إدارة أعمال

القيادة الحديثة – دراسات

في رأى الكثيرين، يعتبر توماس كارليل أول كتاب «العصر الحديث» الذين كتبوا عن القيادة، حيث تحدث بدفء — في خطبته الافتتاحية عندما كان رئيس جامعة إدنبرة عام ١٨٦٦ — عن مكيافيلي وأوليفر كرومويل، الذي اعتبره كارليل أحد الأمراء الذين لا غنى عنهم في وقت الحرب الأهلية الإنجليزية. وفي حقيقة الأمر، يمكننا أن نتتبع نهضة دراسات القيادة في الحقبة الحديثة — التي عاصرت نهضة المجتمعات الصناعية — وصولًا إلى محاضرات كارليل الأولى عام ١٨٤٠، الذي تسبب افتتانه «بعظماء» التاريخ في تهميش دور الأشخاص العاديين ليصبحوا مجرد «إضافات» لا قيمة لها. جسد نموذج البطولة الفردية الذي صاغه افتراضًا شائعًا عن القيادة في العصور الفيكتورية: كانت القيادة مقصورة على الرجال، وبطولية، وفردية، ومعيارية في توجهها وطبيعتها. كانت تعتمد على ما عليك أن تفعله طبقًا للأعراف الثقافية في ذلك الوقت، وكانت شبيهة بالنماذج نفسها التي انتشرت في الحقبة الكلاسيكية وأوائل الحقبة الحديثة.

دراسات القيادة الحديثة

ساد هذا النموذج خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر ولم يلق أي تحدٍّ يذكر حتى بدأت أولى الجماعات الإدارية الاحترافية تحل محل المديرين المالكين الأصليين — و«البطوليين» — قرب نهاية القرن التاسع عشر. بعد ذلك، دار الجدل حول سياق — ومن ثم متطلبات — القيادة التي تحولت من الأفراد البطوليين إلى الأنظمة والعمليات العقلانية، عندما بدأ المعيار الصناعي ومستوى التكامل العكسي المتعلق بمصادر المواد الخام في إيجاد صناعات كبرى (خاصة في الولايات المتحدة الأمريكية) التي احتاجت عددًا كبيرًا من الإداريين للحفاظ على التماسك المؤسسي. اشتقت الكثير من نماذج القيادة المؤسسية تلك من الجيش، والخدمة العامة، ومكاتب البريد، والسكك الحديدية، وصيغت أغلب هذه النماذج القيادية باعتبارها مناصب إدارية ذات تسلسل هرمي رسمي. من ثم، وبمجرد أن بدأ نمو الإنتاج الذي أطلق له العنان هؤلاء العمالقة في تشجيع المنافسة في السوق وتقليل هامش الربح، تحول التركيز بسرعة إلى استراتيجيات خفض التكلفة والإدارة العلمية. ركز إف دابليو تايلور — مؤسس الإدارة العلمية — على سيطرة الإدارة على المعرفة على حساب القوى العاملة، وتقليل المهارات الوظيفية مع زيادة أعداد فئة العمال. في هذه الحالة، توصف القيادة ﺑ «القيادة المعرفية»؛ حيث يكون القادة هم مخازن المعرفة الإنتاجية التي تسمح لهم بالسيطرة على الإنتاج، وذلك على العكس من السيطرة على الإنتاج التي كان يمارسها الحرفيون فيما مضى.
📖
تزامن الركود الاقتصادي في فترة العشرينيات من القرن العشرين مع التحول الكبير التالي في نماذج القيادة، وفيما يتصل بأهدافنا هنا، كان تحولًا كبيرًا عاد إلى السلطة المعيارية وابتعد عن عقلانية الأنظمة والعمليات العلمية، التي سيطرت على الوضع في العقدين السابقين. اشتقت هذه «العودة» إلى النماذج المعيارية السابقة في بداية الأمر من تجارب هووثورن في العشرينيات والثلاثينيات في مصنع شركة جنرال إلكتريك بالقرب من شيكاجو، حيث تسببت تجارب تايلور العلمية من أجل تطوير ظروف بيئة العمل المثالية في حدوث ارتباك في أول الأمر، وبعد ذلك تحقق نوع من الإدراك بأن العمل لا يمكن قياسه موضوعيًّا؛ لأن عملية القياس ذاتها غَيَّرت من التجربة ومن ثم من الأشخاص الخاضعين للقياس. بعد ذلك نتج عن «تأثير هووثورن»، كما أُطلق عليه، سلسلة كاملة من التجارب ذات الصلة التي تمكنت في النهاية من إقناع جنرال إلكتريك أولًا ثم بعد ذلك قطاعات بأكملها من الإدارة الأمريكية بأن العمال لا يتحفزون تحفيزًا يعتمد على العقل والمنطق وإنما بالقانون والنظام، وأن ثقافتهم تركز على الجماعة لا الفرد.
📖
المثير للجدل أن نماذج القيادة المتعاقبة تلك — أولًا، النموذج «المعياري» لكارليل في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، تبعه بعد ذلك النموذج «العقلاني/العلمي» لتايلور وفورد في العقدين الأولين من القرن العشرين، اللذين تعرضا للتبديل بدورهما بالعودة إلى النموذج «المعياري» لتجارب هووثورن التي ترسخت في منهج «العلاقات الإنسانية» في الثلاثينيات والأربعينيات — تعكس ظاهرتين أكثر شمولًا: الأولى؛ الدورات الاقتصادية للحقبة الزمنية، والأخرى: النماذج السياسية للحقبة الزمنية. كانت الدورات الاقتصادية المذكورة هي حجر الأساس لنظرية كوندراتييف الجدلية عن الموجات الاقتصادية الطويلة، في حين لم تكن الدورات السياسية على نفس القدر من الجدلية بل كانت أكثر إثارة للاهتمام؛ لأنه من غير المرجح أن تكون الصناعة قد عزلت نفسها عن النهضة العالمية للحركات الشعبية الشيوعية والفاشية في أواخر العشرينيات والثلاثينيات، بل من المرجح أكثر أن نماذج القيادة التي تجسدت في هذه الحركات انعكست على الصناعة من خلال روح العصر التي كانت ذات معنى في ذلك الوقت. بعبارة أخرى، في حقبة كانت فيها الحركات السياسية الكبرى تتحرك طبقًا للانصياع للإرادة الجماعية — ولكنها ظهرت في شكل ولاء تام لزعيم الحزب — وكانت هذه الحركات بارزة للغاية، كان من الطبيعي أن نزعم بأن الطريقة المثلى لقيادة مؤسسة صناعية هي أن تعكس هذا الافتراض: يجب أن يكون العمل معياريًّا بدلًا من أن يكون منظمًا بطريقة عقلانية، من خلال مجموعات يقودها قادة يجسدون كقدوة يحتذى بها الرغبات الجلية نفسها التي تعتنقها الجماهير.
📖
القيادة
القيادة متزايدة العقلانية بمرور الزمن
 📖

القيادة الحديثة

بمجرد انتهاء الحرب العالمية الثانية وعودة الازدهار الاقتصادي، تحول النموذج الذي بدأ في السيطرة على الغرب مرة أخرى من العقيدة المعيارية للجماهير والأبطال — التي عكست قوة الشيوعية الفاشية — إلى عقيدة يهيمن عليها التحليل العقلاني للوضع؛ أي منهج علمي يعزز من القدرات الحربية للمنتصر، وهو الولايات المتحدة الأمريكية، وهو المنهج الراسخ في ثقافتها الفردية. بهذا، شهدنا بأعيننا نهضة حركة إثبات الذات الأمريكية، التي ظهرت جلية بشكل خاص في «هرم الاحتياجات» لماسلو، الذي أكد أن القادة عليهم أن يفهموا احتياجات الصحة والأمن لأتباعهم قبل أن يركز أتباعهم على احتياجات «أعلى»، وفي تخلص ماكجريجور من «النظرية س» (البشر أنانيون، لذا يمكنك قيادتهم عن طريق السيطرة عليهم) ووضعه «النظرية ص» (البشر متعاونون، لذا يمكنك قيادتهم عن طريق تشجيعهم) بدلًا منها.
 📖

جاء التحرك بعيدًا عن المعايير والعودة مرة أخرى إلى الفهم العقلاني للسياقات بعد الانتقادات المتزايدة للسمات البشرية وكذلك أعمال جامعة ميشجن ودراسات ولاية أوهايو، حيث قدمت الأخيرة إطار عمل للتطور الجذري: نظرية الاحتمالية. تحت الغطاء العام الذي وفرته نظرية الاحتمالية، تلقى الضعف النظري الخاص بالاعتماد على قائمة لانهائية محتملة من الخصال وجاذبية البشر الخارقين — ظاهريًّا — ضربة أصابته بالشلل، ومنذ ذلك الحين، لم يصبح الأمر المهم هو وجود قائد جذاب ليقود مجموعة الأتباع المغرمين به، بل وجود استيعاب عقلاني للموقف والاستجابة له بالشكل الصحيح: الجدل الذي تناولناه في الفصل السابق.

📖

منذ الأيام الأولى التي ظهر فيها منهج الاحتمالية هذا، «تطورنا» عن طريق العودة إلى أهمية وجود قادة يعملون ﺑ «الثقافات القوية» (المعيارية) المفضلة لدى كل من بيترز وووترمان، ثم إلى التدريس (العقلاني) لإعادة هندسة ثورة التسعينيات، وأخيرًا العمل على التطور المعاصر لنظريات القيادة الانتقالية والملهمة التي شوهها ظهور الإرهاب، والاحترار العالمي، و«أزمة الائتمان»، والتعصب الديني والسياسي. تسببت هذه التحولات في ظهور الإدارة العامة الحديثة في الثمانينيات والتسعينيات، التي بسببها — على سبيل المثال — تحول القطاع العام البريطاني ظاهريًّا من كونه تنينًا كسولًا وبيروقراطيًّا إلى مزود خدمات نشط عن طريق التوغل في السوق وضبط الأهداف وإدارة الأداء.
إلى جانب الاهتمام بأهمية الذكاء الانفعالي، وقيادة الهوية، وتنمية الرؤى والأهداف الملهمة، يبدو أن هذا الأمر قد ضمن عودة أساليب الخصال المعيارية الأصلية: يبدو أننا قد تقدمنا نحو الماضي، هذا لأننا قد (عدنا) مؤخرًا إلى كوننا عبيدًا للأفراد الملهمين، الذين حباهم الله بقائمة طويلة من المهارات الأساسية التي قد يمتلكها القادة المعاصرون، والتي يُحكم عليها بأنها المسئولة عن النتائج الكارثية.
 📖📖📖

 

دراسات القيادة الحديثة – كتاب: القيادة مقدمة قصيرة جدًّا
تأليف: كيث جرينت – ترجمة: حسين التلاوي – مراجعة: هاني فتحي سليمان – مؤسسة هنداوي

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: Content is protected !!
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock