها
وتلقح كشافًا ثمَّ تنتج فتتئم
فتُنتج لكم غلمان أشأم كلُّهم
كأحمر عادٍ ثمَّ تُرضع فتَفطم
فتغللْ لكم مالًا تغلُّ لأهلها
قرًى بالعراق من فقيرٍ ودرهم
لعمرِي لنعم الحيُّ جرَّ عليهم
بما لا يواتيهم حصين بن ضمضم
وكان طوى كشحًا على مستكنةٍ
فلا هو أبداها ولم يتقدَّم
وقال سأقضي حاجتي ثمَّ أتَّقي
عدوِّي بألفٍ من ورائي ملجم
فشدَّ ولم يفزع بيوتًا كثيرةً
لدي حيث ألقت رحلها أُمَّ قشعم
لدي أسدٍ شاكي السلاح مقذَّفٍ
له لبدٌ أظفاره لم تقلَّم
جريءٍ متى يظلم يعاقب بظلمه
سريعًا وإلا يُبد بالظُّلم يظلم
رعوا ظِمْأَهُمْ حتى إذا تمَّ أوردوا
غمارًا تفرَّى بالسِّلاح وبالدَّم
فقضَّوا منايا بينهم ثم أصدروا
إلى كلأٍ مستوبلٍ متوخِّم
لعمرك ما جرَّت عليهم رماحهم
دم ابن نهيك أو قتيل المثلَّم
ولا شاركت في الموت في دم نوفلٍ
ولا وهبٍ منهم ولا ابن المخزَّم
فكلا أراهم أصبحوا يعقلونه
صحيحات مالٍ طالعاتٍ بمخرم
لحيٍّ حلالٍ يعصم الناس أمرهم
إذا طرقت إحدى اللَّيالي بمعظم
كرامٍ فلا ذو الضِّغن يدرك تبله
ولا الجارم الجاني عليهم بمُسلم
سئمت تكاليف الحياة ومن يَعِشْ
ثمانين حولًا لا أبا لك يسأم
وأعلم ما في اليوم والأمس قبله
ولكنني عن علم ما في غدٍ عم
رأيت المنايا خبط عشواء من تصب
تمته ومن تخطئ يعمَّر فيهرم
ومن لم يصانع في أمورٍ كثيرةٍ
يضرَّس بأنيابٍ ويوطأ بمنسم
ومن يجعل المعروف من دون عرضه
يفره ومن لا يتَّق الشَّتم يُشتم
ومن يك ذا فضل فيبخل بفضله
على قومه يستغنِ عنه ويذمم
ومن يُوفِ لا يُذمَم ومن يهد قلبه
إلى مطمئنِّ البرِّ لا يتجمجم
ومن هاب أسباب المنايا ينلنه
وإن يرقَ أسباب السَّماء بسلَّم
ومن يجعل المعروف في غير أهله
يكن حمده ذمًّا عليه ويندم
ومن يعص أطراف الزُّجاج فإنه
يطيع العوالي ركِّبت كلَّ لهذم
ومن لم يَذُدْ عن حوضه بسلاحه
يهدَّم ومن لا يظلم الناس يظلم
ومن يغترب يحسب عدوًّا صديقه
ومن لا يكرِّم نفسه لا يُكرَّم
ومهما تكن عند امرئٍ من خليقةٍ
وإن خالها تخفى على النَّاس تُعلم
وكائنْ ترى من صامتٍ لك مُعجِبٍ
زيادته أو نقصه في التَّكلُّم
لسان الفتى نصفٌ ونصفٌ فؤاده
فلم يبق إلَّا صورةُ اللَّحم والدَّم
وإنَّ سفاه الشَّيخ لا حِلم بعده
وإنَّ الفتى بعد السَّفاهة يحلم
سألنا فأعطيتم وعدنا فعُدتم
ومن أكثر التَّسآل يومًا سيُحرم

المعلقة الرابعة للبيد بن ربيعة

للبيد بن ربيعة بن مالك بن جعفر بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة العامري الصحابي رضي الله عنه، وهي:

عفت الدِّيار محلُّها فمقامها
بمنًى تأبَّد غَوْلُها فرجامها
فمدافع الرَّيَّان عرِّي رسمها
خلقًا كما ضمن الوُحِيَّ سلامُها
دمنٌ تجرَّم بعد عهد أنيسها
حججٌ خلون حلالها وحرامها
رُزِقْتُ مرابيع النُّجوم وصابها
ودْقُ الرَّواعد جودها فرهامها
من كلَّ ساريةٍ وغادٍ مدجنٍ
وعشيِّةٍ متجاوبٍ إرزامها
فَعَلَا فروع الأيهقان وأطفلت
بالجلهتين ظباؤها ونعامها
والعين عاكفةٌ على أطلائها
عوذًا تأجَّل بالفضاء بهامها
وجلا السُّيول عن الطُّلول كأنها
زبرٌ تجدُّ مثونها أقلامها
أو رجع واشمهٍ أُسِفَّ نئورها
كففًا تعرَّض فوقهنَّ وشامها
فوقفت أسألها وكيف سؤالُنَا
صمًّا خوالد ما يبين كلامها
عَرِيَتْ وكان بها الجميع فأبكروا
منها وغودر نُؤْيُهَا وثمامها
شاقتك طُغنُ الحيِّ حين تحمَّلوا
فتكنَّسوا قُطنًا تصرُّ خيامها
من كلِّ محفوفٍ يظلُّ عِصِيَّه
زوجٌ عليه كلِّه وقرامُها
زُجلًا كأنَّ نعاج توضح فوقها
وظباء وجرة عطِّفًا أرآمها
حفُزت وزيَّلها السَّراب كأنها
أجزاع بيشة أثلها ورضامها
بل ما تذكَّرُ من نوار وقد نأت
وتقطعت أسبابها ورمامها
مرِّيَّةٌ حلَّت بفيد وجاورت
أهل الحجاز فأين منك مرامها
بمشارق الجبلين أو بمحجَّرٍ
فتضمَّنتها فردةٌ فرخامها
فصوائقٌ إن أيمنت فمظنَّةٌ
منها وِحاف القهر أو طلخامها
فاقطع لُبانة من تعرَّض وصله
ولشرُّ واصل خلةٍ صَرَّامها
واحبُ المجامل بالجزيل وصرمه
باقٍ إذا طلعت وزاغ قوامها
بطليح أسفارٍ تركن بقيَّةً
منها فأحنق صلبها وسنامها
فإذا تغالى لحمها وتحسَّرت
وتقطَّعت بعد الكلال خدامها
فلها هبابٌ في الزِّمام كأنَّها
صهباء خفَّ مع الجنوب جهامها
أو مُلمعٌ وسقت لأحقب لَاحَهُ
طرد الفحول وضربها وكدامها
يعلو بها حدب الإكام مسحَّجٌ
قد رابه عصيانها ووجامها
بأحزَّة الثَّلبوت يربأ فوقها
قفر المراقب خوفها أرآمها
حتى إذا سلخا جمادى ستةٍ
جزأ فطال صيامه وصيامها
رجعا بأمرهما إلى ذي مرَّةٍ
حصدٍ ونُجح صريمةٍ إبرامها
ورمى دوابرها السفا وتهيَّجت
ريح المصايف سومها وسهامها
فتنازعا سبطًا يطير ظلاله
كدُخَانٍ مشعلةٍ يشبُّ ضرامها
مشمولةٍ علثت بنابت عرفجٍ
كدخان نارٍ ساطعٍ أسنامها
فمضى وقدَّمها وكانت عادة
منه إذا هي عرَّدت إقدامها
فتوسَّطا عُرضَ السَّرِيِّ وصدَّعا
مسجورةً متجاورًا قُلَّامها
محفوفةً وسط اليراع يظلُّها
منه مصرَّع غابةٍ وقيامها
أفتلك أم وحشيَّةٌ مسبوعةٌ
خذلت وهادية الصِّوار قوامها
خنساء ضيَّعت الفرير فلم يرم
عرض الشقائق طوفها وبغامها
لمعفِّرٍ قهدٍ تنازع شلوَه
غبسٌ كواسب لا يمنُّ طعامها
صادَفْنَ منها غرَّة فأصبنها
إنَّ المنايا لا تطيش سهامها
باتت وأسبل واكفٍ من ديمةٍ
يُروِي الخمائل دائمًا تَسجامها
يعلو طريقة متنها متواترٌ
في ليلةٍ كفر النُّجوم ظلامها
تجتاف أصلًا قالصًا متنبِّذًا
بعجوب أنقاءٍ يميل هيامها
وتضيء في وجه الظَّلام منيرةً
كجمانة البحريِّ سلَّ نظامها
حتى إذا حسر الظِّلام وأسفرت
بكرت تزلُّ عن الثرى أزلامها
علهت تردِّد في نهاء صعائد
سبعًا تؤامًا كاملًا أيَّامها
حتَّى إذا يبست وأسحق حالقٌ
لم يُبله إرضاعها وفطامها
فتوجَّست زرَّ الأنيس فرَاعَهَا
عن ظهر غيبٍ والأنيس سقامها
فغدت كلا الفرجين تحسب أنه
مولى المخافة خلفها وأمامها
حتى إذا بئس الرُّماة وأرسلوا
عضفًا دواجن قافلًا أعصامها
فلحقن واعتكرت لها مدريةٌ
كالسَّمهرية حدها وتمامها
لتذودهنَّ وأيقنت إن لم تذد
أن قد أحمَّ من الحتوف حمامها
فتقصَّدت منها كساب فضرِّجت
بدمٍ وغودر في المكرِّ سخامها
فبتلك إذ رقص الَّلوامع بالضُّحى
واجتاب أردية السَّراب إكامها
أقضي اللُّبانة لا أفرِّط ريبةً
أو أن يلوم بحاجةٍ لَوَّامُها
أو لم تكن تدري نوار بأنني
وصال عقد حبائلٍ جذَّامها
ترَّاك أمكنةٍ إذا لم أرْضَها
أو يعتلق بعض النُّفوس حمامها
بل أنت لا تدرين كم من ليلةٍ
طلقٍ لذيذٍ لهوها وندامها
قد بت سامرَها وغاية تاجرٍ
وافيت إذ رُفِعَتْ وعزَّ مدامها
أُغْلِي السِّباء بكلِّ أدكنَ عائقٍ
أو جَوْنة قدحت وفُضَّ ختامها
وغداة ريحٍ قد وزعت وقرَّةٍ
قد أصبحت بيد الشَّمال زمامها
بصبوح صافيةٍ وجذب كرينة
بموتَّرٍ تأتاله إبهامها
بادرت حاجتها الدَّجاج بسُحْرَةٍ
لأُعَلَّ منها حين هبَّ نيامها
ولقد حَمَيْتُ الحيَّ تحمل شكتي
فُرُطٌ وشاحي إذ غذوت لجامها
فعلوت مرتقيًا على ذي هبوةٍ
حرجٍ إلى أعلامهنَّ قتامها
حتى إذا ألقت يدًا في كافرٍ
وأجنَّ عورات الثُّغور ظلامها
أسهلت وانتصبت كجذع مُنيفةٍ
جرداء يحصر دونها جُرَّامها
رفَّعتها طرد النَّعام وشله
حتى إذا سخنت وخَفَّ عظامها
قلقت رحالتها وأسبل نحرها
وابتلَّ من زَبد الحميم حزامها
ترقى وتطعن في العِنان وتنتحي
ورد الحماة إذ أجد حمامها
وكثيرة غرباؤها مجهولة
ترجى نوافلها ويخشى ذامها
غلب تشذُّر بالدُّخول كأنها
جنَّ البديِّ رواسيا أقدامها
أنكرت باطلها وبؤت بحقِّها
عندي ولم يفخر عليَّ كرامها
وجزور أيسار دعوت لحتفها
بمغالقٍ متشابه أجسامها
أدعو بهنَّ لعاقرٍ أو مطفلٍ
بذلت لجيران الجميع لحامها
فالضيَّف والجار الجنيب كأنما
هبطا تبالة مُخصبًا أهضامها
تأوي إلى الأطناب كلُّ رذيَّةٍ
مثل البليَّة قالصٍ أهدامها
ويكلِّلون إذا الرِّياح تناوحت
خُلُجًا تمدُّ شوارعا أيتامها
إنا إذا التقت المَجامِع لم يزَل
منَّا لزاز عظيمةٍ جشَّامها
ومقسِّمٌ يُعطي العشيرة حقَّها
ومغذمرٌ لحقوقها هضَّامها
فضلًا وذو كرمٍ يعين على النَّدى
سمحٌ كسوب رغائبٍ غنَّامها
من معشرٍ سنَّت لهم آباؤهم
ولكلِّ قومٍ سُنَّةٌ وإمامها
لا يطبعون ولا يبور فعالهم
إذ لا يميل مع الهوى أحلامها
فاقنع بما قسم المليك فإنما
قسم الخلائق بيننا علَّامُها
وإذا الأمانة قُسِّمت في معشرٍ
أوفى بأوفر حظِّنا قسَّامها
فبنى لنا بيتًا رفيعًا سَمْكُهُ
فسما إليه كهلُها وغلامها
وهم السُّعاة إذا العشيرة أُفظِعت
وهمُ فوارسها وهم حكَّامها
وهم ربيعٌ للمجاور فيهم
والمرملات إذا تطاول عامها
وهم العشيرة أن يُبطِّئ حاسدٌ
أو أن يميل مع العدوِّ لئامها

المعلقة الخامسة لعمرو بن كلثوم

لعمرو بن كلثوم التَّغلَبي، يذكر أيام بني تغلب ويفخر بهم، وهو عمرو بن كلثوم بن مالك بن عتَّاب بن سعد بن زهير بن جُشَم بن حبيب بن عمرو بن غنم بن تغلب بن وائل بن قاسط بن هنب بن أفصى بن دُعمِي بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان. وأم عمرو بن كلثوم ليلى بنت مهلهل أخي كليب، وأمها بنت بعج بن عتبة بن سعد بن زهير، وهي:

ألا هُبِّي بصحنك فاصبحينا
ولا تُبقي خمور الأندرينا
مشعشة كأن الحُصَّ فيها
إذا ما الماء خالطها سخينَا
تجور بذي اللُّبانة عن هواه
إذا ما ذاقها حتَّى يلينا
ترى اللحز الشَّحيح إذا أُمِرَّت
عليه لماله فيها مُهينَا
صبنت الكأس عنَّا أمَّ عمرٍو
وكان الكأس مجراها اليمينا
وما شرُّ الثلاثة أمَّ عمرٍو
بصاحبك الَّذي لا تصبحينا
وكأسٍ قد شربتُ ببَعْلَبَكٍّ
وأخرى في دمشقَ وقاصرينا
وإنَّا سوف تدركنا المنايا
مقدَّرةً لنا ومقدَّرينا
ففي قبل التَّفرُّق يا ظعينا
نخبِّرك اليقين وتخبرينا
قفي نسألك هل أحدثت صرمًا
لِوَشْك البين أم خنت الأمينا
بيوم كريهةٍ ضربًا وطعنًا
أقرَّ به مواليك العيونا
وإنَّ غدًا وإنَّ اليوم رهنٌ
وبعد غدٍ بما لا تعلمينا
تريك إذا دخلت على خلاء
وقد أمنت عُيُونُ الكاشحينا
ذراعي عَيْطَلٍ أدماء بَكْرٍ
هجان اللَّون لم تقرأ جنينا
وثديًا مثل حُقِّ العاج رَخصًا
حَصانًا من أكفِّ اللَّامسينا
ومتنَيْ لدنةٍ سَمَقَتْ وطَالَتْ
روادفها تنوء بما ولينا
ومأكمةً يضيق الباب عنها
وكشحًا قد جُنِنْتُ به جنونا
وساريتَيْ بلَنْطٍ أو رخامٍ
يرنُّ خشاشُ حليِهما رنينا
فما وجدت كوجدي أمُّ سقبٍ
أضلَّته فرجَّعت الحنينا
ولا شمطاء لم يترك شقاها
لها من تسعةٍ إلَّا جنينا
تذكَّرت الصِّبا واشتقت لمَّا
رايت حمولها أصلًا حُدِينَا
فأعرضت اليمامة واشمخرَّت
كأسيافٍ بأيدي مُصْلِتِينَا
أبا هندٍ فلا تعجل علينا
وأنظرنا نخبِّرْك اليقينا
بأنَّا نورِد الرَّايات بيضا
ونصدرهنَّ حُمْرًا قد رَوِينَا
وأيَّامٍ لنا غرٍّ طوالٍ
عصينا المَلْك فيها أن نَدِينا
وسيِّد معشرٍ قد توَّجوه
بتاج الملك يحمِي المحجرينا
تركنا الخيل عاكفةً عليه
مقلَّدةً أعنَّتها صُفونَا
وأنزلنا البيوت بذي طلوح
إلى الشَّامات تنْقي الموعدينا
وقد هرَّت كلاب الحيِّ منا
وشذَّ بنا قتادةَ من يلينا
متى ننقُل إلى قومٍ رحانا
يكونوا في اللِّقاء لها طَحينا
يكون ثِفالها شرقيَّ نجدٍ
ولهوتها قصاعة أجمعينا
نزلتم منزل الأضياف مِنَّا
فأعجلنا القِرَى أن تشتمونا
قريناكم فعجَّلنا قراكم
قبيل الصُّبح مرداةً طحونا
نعمُّ أناسنا ونعفُّ عنهم
ونحمل عنهم ما حمَّلونا
نطاعن ما تراخى الناسُ عنَّا
ونضرب بالسُّيوف إذا غشينا
بسمرٍ من قنا الخطِّي لدن
ذوابل أو ببيضٍ يختلينا
نشق بها رءوس القوم شقًّا
ونخليها الرِّقاب فتختلينا
كأن جماجم الأبطال فيها
وسُوقٌ بالأماعز يرتمينا
وإنَّ الضَّغن بعد الضغن يبدو
عليك ويخرج الدَّاء الدَّفينا
ورثنا المجد قد عَلِمَتْ مَعَدٌّ
نطاعن دونه حتى يبينا
ونحن إذا عماد الحيِّ خرَّت
عن الأحفاض نمنع من يلينا
نجذُّ رءوسهم في غير برٍّ
فما يدرون ماذا يتَّقونا
كأن سيوفنا فينا وفيهم
مخاريقٌ بأيدي لاعبينا
كأنَّ ثيابنا منَّا ومنهم
خضبت بأرجوانٍ أو طلينا
إذا ما عيَّ بالإسناف حيٌّ
من الهول المشبَّه أن يكونا
نصبنا مثل رهوة ذات حدٍّ
محافظةً وكنا السابقينا
بشبانٍ يرون القتل مجدًا
وشيبٍ في الحروب مجرَّبينَا
حُديَّا الناس كلِّهم جميعا
مقارعةً بنيهم عن بنينا
فأمَّا يوم خشيتنا عليهم
فتصبح خيلنا عُصبًا ثبينا
وأما يوم لا نخشى عليهم
فنمعن غارةً متلبِّبينا
برأسٍ من بني جُشَم بن بكرٍ
ندقُّ به السَّهُولة والحزونا
ألا لا يعلم الأقوام أنَّا
تضعضعنا وأنَّا قد ونينا
ألا لا يجهلنْ أحدٌ علينا
فنجهل فوق جهل الجاهلينا
بأيِّ مشيئةٍ عمرو بن هندٍ
نكون لقيلكم فيها قطينا
بأيِّ مشيئةٍ عمرو بن هندٍ
تطيع بنا الوشاةَ وتزدرينا
تهدَّدنا وأوعدنا رويدًا
متى كُنَّا لأمِّك مقتوينا
فإنَّ قناتنا يا عمرو أعيت
على الأعداء قبلك أن تلينا
إذا عضَّ الثقافُ بها اشمأزَّت
وولتهم عشَوْزَنةً زبونا
عشوزنةً إذا انقلبت أرنَّت
تشجَّ قفا المثقَّف والجبينا
فهل حدَّثت في جُشم بن بكرٍ
بنقصٍ في خطوب الأوَّلينا
ورثنا مجد علقمة بن سيفٍ
أباح لنا حصون المجد دينَا
ورثت مهلهلًا والخير منهم
زهيرًا نعم ذخر الذَّاخرينا
وعتَّابًا وكلثومًا جميعًا
بهم نلنا تراث الأكرمينا
وذا البرة الذي حدثت عنه
به نحمى ونحمي المحجرينا
ومنا قبله السَّاعي كليب
فأيُّ المجد إلَّا قد ولينا
متى نعقد قرينتنا بحبلٍ
نجذُّ الحبل أو نَقِصُ القرينا
ونوجد نحن أمنعهم ذمارًا
وأوفاهم إذا عقدوا يمينا
ونحن غداة أوقد في خزازى
رفدنا فوق رفد الرَّافدينا
ونحن الحابسون بذي أراطى
تشفُّ الجلة الخور الدَّرينا
ونحن الحاكمون إذا أُطعنا
ونحن العازمون إذا عُصِينَا
ونحن التَّاركون لما سخطنا
ونحن الآخذون لما رضينا
وكنا الأيمَنِين إذا التقينا
وكان الأيسَرِين بنو أبينا
فصالوا صولةً فيمن يليهم
وصلنا صولةً فيمن يلينا
فآبوا بالنِّهاب وبالسَّبايا
وأُبْنَا بالملوك مصفَّدينا
إليكم يا بني بكرٍ إليكم
ألمَّا تعرفوا منا اليقينا
ألمَّا تعرفوا منا ومنكم
كتائب يطَّعِنَّ ويرتمينا
علينا البيض واليلب اليماني
وأسيافٌ يقمن وينحنينا
علينا كلُّ سابغةٍ دلاصٍ
ترى فوق النِّطاق لها غصونا
إذا وُضِعَتْ عن الأبطال يومًا
رأيت لها جلود القوم جونا
كأنَّ غضونهنَّ متون غدرٍ
تصفِّقها الرَّياح إذا جرينا
وتحمينا غداة الرَّوع جُرْدٌ
عرفن لنا نقائِذَ وافتُلِينا
وردن دوارعًا وخرجن شُعْثًا
كأمثال الرصائع قد بَلِينا
ورثناهنَّ عن آباء صدقٍ
ونورثها إذا متنا بَنِينا
على آثارنا بيضٌ حسانٌ
نحاذر أن تُقَسَّم أو تهونا
أخذن على بعولتهنَّ عهدًا
إذا لاقوا كتائب مُعْلِمِينا
لتستلبُنَّ أفراسًا وبيضًا
وأسرى في الحديد مقرَّنينا
ترانا بارزين وكلُّ حيٍّ
قد اتَّخذوا مخافتَنا قرينا
إذا مارحن يمشين الهُوَيْنَى
كما اضطربت متون الشَّاربينا
يَقتْنَ جيادنا ويقلن لستم
بعولتنا إذا لم تمنعونا
إذا لم نحمِهِنَّ فلا بقينا
لشيءٍ بعدهنَّ ولا حيينا
ظعائن من بني جُشَمِ بن بكرٍ
خلطن بميسَمٍ حَسَبًا ودِينَا
وما منع الظَّعائن مثل ضربٍ
ترى منه السَّواعد كالقلينا
كأنَّا والسُّيوف مسلَّلاتٌ
ولدنا الناس طرًّا أجمعينا
يَدَهْدُونَ الرُّءوس كما تُدَهْدِي
حزاورةٌ بأبطحها الكرينا
وقد علم القبائل من معدٍّ
إذا قببٌ بأبطحها بنينا
بأنا المطمعون إذا قدرنا
وأنا المهلكون إذا ابتُلِينا
وأنَّا المانعون لما أردنا
وأنا النازلون بحيث شينا
وأنا التاركون إذا سَخِطنا
وأنَّا الآخذون إذا رَضِينا
وأنَّا العاصمون إذا أُطِعنا
وأنَّا العارمون إذا عُصِينا
ونشرب إذا وردنا الماء صفوًا
ويشرب غيرنا كدِرًا وطينا
ألا أبلغ بني الطَّمَّاح عنا
ودعميًّا فكيف وجدتمونا
إذا ما المَلْك سام النَّاس خسفًا
أبينا أن نقرَّ الذُّلَّ فينا
لنا الدُّنيا ومن أمسى عليها
ونبطش حين نبطش قادرينا
بغاةً ظالمين وما ظُلِمْنَا
ولكنَّا سنبدأ ظالمينا
ملانا البرَّ حتى ضاق عنَّا
ونحن البحر نملؤه سفينا
إذا بلغ الرَّضيع لنا فطامًا
تخرُّ له الجبابر ساجدينا

المعلقة السادسة لعنترة بن شداد

لعنترة بن شداد العبسي، وهو عنترة بن شداد، وقيل: ابن عمرو بن شداد، وقيل: عنترة بن شداد بن عمرو بن معاوية بن قراد بن مخزوم بن ربيعة، وقيل: مخزوم بن عوف بن مالك بن غالب بن قُطَيْعَة بن عبس بن بغيض بن ريث بن غطفان بن سعيد بن قيس بن عيلان مضر، وهي:

هل غادر الشعراء من متردَّم
أم هل عرفت الدَّار بعد توهُّم
أعياك رسم الدَّار لم يتكلَّم
حتى تكلَّم كالأصمِّ الأعجم
ولقد حبست بها طويلًا ناقتي
أشكو إلى سُفعٍ رواكدَ جنَّم
يا دار عبلة بالجواء تكلَّمي
وعمي صباحًا دار عبلة واسلمي
دارٌ لآنسةٍ غضيضٍ طرفها
طوع العناق لذيذة المتبسِّم
فوقفت فيها ناقتي وكأنها
فدنٌ لأقضي حاجة المتلوِّم
وتحلُّ عبلة بالجواء وأهلنا
بالحزن فالصَّمَّان فالمتثلِّم
حيِّيتَ من طللٍ تقادم عهده
أقوى وأقفر بعد أمِّ الهيثم
حلَّت بأرض الزَّائرين فأصبحت
عسرًا عليَّ طِلَابُك ابنةَ مخرم
عَلَقْتُها عرضًا وأقتل قومها
زعمًا لعمر أبيك ليس بمزعم
ولقد نزلت فلا تظنِّي غيره
مني بمنزلة المحبِّ المكرم
كيف المزار وقد تربَّع أهلها
بعنيزتين وأهلنا بالغيلم
إن كنت أزمعتِ الفراق فإنما
زمَّت ركابُكُم بليلٍ مظلم
ما راعني إلا حمولة أهلها
وسط الدِّيار تسفُّ حبَّ الخمخم
فيها اثنتان وأربعون حلوبةً
سودًا كخافية الغراب الأسحم
إذ تستبيك بذي غروبٍ واضحٍ
عذبٍ مقبَّلة لذيذ المطعم
وكأنَّ فأرة تاجرٍ بقسيمةٍ
سبقت عوارضها إليك من الفم
أو روضةٍ أُنُفا تضمَّن نبتها
غيثٌ قليل الدِّمن ليس بمعلم
جادت عليه كلُّ بكرٍ حرَّةٍ
فتركن كلَّ قرارةٍ كالدِّرهم
سحًّا وتَسكابًا فكلَّ عشيَّةٍ
يجري عليها الماء لم يتصرَّم
وخلا الذُّباب بها فليس ببارحٍ
غردًا كفعل الشَّارب المترنِّم
هزجًا يحكُّ ذراعه بذراعه
قدح المكبِّ على الزِّناد الأجذم
تمسي وتصبح فوق ظهر حشيَّةٍ
وأبيت فوق سراة أدهم ملجم
وحَشِيَّتِي سرجٌ على عبل الشوى
نهدٍ مراكله نبيل المحزم
هل تبلغني دارها شدنيَّةٌ
لُعِنَتْ بمحروم الشَّراب مصرَّم
خطَّارةٌ غبَّ السُّرى زيَّافة
تطس الأكام بوخد خُفٍّ ميثم
فكأنما أقص الإكام عشيَّةً
بقريبِ بين المنسمين مصلَّم
تأوي له قُلصُ النِّعام كما أوت
حزقٌ يمانيةٌ لأعجمَ طمطم
يتبعن قلَّة رأسه وكأنَّه
حرجٌ على نعش لهنَّ مخيَّم
صعلٍ يعود بذي العشيرة بيضه
كالعبد ذي الفرو الطَّويل الأصلم
شربت بماء الدحرُضين فأصبحت
زوراء تنفر عن حياض الدَّيلم
وكأنما تنأى بجانب دفِّها الـ
ـوحشيِّ من هزج العشيِّ مؤوَّم
هرٍّ جنيبٍ كلَّما عطفت له
غضبَى اتَّقاها باليدين وبالفم
أبقى لها طول السِّفار مقرمدًا
سندًا ومثل دعائم المتخيِّم
بركت على جنب الرِّداع كأنما
بركت على قصب أجشَّ مهضَّم
وكأنَّ رُبًّا أو كحيلًا معقدً
حشَّ الوقود به جوانب قمقُم
ينباع من ذِفْرَي عضوبٍ جسرةٍ
زيَّافةٍ مثل الفنيق المكدم
إن تغدفي جوني القناع فإنني
طَبٌّ بأخذ الفارس المستلثم
أثني عليَّ بما علمت فإنني
سمحٌ مخالطتي إذا لم أظلم
فإذا ظلمت فإنَّ ظلمى باسلٌ
مرٌّ مذاقته كطعم العلقم
ولقد شربت من المَدَامةٍ بعدما
ركد الهواجر بالمشوف المعلم
بزجاجةٍ صفراء ذات أسرَّةٍ
قُرِنَتْ بأزهر في الشَّمال مقدَّم
فإذا شربت فإنني مستهلكٌ
مالي وعرضي وافرٌ لم يكلم
وإذا صحوت فما أقصِّر عن ندًى
وكما علمتِ شمائلي وتكرُّمي
وحليل غانيةٍ تركت مجدَّلًا
تمكو فرصته كشدق الأعلم
سبقت يداي له بعاجل طعنةٍ
ورشاش نافذةٍ كلون العندم
هلا سألت الخيل يا ابنة مالكٍ
إن كنت جاهلةً بما لم تعلمي
إذ لا أزال على رحالة سابحٍ
نهدٍ تَعاوَرَهُ الكماة مكلَّم
طورًا يجرَّد للطِّعان وتارةً
يأوي إلى حصد القسِّي عرمرم
يخبرك من شهد الوقيعة أنني
أغشى الوعى وأعفُّ عند المغنم
فأرى مغانم لو أشاء حويتُها
فيصدني عنها الحيا وتكرُّمي
ومدجَّجٍ كره الكماة نزاله
لا ممعنٍ هربًا ولا مستسلم
جادت له كفِّي بعاجل طعنةٍ
بمثقَّفٍ صدق الكعوب مقوَّم
برحيبة الفرغين يهدي جرسها
باللَّيل معتسَّ الذِّئاب الضُّرَّم
فشككت بالرَّمح الأصمِّ ثيابه
ليس الكريم على القنا بمحرَّم
فتركته جزَرَ السِّباع يَنشنَهُ
يقضمن حُسن بنانه والمعصم
ومشك سابغة هتكت فروجَها
بالسيف عن حامي الحقيقة مُعلم
زبذٍ يداه بالقداح إذا شتا
هتَّاك غايات التَّجار ملوَّم
لما رآني قد نزلت أريده
أبدى نواجذه لغير تبسُّم
فطعنته بالرمح ثمَّ علوته
بمهنَّدٍ صافي الحديدة مِخْذَمِ
عهدي به مدَّ النَّهار كأنما
خضب اللُّبان ورأسه بالعظلم
بطلٍ كأن ثيابه في سرحةٍ
يحذَى نعال السَّبت ليس بتوأم
يا شاة ما قنصٍ لمن حلَّت له
حرمت عليَّ وليتها لم تحرم
فبعثت جاريتي وقلت لها اذهبي
فتجسَّسي أخبارها لي واعلمي
قالت رأيتُ من الأعادي غرَّةً
والشَّاة ممكنةٌ لمن هو مرتم
وكأنما التفتت بجِيد جداية
رشأ من الغزلان حرٍّ أرثم
نبِّئت عمرًا غير شاكر نعمتي
والكفر مخبثة لنفس المنعم
ولقد حفظت وصاة عمِّي بالضُّحى
إذا تقلص الشَّفتان عن وضح الفم
في حومة الحرب التي لا تشتكي
عمراتها الأبطال غير تغمغم
إذ يتَّقون بي الأسنَّة لم أَخِمْ
عنها ولكنِّي تضايق مُقْدَمي
لمَّا رأيت القوم أقبل جمعهم
يتذامرون كررت غير مذمَّم
يدعون عنتر والرِّماح كأنها
أشطان بئرٍ في لبان الأدهم
ما زلت أرميهم بثغرة نحره
ولبانه حتَّى تسربل بالدَّم
فازورَّ من وقع القنا بلبانه
وشكى إليَّ بعبرةٍ وتحمحم
لو كان يدري ما المحاورة اشتكى
ولكان لو علم الكلام مكلِّمي
ولقد شفى نفسي وأبرأ سُقمها
قيل الفوارسُ ويك عنتر أقدمِ
والخيل تقتحم الخبار عوابسًا
من بين شيظمةٍ وأجرد شيظم
ذللٌ ركابي حيث شئت مشايعي
لبَّى وأحفزه بأمرٍ مبرم
إنِّي عداني أن أزورك فاعلمي
ما قد علمت وبعض ما لم تعلمي
حالت رماح ابني بغيضٍ دونكم
وزوت جواني الحرب من لم يجرم
ولقد كررت المهر يدمي نحره
حتى اتقتني الحيل بابني حِذْيَمِ
ولقد خشيت بأن أموت ولم تدُر
للحرب دائرةٌ على ابْنَيْ ضَمْضَمِ
الشَّاتمي عرضي ولم أشتمهما
والنَّاذرين إذا لم ألقهما دمي
إن يفعلا فلقد تركت أباهما
جزر الشِّباع وكلِّ نسرٍ قشعم

المعلقة السابعة للحارث بن حلزة

للحارث بن حلزة اليشكري، وهو الحارث بن حلزة بن مكروه بن يزيد بن عبد الله بن مالك بن عبد بن سعد بن جشم بن عاصم بن ذبيان بن كنانة بن يشكر بن بكر بن وائل بن قاسط بن هنب بن أفصى بن دعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار، وهي:

آذنتنا بِبَيْنِهَا أسماء
ربَّ ثاوٍ يملُّ منه الثَّواء
بعد عهدٍ لنا ببُرقةٍ شمَّاء
فأذنى ديارها الخَلْصَاء
فالمحيَّاة فالصِّفاح فأعناق
فتاقٍ فعاذبٌ فالوفاء
فرياضُ القطا فأودية الشُّر
بُبِ فالشَّعبتان فالأبلاء
لا أرى من عهدت فيها فأبكى الــيوم
دَلَهًا وما يُحِيرُ البكاء
وبعينيك أوقدتْ هندٌ النَّا
ر أحيرًا تُلوِي بها العلياء
فتنوَّرت نارها من بعيدٍ
بخزازى هيهات منك الصلاء
أوقدتها بين العقيق فشخصيـ
ـن بعودٍ كما يلوح الضِّياء
غير أنِّي قد أستعين على الهمِّ
إذا خفَّ بالثَّوي النَّجاءُ
بزفوف كأنها هقلةٌ أمُّ
رئالٍ دوَّيَّةٌ سقفاء
أَنَسَتْ نبأةً وأفزعها القنَّا
ص عصرًا وقددنا الإمساء
فترى خلفها من الرَّجع والوقـ
ـع منينًا كأنَّه إهباء
وطراقًا من خلفهنَّ طراق
ساقطات ألوت بها الصَّحراء
أتلهى بها الهواجر إذ كلِّ
ابن همٍّ بليَّةٌ عمياء
وأتانا من الحوادث والأنبا
ء خطبٌ نعنى به ونساء
أنَّ إخواننا الأراقم يغلو
نَ علينا في قيلهم إحفاء
يخلطون البريء منا بذي الذَّنْـ
ـبِ ولا ينفع الخلِي الخلاء
زعموا أن كلَّ من ضرب العيــر
مَوَالٍ لنا وأنَّا الولاء
أجمعوا أمرهم عشاءً فلمَّا
أصبحوا أصبحت لهم ضوضاء
من منادٍ ومن مجيبٍ ومن تصــهالِ
خيلٍ خلال ذاك رغاء
أيها الناطق المرقش عنا
عند عمرٍو وهل لذاك بقاء
لا تخلنا على غراتك إنا
قبل ما قد وشى بنا الأعداء
فبقينا على الشَّناءة تنميــنا
حصونٌ وعزَّة قعساء
قبل ما اليوم بيَّضت بعيون الناسِ
فيها تعيُّطٌ وإباء
وكأنَّ المنونَ تردى بنا أَرْ
عَنَ جونًا ينجاب عنه العماء
مكفهرًّا على الحوادث لا تر
تُوهُ للدَّهر مؤيدٌ صمَّاء
إرميٌّ بمثله جالت الجنُّ
فآبت لخصمها الأجلاء
ملكٌ مقسطٌ وأفضل من يمــشي
ومن دون ما لديه الثناء
أيَّما خطَّةٍ أردتم فأدُّو
ها إلينا تمشي بها الأملاء
إن نبشتم ما بين ملحة فالصَّا
قب فيه الأموات والأحياء
أو نقشتم فالنقش يجشمه النا
س وفيه الصَّلاح والأبراء
أو سكتُّم عنا فكنا كمن أغـ
ـمض عينًا في جفنها أقذاء
أو منعتم ما تسألون فمن حدِّ
ثتموه له علينا العلاء
هل علمتم أيام ينتهب النا
س غوارًا لكلِّ حيٍّ عواء
إذ ركبنا الجمال من سعف البحـ
ـرين سيرًا حتَّى نهاها الحساء
ثم ملنا على تميم فأحرمـ
ـنا وفينا بنات مرٍّ إماء
لا يقيم العزيز بالبلد السَّهـ
ـل ولا ينفع الذَّليل النجاء
ليس ينجَى موائلًا من حذار
رأس طودٍ وحرَّةٌ رجلاء
فملكنا بذلك النَّاس حتى
ملك المنذر بن ماء السَّماء
ملك أضرع البريَّة لا يو
جَدُ فيها لما لديه كفاء
ما أصابوا من تغلبيٍّ فمطلو
لٌ عليه إذا أصيب العفاء
كتكاليف قومنا إذ غَزَا المنذ
ر هل نحن لابن هندٍ رعاء
إذا أحلَّ العلياء قبَّة ميسو
ن فأدنى ديارها العوصاء
فتأوَّت له قراضبةٌ من
كلِّ حيٍّ كأنهم ألقاء
فهداهم بالأسودين وأمر الله
بلغٌ تشقى به الأشقياء
إذا تمنَّونهم غرورًا فسا
قتهم إليكم أمنيَّةٌ أشراء
لم يغرُّوكم غرورًا ولكن
رفع الآل شخصهم والضَّحاء
أيها النَّاطق المبلِّغ عنَّا
عند عمرٍو وهل لذاك انتهاء
من لنا عنده من الخير آيا
تٌ ثلاثٌ في كلِّهنَّ القضاء
آية شارق الشقيقة إذ جا
ءوا جميعًا لكلَّ حيٍّ لواء
حول قيسٍ مستلئمين بكبش
قرظيٍّ كأنه عبلاء
وصتيتٍ من العواتك لا تنها
ه إنَّ مبيضَّة رعلاء
فرددناهم بطعنٍ كما يخر
ج من خربة المزاد الماء
وحملناهم على حزمِ ثَهْلَا
نَ شلالًا ودُمَى الأنساء
وجبهناهم بطعن كما تنهز
في جمَّة الطَّويِّ الدِّلاء
وفعلنا بهم كما علم الله
وما إنْ للحائنين دماء
ثم حجرًا اعنى ابن أمِّ قطامٍ
وله فارسيَّة خضراء
أسدٌ في اللِّقاء وردٌ هموسٌ
وربيعٌ إن شمَّرت غبراء
وفككنا غلَّ امرئ القيس عنه
بعدما طال حبسه والعناء
ومع الجون جون آل بني الأو
س عنودٌ كأنَّها دفواء
ما جزعنا تحت العجاجة إذ ولَّوا
شلالًا وإذ تلظَّى الصِّلاء
وأوقدناه ربَّ غسَّان بالمنذ
ر كرهًا إذ لا تكال الدِّماء
وأتيناهم بتسعة أملاكٍ
كرامٍ أسلابهم أغلاء
وولدنا عمرو بن أمِّ أناس
من قريب لمَّا أتانا الحباء
مثلها يُخرج النصيحة للقو
م فلاة من دونها أفلاء
فاتركوا الطِّيخ والتَّعاشي وإمَّا
تتعاشوا ففي التَّعاشي الدَّاء
واذكروا حلف ذي المجاز وما
قُدِّم فيه العهود والكفلاء
حَذَرَ الجَوْرِ والتَّعدِّي وهل ينـ
ـقض ما في المهارق والأهواء
واعلموا أنَّنا وإيَّاكم فيما
اشترطنا يوم اختلفنا سواء
عننًا باطلًا وظلمًا كما تعتر
عن حجرة الرَّبيض الظَّباء
أعلينا جناح كندة أن
يغنم غازيهم ومنا الجزاء
أم علينا جرَّى إيادٍ كما
قيل لطسمٍ أخوكم الأباء
ليس منا المضرَّبون ولا قيس
ولا جندلٌ ولا الحدَّاء
أم جنايا بني عتيق فمن يغـ
ـدر فإنَّا من حربهم برآء
أم علينا جرَّى العباد كما
نيط بجوز المحمَّل الأعباء
وثمانون من تميمٍ بأيد
يهم رماحٌ صدورهنَّ القضاء
تركوهم ملحَّبين وآبوا
بنهاب يصمُّ منها الحداء
أم علينا جرَّى حنيفة أو ما
جَعَت من محاربٍ غبراء
أم علينا جرَّى قضاعة أم
ليس علينا فيما جنوا أنداء
ثمَّ جاءوا يسترجعون فلم تَرْ
جِعْ لهم شامةٌ ولا زهراء
لم يُخلُّوا بني رزاحٍ ببرقا
ء نطاعٍ لهم عليهم دعاء
ثم فاءوا منهم بقاصمة الظهـ
ـر ولا يبرد الغليل الماء
ثمَّ خيلٌ من بعد ذلك مع الغلا
قِ لا رأفةٌ ولا إبقاء
وهو الربُّ والشَّهيد على يو
مِ الحيارين والبلاء بلاء

المعلقة الثامنة الأعشى أبو بصير

قال الأعشى أبو بصير، واسمه ميمون بن قيس بن جندل بن شراحيل بن سعد بن مالك بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل بن قاسط بن هنب بن أفصى بن دعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان، وهي:

ودِّع هريرة إنَّ الرَّكب مرتحل
وهل تطيق وداعًا أيُّها الرَّجل
غرَّاء فرعاء مصقول عوارِضُها
تمشي الهوينا كما يمشي الوجي الوحل
كأن مشيتها من بيت جارتها
مرُّ السَّحابة لا ريثٌ ولا عجل
تسمع للحلي وسواسًا إذا انصرفت
كما استعان بريحٍ عشرقٌ زجل
ليست كمن يكره الجيران طلعتها
ولا تراها لسرِّ الجار تختتل
يكاد يصرعها لولا تشدُّدها
إذا تقوم إلى جاراتها الكسلُ
إذا تُلاعب قِرنًا ساعةً فترت
وارتجَّ منها ذَنوب المَتْن والكَفَل
صفر الوشاح وملء الدَّرع بَهْكَنَةٌ
إذا تأتَّى يكاد الخصر ينخزل
نعم الضَّجيع غذاة الدَّجن يصرعها
لِلَذَّة المرء لا جاف ولا تفل
هِركولةٌ فُنقٌ دِرْمٌ مرافقها
كأنَّ أخمصها بالشوَّك منتعل
إذا تقوم يضوع المسك أصورةً
والزَّنبق الورد من أردانها شمل
ما روضةٌ من رياض الحزن معشبةٌ
خضراء جاد عليها مسبلٌ هطل
يضاحك الشمس منها كوكبٌ شرقٌ
مؤزَّرٌ بعميم النبت مكتهل
يومًا بأطيب منها نشر رائحةٍ
ولا بأحسن منها إذ دنا الأصل
عُلِّقْتُهَا عرضًا وعلَّقت رجلًا
غيري وعُلِّق أخرى غيرها الرَّجل
وعُلِّقَتْه فتاةٌ ما يحاولها
ومن بني عمِّها ميتٌ بها وهل
وعُلِّقَتْنِي أُخَيْرَى ما تلائمني
فاجتمع الحبُّ حبٌّ كلُّه تبل
فكلُّنا مغرمٌ يهذي بصاحبه
ناءٍ ودانٍ ومخبولٌ ومختبل
صدَّت هريرة عنَّا ما تُكلِّمنا
جهلًا بأمِّ خليدٍ حبلَ من تصل
أأن رأت رجلًا أعشى أضرَّ به
ريب المنون ودهر مفند خبل
قالت هريرة لمَّا جئت زائرها
ويلي عليك وويلي منك يا رجل
إمَّا ترينا حفاةً لا نعال لنا
إنَّا كذلك ما نحفى وننتعل
وقد أُخَالِسُ ربَّ البيت غفلته
وقد يحاذر منِّي ثُمَّ ما يئل
وقد أقود الصِّبا يومًا فيتبعني
وقد يصاحبني ذو الشِّرَّة الغزل
وقد غدوت إلى الحانوت يتبعني
شَاوٍ مِشَلٌّ شَلُولٌ شُلْشَلٌ شَوِلُ
في فتيةٍ كسيوف الهند قد علموا
أن هالكٌ كلُّ من يحفى وينتعل
نازعتُهم قُضُبَ الرَّيحان متَّكئًا
وقهوةً مَزَّةً راووقها خضل
لا يستفيقون منها وهي راهنةٌ
إلَّا بِهَاتِ وإن غلُّوا وإن نهلوا
يسعى بها ذو زجاجاتٍ له نَطَفٌ
مقلصٌ أسفل السِّربال معتمل
ومستجيبٍ تخال الصَّنج يسمعه
إذا تُرَجَّع فيه القينة الفضل
والسَّاحبات ذيول الرَّيط آونةً
والرَّافعات على أعجازها العجل
من كلِّ ذلك يومٌ قد لهوتُ به
وفي التَّجارب طول اللَّهو والغزل
وبلدةٍ مثل ظهر التُّرس موحشةٍ
للجِنِّ باللَّيل في حافَاتها زجل
لا يتنمى لها بالقيظ يركبها
إلَّا الذين لهم فيما أتوا مهل
جاوزْتها بطليحٍ جسرةٍ سرحٍ
في مرفقيها إذا استعرضها فتل
بل هل ترى عارضًا قد بتُّ أرمقه
كأنما البرق في حافَاته شُعَل
له رِدَافٌ وجوزٌ مُفْأَمٌ عملٌ
منطقٌ بسجال الماء متَّصل
لم يُلْهِنِي اللَّهو عنه حين أرقبه
ولا اللَّذاذة في كأسٍ ولا شغل
فقلت للشَّرب في دُرْنَا وقد ثملوا
شيموا وكيف يشيم الشارب الثَّمل
قالوا نمارٌ فبطن الخال جادهما
فالعسجديَّة فالأبلاء فالرِّجل
فالسفح يجري فخنزيرٌ فبرقته
حتى تدافع منه الرَّبو فالحبل
حتَّى تحمل منه الماء تكفلةً
روض القطا فكثيب الغينة السَّهل
يسقى ديارًا لها قد أصبحت غرضًا
زُورًا تجانف عنها القود والرَّسل
أبلغ يزيدَ بني شيبان مألُكةً
أبا ثُبيتٍ أما تنفطَّ تأتكل
ألست منتهيًا عن نحت أثلتنا
ولست ضائرها ما أطَّت الإبل
كناطحٍ صخرةً يومًا ليوهنها
فلم يَضِرْهَا وأوهى قرنه الوعل
تُغْرِي بنا رهط مسعودٍ وإخوته
يوم اللِّقاء فتُردِي ثمَّ تعتزل
لا أعرفنك إن جدَّت عداوتنا
والتمسَ النَّصرُ منكم عوض تحتمل
تلحم أبناء ذي الجدَّين إن غضبوا
أرماحنا ثمَّ تلقاهم وتعتزل
لا تقعدنَّ وقد أكَّلتها حطبًا
تعوذ من شرِّها يومًا وتبتهل
سائل بني أسدٍ عنَّا فقد علموا
أن سوف يأتيك من أنبائنا شكل
واسأل قشيرًا وعبد الله كلهم
واسأل ربيعة عنا كيف نفتعل
إنَّا نقاتلهم حتى نُقَتِّلهم
عند اللقاء وإن جاروا وإن جهلوا
قد كان في آل كهفٍ إن هم احتربوا
والجاشريَّة من يسعى وينتضل
إنِّي لَعَمْرُ الذي حطَّت مناسمها
تخدي وسيقَ إليه الباقر الغيل
لئن قتلتم عميدًا لم يكن صددًا
لنقتلنْ مثله منكم فنمتثل
لئن مُنِيتَ بنا عن غبِّ معركةٍ
لأتلفنا عن دماء القوم ننتقل
لا تنتهون ولن يَنْهَى ذوي شططٍ
كالطَّعن يذهب فيه الزَّيت والفتل
حتى يظلَّ عميد القوم مرتفقًا
يدفع بالرَّاح عنه نسوةٌ عجل
أصابه هندوانيٌّ فأقصده
أو ذابلٌ من رماح الخط معتدل
كلَّا زعمتم بأنا لا نقاتلكم
إنا لأمثالكم يا قومنا قتل
نحن الفوارس يوم الحنو ضاحيةً
جنبَيْ فطيمة لا مَيْلٌ ولا عزل
قالوا الطَّعان فقلنا تلك عادتنا
أو تنزلون فإنَّا معشرٌ نزل
قد نخضب العير في مكنون فائله
وقد يشيط على أرماحنا البطل

المعلقة التاسعة النابغة الذبياني

قال النابغة الذبياني، واسمه زياد بن معاوية بن ضباب بن جناب بن يربوع بن غيظ بن مرة بن عوف بن سعد بن ذبيان بن ريث بن غطفان بن سعد بن قيس عيلان مضر، ويُكَنَّى أبا أمامة، قال يمدح النعمان ويعتذر إليه ممَّا وشى به المنخَّل من شأن امرأته المتجرِّدة، وهي:

يا دار ميَّة بالعلياءِ فالسَّندِ
أَقْوَتْ وطال عليها سالف الأبد
وقفتُ فيها أصيلًا كي أسائلها
عيَّت جوابًا وما بالرَّبع من أحد
إلَّا الأَوَارِيَ لأيًا ما أبيِّنها
والنُّؤي كالحوض بالمظلومة الجلد
ردَّت عليه أقاصيه ولبَّده
ضربُ الوليدة بالمِسحاة في الثأد
خلَّت سبيل أَتِيٍّ كان يحبسه
ورفَّعته إلى السَّجفين فالنَّضَدِ
أضحت خلاءً وأضحى أهلها احتملوا
أخنى عليها الذي أخنى على لبد
فَعَدِّ عمَّا ترى إذ لا ارتجاع له
وَانْمِ القُتُود على عيرانةٍ أُجُد
مقذوفةٍ بدخيس النَّحض بازلها
له صريفٌ صريف القعو بالمسد
كأنَّ رحلي وقد زال النَّهار بنا
يوم الجليل على مستأِنس وَحَدِ
من وحش وَجرَةَ موشيٍّ أكارعه
طاوي المصير كسيف الصيَّقل الفرد
فارتاع من صوت كلَّابٍ فبات له
طوع الشَّوامت من خوفٍ ومن صرد
فبثَّهنَّ عليه واستمرَّ به
صُمْعُ الكعوب بَرِيَّاتٌ من الحَرَد
وكان ضُمْرَانُ منه حيث يُوزِعُه
طعن المُعَارِكِ عند المحجر النَّجد
شكَّ الفريصة بالمِدْرَى فأنفذها
طعن المبيطر إذ يشفى من العضد
كأنَّه خارجًا من جنب صفحته
سفُّودُ شربٍ نسوه عند مفتأد
فظلَّ يَعْجُمُ أعلى الرَّوق منقبضًا
في حالك اللَّون صدقٍ غير ذي أود
لما رأى واشقٌ إقعاص صاحبه
ولا سبيل إلى عقلٍ ولا قود
قالت له النَّفس إنَّي لا أرى طمعًا
وإنَّ مولاك لم يَسْلَمْ ولم يَصِدِ
فتلك تُبلغني النَّعمان إنَّ له
فضلًا على الناس في الأدنى وفي البعد
ولا أرى فاعلًا في النَّاس يشبهه
ولا أحاشي من الأقوام من أحد
إلا سليمان إذ قال الإله له
قم في البَرِيَّة فاحدُدْها عن الفند
وخيِّس الجنَّ أني قد أذنت لهم
يبنون تدمر بالصُّفَّاح والعمد
فمن أطاعك فانفعه بطاعته
كما أطاعك وادلُلْه على الرَّشد
ومن عصاك فعاقبه معاقبةً
تنهى الظَّلوم ولا تقعد على ضمد
إلَّا لمثلك أو من أنت سابقه
سبق الجواد إذا استولى على الأمد
أعطى لفارهةٍ حلوٍ توابعها
من المواهب لا تعطى على نكد
الواهب المائة المعكاء زيَّنها
سعدان توضح في أوبارها اللِّبد
والرَّاكضات ذيول الرَّيط فنَّقها
برد الهواجر كالغزلان بالجرد
والخيل تَمْزَعُ غربًا في أعنَّتها
كالطَّير تنجو من الشوُّبوب ذي البرد
والأُدْم قد خُيِّسَتْ فُتْلًا مرافقها
مشدودةً برحال الحيرة الجدد
اُحْكُم كحكم فتات الحيِّ إذ نظرت
إلى حمامٍ شراعٍ وارد الثَّمد
يحفُّه جانبًا نِيقٍ وتُتبِعه
مثل الزُّجاجة لم تكحل من الرَّمد
قالت ألا ليتما هذا الحمام لنا
إلى حمامتنا ونصفه فَقَدِ
فحسَّبُوه فألفَوْه كما زعمت
تسعًا وتسعين لم تنقُص ولم تَزِد
فكمَّلت مائةً فيها حَمامَتُها
وأسرعت حِسبةً في ذلك العدد
فلا لعمر الذي مسَّحتُ كعبته
وما هُرِيقَ على الأنصاب من جسد
والمؤمن العائذات الطَّير تمسحها
ركبان مكَّة بين الغيل والسَّعد
ما إنْ أتيتُ بشيءٍ أنت تكرهه
إذن فلا رفعت سوطي إليَّ يد
إذن فعاقبني ربي معاقبةً
قرَّت بها عين من يأتيك بالحسد
هذا لأبرأ من قولٍ قُذِفْتُ به
طارت نوافذه حَرًّا على كبدي
أنبئتُ أنَّ أبا قابوس أوعدني
ولا قرار على زأرٍ من الأسد
مهلًا فداءٌ لك الأقوام كلُّهم
وما أثمِّر من مالٍ ومن ولد
لا تقذِفَنِّي بركنٍ لا كفاء له
وإن تأثَّفك الأعداء بالرَّفد
فما الفرات إذا هبَّ الرِّياح له
تمري أواذيَّه العبرين بالزَّبد
يمدُّه كل وادٍ مترعٍ لَجِبٍ
فيه ركامٌ من الينبوت والخضد
يظلُّ من خوفه الملَّاح معتصمًا
بالخيزرانة بعد الأين والنَّجد
يومًا بأجود منه سيب نافلةٍ
ولا يحول عطاء اليوم دون غد
هذا الثناء فإن تسمع لقائله
فلم أعرِّض أبيتَ اللَّعن بالصَّفَد
ها إنَّ ذي عذرةٌ إلَّا تكن نفعت
فإنَّ صاحبها مشارك النَّكد

المعلقة العاشرة عبيد بن الأبرص

قال عبيد بن الأبرص بن حنتم بن عامر بن مالك بن زهير بن مالك بن الحارث بن سعيد بن ثعلبة بن دودان بن أسد بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر، وهي:

أقفر من أهله ملحوبُ
قالقطبيَّات فالذَّنوب
فراكسٌ فثعيلباتٌ
فذات فرقين فالقليب
فعردةٌ فَقَفَا حبرٍ
ليس بها منهم عريب
وبدِّلت منهم وحوشًا
وغيَّرت حالها الخطوب
أرضٌ توارثها الجدوب
فكلُّ من حلَّها محروب
إمَّا قتيلًا وإما هلْكًا
والشَّيب شَيْنٌ لمن يشيب
عيناك دمعهما سروب
كأنَّ شأنيهما شعيب
واهية أو معين معنٍ
من هضبةٍ دونها لهوب
أو فلْجُ وادٍ ببطن أرضٍ
للماء من تحته قسيب
أو جدولٌ في ظلال نخلٍ
للماء من تحتها سكوب
تصبو وأنَّى لك التَّصابي
أنَّى وقد راعك المشيب
فإن يكن حال أجمعها
فلا بديٌّ ولا عجيب
أو يك أقفر منها جوُّها
وعادها المَحْلُ والجُدوب
فكلُّ ذي نعمةٍ مخلوسٌ
وكلُّ ذي أمل مكذوب
وكلُّ ذي إبلٍ موروثٌ
وكل ذي سلَب مسلوب
وكلُّ ذي غيبةٍ يئوب
وغائب الموت لا يئوب
أعاقرٌ مثل ذات رَحْمٍ
أو غانمٌ مثل من يخيب
من يسأل النَّاس يُحرِموه
وسائلُ الله لا يخيب
بالله يدرك كلُّ خير
والقول في بعضه تلغيب
والله ليس له شريكٌ
علام ما أخفت القلوب
أفلح بما شئت قد يبلغ بالضعــفِ
وقد يُخدع الأريب
لا يعظ النَّاس من لا يعظ الدَّهــر
ولا ينفع التَّلبيب
إلَّا سجيَّات ما القلوب
وكم يصيِّرن شائنًا حبيب
ساعد بأرضٍ إن كنت فيها
ولا تقل إنني غريب
قد يوصل النازح النائي وقد
يقطع ذو السُّهمة القريب
والمرء ما عاش في تكذيبٍ
طول الحياة له تعذيب
يا ربَّ ماءٍ وردتُ آجنٍ
سبيله خائفٌ جديب
ريش الحمام على أرجائه
للقلب من خوفه وجيب
قطعته غدوةٌ مشيحًا
وصاحبي بادنٌ خبوب
غيرانةٌ موجدٌ فقارها
كأمَّ حاركها كثيب
أخلف بازلًا سديسٌ
لا خفَّةٌ هي ولا نيوب
كأنها من حمير غاب
جوْن بصفحته ندوب
أو شببٌ يرتعي الرُّخامى
تلطُّه شمألٌ هَبوب
فذاك عصرٌ وقد أراني
تحملني نهدةٌ سرحوب
مضبر خلقها تضبيرًا
ينشقُّ عن وجهها السَّبيب
زيتيَّة نائم عروقها
وليِّنٌ أَسْرُها رطيب
كأنَّها لقوةٌ طلوب
تيبس في وكرها القلوب
باتت على إرمٍ عذوبًا
كأنَّها شيخةٌ رقوب
فأصبحت في غداة قُرٍّ
يسقط عن ريشها الضَّريب
فأبصرت ثعلبًا سريعًا
ودونه سبسبٌ جديب
فنفَّضت ريشها وولَّت
وهي من نهضةٍ قريب
فاشتال وارتاع من حسيسٍ
وفِعلُه يفعل المذءوب
فنهضت نحوه حثيثًا
وحرَّدت حرده تسيب
فدبَّ من خلفها دبيبًا
والعين حملاقها مقلوب
فأدركته فطرَّحته
والصيَّد من تحتها مكروب
فجدَّلته فطرَّحته
فكدَّحت وجهه الجبوب
فعاودته فرفَّعته
فأرسلته وهو مكروب
يضغو ومخلبها في دَفِهِ
لا بدَّ حيزومه منقوب
تمت المعلقات العشر مع اختلاف الروايات وما أردناه من التعليق عليها، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: Content is protected !!