علم النفس

الفضول والإقناع إثارة فضولهم أولًا كما ينبغي

عند الحديث عن مشاعر الإقناع، فإن الفضول يأتي على قمتها. غالبية كتب المبيعات والإقناع ستقول لك إن الألم والمتعة هما المشاعر الأساسية، لكنها لم تصب بذلك إلا جانبًا من الحقيقة؛ فأنت لا تستطيع أن تتحرك إزاء الألم أو المتعة إلا إذا شعرتَ بـالفضول أولًا لمعرفة ما إذا كان هناك سعر أقل من أقل سعر، أو سعر أعلى من أعلى سعر. والفضول هو أول شعور نتعلمه، فهو الأساس الذي بُنِيت عليه كلُّ معرفتنا وخبراتنا الحالية. والفضول هو الدافع للتغيير.

الفضول إثارة فضولهم أولًا كما ينبغي

في كثير من الأحيان يكون السبب وراء عدم اقتناع الناس هو عدم إثارة فضولهم أولًا كما ينبغي. عليك أن تدرك أنه لا يوجد سبب لتغيير الناس رأيَهم الحالي عن أي شيء إلا إذا أصبح لديهم فضولٌ بشأن الاختيارات الأخرى التي قد تكون موجودةً. هذا وتُعتبَر الأسئلة من أفضل الأدوات لإثارةِ مستوياتٍ مرتفعةٍ من الفضول، وتسمح لك الأسئلةُ أيضًا بإرشاد الناس إلى الاستنتاجات التي تريدها.

إذا كنتَ تريد إقناع الناس بعمق، فعليك أولًا معرفة ما الذي يثير فضولهم. ما الذي سيجعلهم حتى يفكِّرون في احتمال خطأ رأيهم أو عدم فعاليته؟ والأهم من هذا، كيف سيعرفون أنهم قد اتخذوا قرارًا جيدًا؟ بمجرد معرفة هذين الأمرين، تصبح متقدِّمًا على كل منافسيك.

من أوائل الأسئلة التي أطرحها لإقناع شخصٍ ما إحدى صيغ السؤال التالي: «ما تعريفك للنجاح؟ أو كيف تعرف أنك حقَّقْتَه؟» لكل شخصٍ نتيجةٌ لا بد أن تتحقَّق من جرَّاء أي قرار يتخذه، وغالبية الأشخاص الذين لا يتخذون قراراتٍ، يفعلون ذلك لأنهم يجهلون تمامًا الكيفية التي سيعرفون بها أنهم نجحوا حين يحقِّقون النجاح. إن الأمر المثير للاهتمام حقًّا فيما يتعلَّق بهذا السؤال أنه يجعل الناس فضوليين للغاية لأنهم نادرًا ما فكروا في إجابته. وهذه الفجوة التي يضطرون خلالها للتفكير تتطلَّب أن يصبحوا فضوليين؛ حينئذٍ، يجب أن يطرحوا على أنفسهم أسئلةً ويتوصلوا لإجاباتها. وبالنسبة إليك، يكون هذا أفضل وقت تطرح فيه أفكارًا جديدة؛ لأنهم بالفعل في حالة من الفضول الذهني. لا يمكنني التأكيد بما يكفي على مدى أهمية أن تدفع أي شخص تحاول إقناعه لأنْ يحدِّد الكيفية التي سيعرف بها أنه «قد نجح».

 

إن أول وأبسط شعور نكتشفه في العقل البشري هو الفضول.

إدموند بيرك

 

يؤدِّي سؤال «كيف تعرف» إلى قلب المعايير التي توجد لدى الناس عن المنتج أو الخدمة أو حتى الفكرة التي يحصلون عليها؛ فعندما تدفع الناس إلى وصف ما يريدونه وصفًا دقيقًا، تكون قد قطعتَ نصف الطريق نحو الإجابة عن سؤال «كيف ستعرف عندما تحقِّق النجاح؟» أما الجزء الثاني من العملية، فيتمثَّل في جعلهم يخبرونك كيف سيعرفون أن قرارهم كان صائبًا. فمن المهم أن تعرف كيف سيدركون أنهم قد اتخذوا القرار الصحيح؛ لكي تتأكَّد أن الحل الذي ترشدهم إليه هو الذي سيظلون مقتنعين به.

يوجد عديدٌ من الطرق لإثارة الفضول ودعمه؛ فالإدلاء بعبارات استفزازية يبدأ في إثارة فضول الشخص الذي تقنعه. وقد تشتمل العبارات الاستفزازية على حقائق أو مزاعم مدهشة للغاية عن منتج أو خدمة أو مفهوم تناقشه؛ فعادةً عندما تُدلِي بتصريح مذهل، تجبر الناس على التفكير في موضوعك بطريقة جديدة. وإذا ساعدتَ شخصًا على صنع طريقة جديدة في التفكير، يكون الفضول والأسئلة أمرين حتميين. ومرةً أخرى، التصريحات التي تتطلَّب أسئلة تضع الأفراد في حالةٍ من الاحتياج إلى المزيد من المعلومات، فإذا تمكَّنْتَ من تهيئة نفسك على نحو جيد، فستصبح مصدرهم الأساسي للمعلومات.

يمكن للمعلومات التفصيلية أيضًا أن تثير الفضول الشديد؛ فعندما نتعرَّض لمعلومات جديدة لا نفهمها، يتعيَّن علينا البحث واتخاذ قرار. وخلال هذا الوقت، عندما تكون عقولنا مفتوحة، نكون أكثر قابليةً للتغيير. وفي هذه اللحظات، يكون من المناسب خلْقُ مستوًى جديد من الفضول بشأن معتقدات قديمة وحلول جديدة.

إن التساؤل المباشِر بشأن المزاعم والمعتقدات هو إحدى الطرق الفعَّالة في إثارة مستوًى مرتفع من الفضول. ومن أجل التساؤل بشأن المزاعم كما ينبغي، عليك استخدام قدر مناسب من اللباقة. يوجد فارق كبير بين التساؤل بشأن أحد المزاعم وبين الطعن فيه؛ فالطعن بطبيعته يميل إلى خلق صراع ويدفع الناس إلى الدخول في حالة دفاعية؛ أما التساؤل المباشِر، من ناحية أخرى، فإنه يشجِّع الناس على الحديث بصراحةٍ وشرح أفكارهم أو معتقداتهم. وعندما يتحدثون بصراحةٍ هكذا، يعطيك هذا الفرصة لطرح مزيدٍ من الأسئلة الذكية التي تهدف إلى دفعهم إلى إعادة التفكير في رأيهم، أو ربما حتى التشكُّك فيه. وكثير من الناس، عندما يتعرَّضون لتساؤل مباشِر، يعترفون بعدم معرفتهم بالضبط سببَ إيمانهم بشيءٍ ما، أو يعترف كلٌّ منهم باعتقاده في شيءٍ ما لاعتقاد والديه أو شريك حياته فيه. ومن خلال التساؤل المباشِر فقط تبدو صادقًا في رغبتك في التعلُّم بينما تجمع معلومات قيِّمة يمكنك استخدامها في الإقناع. تصبح لديك الفرصة أيضًا — من خلال اتجاه أسئلتك — في دفعهم إلى الوصول إلى تبنِّي وجهة نظرك أو التوصُّل إلى الخلاصة التي حدَّدْتَها مسبقًا.

كذلك من الطرق الأخرى لإثارة الفضول إسقاطُ بعض المعلومات من قصتك، لكن مع الإشارة إليها. فيُعَدُّ إسقاطُ بعض المعلومات لكن مع الإشارة إليها، أو إعطاءُ معلومات ثم الإشارة على الفور إلى أنك ستعطيهم معلوماتٍ إضافيةً عليها؛ أحدَ الأشكال الأخرى لأسلوب التساؤل المباشِر. فعندما نقدِّم فقط معلومات غير مكتملة، ندفع الأفراد إلى ملء الفراغات. وإذا سمحتَ لهم بملء الفراغات، فمن المهم إجراء اختبار للتأكُّد من أنهم قد ملئوها على نحو صحيح. وإذا أخطئوا أو لم يُثَرْ فضولهم وطرحوا عليك مزيدًا من الأسئلة، فعليك أن تعود لتعطيهم المعلومات حتى لا يرحلوا دون الحصول على القصة كاملة. فالغرض من فكرة الحذف هو أن تجعلهم يفكِّرون ويتساءلون. في الفصل الخامس الذي تحدَّثنا فيه عن سرد القصص، استخدمتُ هذه الطريقة بالضبط من أجل إثارة فضولك بشدة.

 

الفضول قتل القطة، لكن القناعة أعادَتْها للحياة.

يوجين أونيل

 

دَعْني أقدِّم لك كلمةَ سرٍّ خاصةً تثير فضول الناس على الفور؛ ما عليك إلا أن تسألهم عمَّا يثير فضولهم. احرصْ على استخدام كلمة «فضول» لأنها تتطلَّب منهم أن يصبحوا فضوليين على الفور عندما يتحتم عليهم التفكير فيما يثير فضولهم؛ فأنا عادةً أطرح السؤال: ما الشيء الوحيد الذي يثير فضولك حقًّا بشأن هذا المنتج أو الخدمة؟ لو أننا — أنا وأنت — كنَّا نجلس الآن وجهًا لوجه، لَكنتُ سأطرح عليك السؤال: ما أكثر شيء يثير فضولك بشأن الإقناع؟ ثم كنتُ سأنتظر إجابتك. وبمجرد أن تنتهي من الإجابة، كنت سأسألك عمَّا إذا كان يوجد شيء آخَر. إن هذا السؤال التالي البسيط يُعِيدك إلى عملية استجواب داخلية، وفي كثير من الأحيان، يكشف عن مزيدٍ من المعلومات.

أحد مفاتيح بناء طائفة فعَّالة هو أن يكون لديك كل الإجابات. ومن السهل للغاية أن يبدو أن لديك كلَّ الإجابات، عندما تتحكَّم في الأسئلة والفضول؛ فعندما ترسخ مكانتك كـخبير، تصبح لديك فرصةٌ كبيرة لتوجيه الأسئلة. من المنطقي أنك لن تطرح إلا نوعيةَ الأسئلة التي يمكن الإجابة عنها بالإيجاب عبر المنتج أو الخدمة التي تقدِّمها. داخل الطائفة، يتطلَّب كثيرٌ من هذه الأسئلة تفكيرًا عميقًا ودراسةً. وبالطبع إذا تحكَّمتَ في الأسئلة، فإنه يسهل عليك أيضًا التحكُّم في الإجابات والمصادر التي يستطيع المرءُ العثورَ على الإجابة فيها. وفي النهاية، داخل أي طائفة، أيُّ شيء لا يمكن تفسيره يتطلَّب الإيمانَ.

أما في العلاقات التجارية أو الشخصية، فأي شيء لا يمكن تفسيره يتطلَّب مزيدًا من الدراسة. وكلما زاد كمُّ الدراسة المطلوبة، زادت فرصتك في توجيه الاكتشاف. لماذا؟ الإجابة بسيطة للغاية؛ إن وقت الناس محدودٌ للغاية، ويريدون الحصول على التوجيه؛ فهم يحبون الشعور بـالفضول للحظة واحدة، لكنهم يريدون إرضاء فضولهم على الفور. وتسمح هذه الرغبة في إرضاء الفضول لديهم بالتمسُّك بأول حلٍّ منطقي يظهر أمامهم.

أفضل طرق التعرُّف على آلية عمل الفضول تتمثَّل في العلاقة بين الرجل والمرأة؛ فإذا أردتَ مواعَدةَ شخصٍ ما، فعليك أن تثير فضوله (أو فضولها). توجد لدى الناس رغبة فطرية في التعرُّف على الأشخاص الذين يبدون لهم غامضين؛ فمن شبه المستحيل ألَّا يحاولوا إماطةَ اللثام عن غموضك لمجرد إرضاء فضولهم. وإذا لم تفعل شيئًا خلال إجرائهم عمليةَ الاستكشاف، فإنهم سيكتشفون فقط ما يحتاجونه من أجل اتخاذ القرار. لكن إذا أَثَرْتَ فضولهم، فعليك أن تعطيهم إرشاداتٍ وبعضَ الإرضاء، واستبدِلْ هذا بمزيد من الغموض، فتخلق لديهم رغبة أكبر في المعرفة؛ فكلما زاد الوقت الذي يقضيه الناس معك (والتفكير فيك) زادت الألفة بينك وبينهم. فبدلًا من النظر إليك على أنك شخص يلاحقهم، يصبحون هم الذين يسعون وراء المعرفة. وعندما يُثار فضولهم، يصبح إقناعهم سهلًا.

يعرف أعضاء الطوائف ومعتادو التلاعب هذا الأمرَ ويستغلونه؛ فيجعلون اكتشافَ الحقيقة سهلًا، لكنَّ ذلك لا يحدث إلا عبر عمليةٍ تجعلهم يُحكِمون قبضتهم عليك أكثر فأكثر؛ إذ يسمحون لك بطرح أسئلة في البداية ويعطونك الإجابات التي تحتاج إليها، لكن في النهاية عندما تصبح أكثرَ شعورًا بالراحة، تتوقَّف عن طرح الأسئلة وتبدأ في الحكي. في هذه المرحلة يكونون قد حقَّقوا ما يريدونه، وحتى تنسحب عليك أن تبدأ في إعادة تقييم قراراتك. وإنْ لم تكن تشعر بفضول شديد، فعليك ألَّا تعيد فتحَ عملية طرح الأسئلة مرةً أخرى.

من أهم الأشياء التي عليك تذكُّرها؛ أن إثارة الفضول بهدف الفضول في حد ذاته قد تؤخر القرارات؛ فاحرصْ عندما تبدأ في إثارة الفضول على أن تكون لديك خطة تؤدِّي إلى وصول الشخص الذي تقنعه إلى المعلومات التي تريد منه اكتشافَها، وإلى القرارات التي تريده أن يتخذها. إن الهدف من إثارة الفضول بالنسبة إلى المُقنِع هو كَسْرُ قشرةِ المعتقدات الصلبة، وتغييرُ عادةِ عدم التفكير.

ملخص الفضول والإقناع

  • عليك أن تثير الفضول كلما استطعت؛ فالفضول هو الزيت الذي يسهِّل حركة عجلات التغيير.
  • من أجل إثارة الفضول عليك طَرْح أسئلةٍ جيدة؛ فعليك التساؤل مباشَرةً بشأن المزاعم والمعتقدات.
  • تذكَّرْ أنه عندما يكون الأشخاص فضوليين يصبح التغيير ممكنًا.
  • إن هدفك من إثارة الفضول هو توجيهُ عملية اكتشاف المعلومات الجديدة التي ستساعد الآخرين في اتخاذ القرار المنطقي الوحيد الممكن … وهو القرار الذي تريد منهم اتخاذه.

 

الفضول – الإقناع فن الفوز بما تريد

تأليف: ديف لاكاني | ترجمة: زينب عاطف | مراجعة: سارة عادل | مؤسسة هنداوي

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: Content is protected !!
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock