إدارة أعمال

القيادة بالكاريزما كيف يقود القادة؟

الكاريزما هي «موهبة أو قدرة فطرية» وأصلها الاشتقاقي نابع من الكلمة الإغريقية Kharisma، من kharis: «النعمة الإلهية» أو «المنة». في الواقع، يستخدم معظم الأشخاص هذا اللفظ الآن ليشير إلى شخص استثنائي يمتلك سمات أو قدرة تؤثر في أعداد كبيرة من الأشخاص أو تلهمهم. فبالنسبة لعالم الاجتماع الألماني ماكس ويبر، الذي كان أول من كتب عن الكاريزما، فإن هؤلاء الأشخاص هم أصحاب النفوذ الذي يتخطى فهم معظم الناس وهم أيضًا نادرون جدًّا. ومن ثم فإن مفهوم ويبر عن الكاريزما — ما ينبغي أن أطلق عليه «الكاريزما القوية» — لا يدور حول الأشخاص ذوي الشخصيات القوية، بل حول الأشخاص الذين بإمكانهم حشد أتباعهم بطريقة سحرية. إنها بالأساس كانت ظاهرة غير منطقية وعاطفية ويمتلك حاملوها «رسالة» تفانٍ شديد حيال تحقيق الهدف. وقد يفسر ذلك أيضًا السبب في أنه من السائد أن يكون القادة أصحاب الكاريزما رجالًا؛ لأن أوقات الأزمات، التي ترتبط غالبًا بحرب ما، عادة ما تدعم قادة الجيش، الذين عادة ما كانوا ولا يزالون رجالًا. ومن النساء الشهيرات ذوات الكاريزما، بوديكا، وجان دارك، وإليزابيث الأولى، على سبيل المثال، وجميعهن يرتبطن بمعارك عسكرية. فعلى سبيل المثال: جان دارك لا ترتبط بالهزيمة العسكرية للإنجليز وحسب، بل ترتبط أيضًا بالمظهر الرجولي.

كيف يقود القادة؟

أفرد ويبر مساحة تصورية للقادة أصحاب الكاريزما من خلال التمييز بين القوة والسلطة — فالثانية دائمًا ما كانت مشروعة في أعين الأتباع، أما الأولى فلا تحتاج إلى أن تكون مشروعة — والتفرقة بين ثلاثة أنواع مختلفة من السلطة. تحدث السلطة التقليدية عندما يتبع الأتباع القائد؛ لأنهم دائمًا ما يفعلون ذلك، وربما أبلغ مثال على هؤلاء يتمثل في أتباع الملوك. وهناك السلطة القانونية الرشيدة، المعروفة باسم البيروقراطية، التي يتبع فيها الأتباع القادة؛ لأنه من المعقول من وجهة نظرهم أن يفعلوا ذلك، لا لأنهم دأبوا على فعل هذا. والنوع الثالث هو السلطة القائمة على الكاريزما. ولكن الكاريزما لها قدرة متفردة على جذب الأتباع الذين يكونون متفانين لقوى الشخص الفائقة التي يبدو أنها توفر احتمالات حلول جذرية وغير معروفة حتى الآن لأزمة اجتماعية من نوع ما. في الواقع، أمثلة ويبر في الغالب يمثلها قادة دينيون، وهو يستفيد كثيرًا من رسالتهم، ومصيرهم، الذي يتجلى في إظهار المعجزات وتحقيق النبوءات. من وجهة نظر ويبر، القيادة بالكاريزما هي الصورة الوحيدة ﻟ «السلطة غير القهرية»، مع أنه من المريب افتراض أن الاختيار بين الجنة والنار الأبدية هو اختيار غير قهري. علاوة على ذلك، ولأن الكاريزما تتجسد في شخص، فإنها تموت مع هذا الشخص أو تصبح روتينية في المؤسسة، كما يحدث في الكنيسة.
 📖
مجرد أن قادة ويبر أصحاب الكاريزما يجيدون حشد الأتباع لا يعني أنهم بالضرورة ثوريون، ويمكن بالفعل أن يكونوا رجعيين يسعون إلى إعادة المجتمع إلى حالته السابقة، ولكنهم غالبًا ما يتسمون بالصفتين معًا؛ فيحاولون استعادة الماضي ولكن من خلال المضي قدمًا نحو مستقبل جديد فحسب. وهنا درس قيم للغاية لقيادة التغيير. إننا كثيرًا ما نفترض أن التغيير يتمحور حول المضي قدمًا نحو الأمام وترك الماضي وراء ظهورنا، ولكن وصف ويبر يشير ضمنًا إلى أن النجاح يرتبط بقدرة ذات وجهين على القيام بالاثنين معًا. يمكنك أن تجد مثالًا توضيحيًّا في الانتخابات الألمانية لعام ١٩٣٣. بينما كانت الأحزاب المحافظة تتذكر الأيام الخوالي، كان الحزب الديمقراطي الاشتراكي الحاكم يطلق حملة مفادها «الأمور لا تتحسن»، وكان الحزب الشيوعي ينظر بثبات نحو المستقبل الفاضل. كان النازيون فقط هم الذين جمعوا بين وجهات النظر الثلاث: يمكن لألمانيا أن تستعيد المجد السابق، ولكن ليس بالعودة إلى الوراء، وليس بالتجمد في مكانها، وبالطبع ليس من خلال التخلي عن الماضي لأجل مستقبل شيوعي غامض بديل. بل بدلًا من ذلك، سيتطلب الأمر رفض الحاضر، وتجنب المستقبل الشيوعي، وإعادة أمجاد الماضي من خلال استحضار جوهرها إلى مستقبل نازي بديل. ومن ثم، فإن قادة ويبر أصحاب الكاريزما — وقد حذر من أن القادة أصحاب الكاريزما قد يقوضون العالم الألماني القانوني الرشيد — كانوا غالبًا ثوريين محافظين، يرغبون في «استعادة الماضي من الحاضر خلال أوقات المحن».

القيادة بالكاريزما

القيادة
القيادة

هذه الموجة العاطفية للداعمين تشير ضمنًا أيضًا إلى أن الكاريزما قوة غير مستقرة في حد ذاتها وتثير عدم الاستقرار بشكل كبير. ويمكن للأتباع، بدرجة ما، أن يشاركوا القائد الكاريزما الخاصة به عن طريق الانضمام إلى مؤسسته، مع أن طول الفترة الزمنية التي يمكن أن يدوم خلالها ذلك يعتمد على ما إذا كان القائد سيستمر في الإتيان بمعجزات بارزة كلما أراد أم لا. ويمكنك أن ترى تلك السمة بوضوح عندما نرى القادة السياسيين والمشاهير ومدربي الكرة ومقدمي البرامج الإذاعية ومن شابههم يشار إليهم بالبنان على أنهم هبة من الله في يوم، ثم في اليوم التالي يُحكم عليهم بالموت الرمزي (وفي بعض الأوقات بالموت الفعلي).

📖

إلى جانب ذلك يجدر ملاحظة مدى تشبث الناس بالرغبة في الإيمان بقدرة القادة أصحاب الكاريزما على إنقاذهم في أوقات الخطر الشديد، وكيف أنه عندما لا يكون هناك مثل هذه الأزمات، نبتكرها في الأفلام والقصص (على غرار سلسلة هاري بوتر، وملك الخواتم، وما شابه)، كما لو أن حياتنا ليست حياة عادية فقط بل أيضًا مملة على نحو لا يطاق. ولنفس هذه الأسباب يتذكر كثير من الأشخاص الذين شاركوا في المعارك الحربية «أيام مجدهم» عندما تستحوذ عليهم «الحاجة إلى المشاركة في معركة». وربما لهذه الأسباب كثيرًا ما يعتقد أصحاب الكاريزما أنهم يحملون قَدَرًا كتبه آخرون. وكما قال تشرشل عندما تولى منصب رئاسة الوزراء في عام ١٩٤٠: «لا يمكن أن يكون هذا الأمر مصادفة، إنه أمر مقدر. لقد خلقت لهذا المنصب.» وكذلك ربما تفسر الكاريزما مقولة اللورد أكتون في رسالته إلى الأسقف ماندل كريتون (١٨٨٧) التي تقول: «السلطة مفسدة، والسلطة المطلقة مفسدة مطلقة. ودائمًا تقريبًا ما يكون العظماء فاسدين.»
 📖
إذا كان ويبر قد ركز على الطبيعة الاستثنائية لما أطلقت عليه اسم الكاريزما «القوية»، فقد جادل الكثير من الدارسين والباحثين منذ ذلك الحين بأن مفاهيمه لا يمكن تطبيقها عمليًّا وتُستخدم بشكل ثنائي؛ إما أن تكون صاحب كاريزما أو لا، وليس هناك جدل حيال التصنيف. بدلًا من ذلك، اختار الكثيرون النظر إلى الكاريزما على أنها متسلسلة أقرب إلى الشخصية المنفتحة من البشر الاستثنائيين الذين كان ويبر مهتمًّا بهم. وفي هذه التفسيرات للكاريزما (الضعيفة)، تعتمد العلاقة بين الفرد (القائد) والأتباع على قيم أيديولوجية (وليست مادية) راسخة ومشتركة، حيث يحقق القادة أصحاب الكاريزما إنجازات استثنائية (وليست خارقة) من خلال الأتباع شديدي الإخلاص لقادتهم، الذين يثقون بهم بدرجة كبيرة. وفي خضم هذه الظروف، يكون الأتباع على استعداد للقيام بتضحيات شخصية من أجل تحقيق الرؤية المشتركة، وليس هناك ضرورة لوجود الأزمات المستمرة ولا المعجزات المستمرة.
 📖
إن هذا يحمل تشابهًا غريبًا مع القيادة التحويلية، التي طورها بشكل أساسي ماكجريجور بيرنز، الذي فرَّق بين هذه القيادة والقيادة بالكاريزما والقيادة التبادلية. فمن وجهة نظر ماكجريجور بيرنز، كانت القيادة التبادلية مقصورة على علاقة تبادلية بين القائد والتابع؛ بالرغم من أنه سواء أكان هذا التبادل اقتصاديًّا (مثل الأجور)، أو اجتماعيًّا (مثل الترقية)، أو نفسيًّا (مثل الصداقة)، أو كان أقل ملاءمة من كونه تبادلًا، فإنه شائع جدًّا، وهو محدود للغاية في تأثيراته.
 📖
وعلى النقيض، لم تكن القيادة التحويلية عملية تبادلية على الإطلاق ولكنها حدثت عندما لجأ القادة التحويليون إلى قيم الأتباع متجاوزين اهتماماتهم الشخصية. بالطبع ربما يمتلك القادة أصحاب الكاريزما علاقة تبادلية أيضًا مع أتباعهم ولكنها علاقة تعتمد على تبادل الهوية. على الرغم من ذلك، فإن هذه القدرة على ترقية رؤية الأتباع من العادية إلى الاستثنائية تتطلب الكاريزما، ولكن ليس كل القادة أصحاب الكاريزما قادة تحويليين. فمن وجهة نظر ماكجريجور بيرنز، القادة أصحاب الكاريزما الذين لا يتسمون بالتحويلية يعدون «ممارسين للسلطة»، أي قادة يحصلون على التزام من الأتباع يفي بمصالح القائد وليس بمصالح الأتباع. وأخيرًا، هذا النوع من القادة يميلون إلى بث مستوى عالٍ من التبعية بين أتباعهم، في حين يبدو أن القادة التحويليين يعملون بالمبدأ المعاكس، أي يمنحون سلطات لتابعيهم ولا يسلبونهم السلطة؛ حيث يضمنون التزامًا بمجموعة من المثل وليس التزامًا نحو شخص مثالي.

القيادة بالكاريزما كيث جرينت

لقد حذا الكثيرون حذو ماكجريجور بيرنز، حيث ميَّز زاليزنيك بين القادة «الأصحاء» و«غير الأصحاء» من الناحية النفسية، في حين فضل هاويل تقسيم القادة إلى قادة «اجتماعيين» وقادة «شخصيين»، وقارن باس بين القادة «التحويليين الحقيقيين» والقادة غير الحقيقيين أو «التحويليين الزائفين». وتبدو لي المشكلة كامنة في أن كل هذه التقسيمات متأصلة في الأخلاقيات الشخصية للمراقب؛ فحيث إننا لا نعتمد نوعًا معينًا من القادة، فإننا نطلق عليهم قادة غير أصحاء أو زائفين وما إلى ذلك. ولكن هذا الأمر يغفل عن هدف الكاريزما: لا يهم هل المراقبون الأكاديميون غير متأثرين بتحذيرات المتعصبين دينيًّا أو الوحوش السياسيين أم لا، بل ما يهم هو هل الأتباع يتأثرون بها أم لا. وفي هذه الظروف، ليس الهدف تجاهل البعد الأخلاقي للقيادة بالكاريزما، ولكن الهدف هو سؤال أنفسنا: هل الأتباع يؤمنون بأن قادتهم أصحاب الكاريزما يتصرفون بشكل أخلاقي أم لا؟
 📖

يعني ذلك أيضًا أننا في حاجة إلى الحذر من القادة أصحاب الكاريزما. فربما يكونون ذوي أهمية في الأزمات، ولكن ربما يرغمون على إبقاء الأزمة مستمرة، إذا كانت تسوية الأزمة سوف تقوض نفوذهم. وربما يحققون مستويات استثنائية من حشد الأتباع، ولكن ربما لا يكون هذا الحشد دائمًا لأسباب قد نتفق معها. وربما يثبتون أهميتهم في التغلب على مأزق التذبذب أو الحيرة، ولكن عندما يموتون، هل تبقى إنجازاتهم أم أن أعمالهم هذه، على غرار الأشخاص الموهوبين، تضعف إمكانية القيام بأي عمل أو فعل باقٍ من قبل الغالبية العظمى من البشر؟ في الفصل التالي، أرغب في إلقاء نظرة على الطرف الثاني، الأتباع؛ هل لهم دور في كل هذه الأمور، وإذا كان لهم دور، فما هو؟

 📖📖📖

القيادة بالكاريزما – كتاب: القيادة مقدمة قصيرة جدًّا
تأليف: كيث جرينت – ترجمة: حسين التلاوي – مراجعة: هاني فتحي سليمان – مؤسسة هنداوي

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: Content is protected !!
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock