العقل في الإسلام
العقل في الإسلام

العقل في الإسلام – أصناف الناس في العقل

العقل في الإسلام – أصناف الناس في العقل

 

أَصْنَافُ الْنَّاسِ فِي الْعَقْلِ .

  قلت: الناس في العقل ثلاثة أصناف .

 الصنف الأول: غلو فيه ؛ وممن غلا فيه أهل الكلام .

تمثيل لما قيل:

المثال الأول:  الحكم بكفاية العقل , واستغنائه عن النقل , حيث جعلوه أصلا ,
و النقل فرعا , والنقل شاهداً , والعقل مشهوداً له .

 فما وافق العقل قبلوه  ؛ وما خالف العقل ردوه  .

وهذا غير صحيح ؛ لأن ذلك إنكار للنبوة .

 قَالَ تَعَالَى:{ رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ
وَكَانَ اللّهُ عَزِيزاً حَكِيماً}
[النساء: ١٦٥]

 فلا تقوم  الحجة إلا بالرسل ؛ لا بمجرد وجودالعقل.

 المثال الثاني: من الغلو ؛ استخدام العقل فيما لا يدرك إلا بالنقل .

  كالغيبيات , والعقائد , والشرائع , والأحكام , وغيرها ممالا مجال للعقل , والقياس , والذكاء فيه .

وهذا ما وقع فيه الخلف , وحذر منه السلف .

 المثال الثالث: من الغلو ؛ دعوى إلغاء العقل  ؛ إن لم يستخدم فيما لايدرك إلا بالنقل.

 وهذا غير صحيح  ؛ لأن إلغائه يعني إهماله , والسلف أعملوه فيما يدركه بنفسه كالمعقولات.

وأتبعوه للواسطة فيما لايدركه إلابواسطة كالمحسوسات والغيبيات.  

 وهذه الحكمة ؛ وهي وضع الشيء في موضعه ؛ لأن أهل السنة مجمعون على أنه لا تكليف إلا بالعقل , ولا يتدبر القرآن إلا بالعقل ؛ فلم يلغوه  .

          وإنما منعوا من استخدام العقل  فيما لا يدركه بنفسه وطلبوا له الواسطة التي يتوسط بها  لمعرفة الغيب وهي الوحي لأن العقل أمر باتباعه ونهي عن اتباع غيره .

 قَالَ تَعَالَى:{ اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ} [الأعراف: ٣]

وضمن للعقل , أن لا يضل ؛ إذا اتبع النقل .

  قَالَ تَعَالَى:{ فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى} [طه: ١٢٣]

 وعن جابر tقال سمعت: رسول الله rيقول ( وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ كِتَابُ اللَّهِ  ) رواه مسلم

 وَعَنْ مَالِك أَنَّهُ بَلَغَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r قَالَ:( تَرَكْتُ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ) أخرجه مالك مرسلا والحاكم مسندا وصححه عن أبي هريرة وحسنه الألباني.

  وكتب على العقل أن يضل إذا اتبع غير النقل . قَالَ تَعَالَى:{ وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَّرِيدٍ{3} كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَن تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ} [الحج: ٣ – ٤]

المثال الرابع: من الغلو ؛ معارضة النقل بالعقل .

 وهذا غير صحيح إذ لا تعارض بينهما لأمرين :

 أحدهما : أن النقل شرع الله , والعقل خلقه؛ ولا يتعارض خلقه , وشرعه .

 ثانيهما: أن  القصور شيء , والمعارضة شيء  ؛ فالعقل يكون قاصراً عاجزاً . عن إدراك ما في النقل ؛ كإدراك ما في الحياة الأخروية .

 و لا يمكن أن يكون العقل معارضاً للنقل ؛ لعدم توفر شروط صحة المعارضة في العقل كما مر.

             المثال الخامس: من الغلو ؛ دعوى تصديق النقل للعقل .

وهذا غير صحيح ؛ فالعقل هو الذي يصدق النقل ؛ لأنه آلة للنظر فيه .

والنظر سبب لمعرفة صدق النقل ؛  ولأنه تابع , وليس متبوعاً .

المثال السادس:عدم التفريق بين ما يدركه العقل بنفسه , وما  يدركه بواسطة . وما يستحيل على العقل  ؛ وما يحار فيه العقل.

 وهذا غير صحيح ؛ فالنقل لا يأتي بما يستحيل على العقول , وإنما يأتي بما تحار فيه العقول.

لأن النقل شرع الله  , والعقل خلق الله  ؛فلا يتعارض خلقه , وشرعه .

 المثال السابع:  من الغلو .

 جعل العجز عن إدراك الشيء إنكاراً له .

 وهذا غير صحيح  ؛ لأن العقل لا ينكر ما في النقل ؛ لكنه قد يعجز فلا يدركه؛

 لأن النبوة طور أعلى من طور العقل ؛ فيدرك بالنبوة مالا يدرك بالعقل .

العقل في الإسلام
العقل في الإسلام

الصنف الثاني: أهملوه .

 وممن أهمله أهل التصوف , وأهل الظاهر  , وإن طلبت من يشهد ؛ فكتبهم على البسيطة تشهد .

قَالَ تَعَالَى:{يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُواْ يُبْصِرُونَ }[هود20 ]

تمثيل لما قيل:

المثال الأول: من إهماله ,وعدم الإلتفات إليه أو الإعتماد عليه .

 استبداله بالذوق والرؤى والكشف والأحلام و المنامات ودعوى الأخذ عن الله مباشرة وأقوال أهل المقامات من أهل التصوف الذين جاءوا بما لا يصدقه نقل , ولا يقبله عقل .

 كقول غمض عينيك وامش  , وبأن الولي أعلم من النبي , وأن طاعة الأستاذ فوق طاعة الله  , و أن كل شيء هو الله , وكاستحلال ما حرم الله , وتحريم ما أحل الله  , وإصدار الأحكام على الباطن لا على الظاهر .

 وكقولهم في آداب المريد ؛ أي الطالب كن بين يدي الشيخ كالميت بين يدي المغسل , ولا تعترض فتنطرد , ومن قال لشيخه لما لا يفلح .

 وغيرها  مما فيه انقياد أعمى ” وليتم تعطيل العقل ألزموا المريدين بلباس معين  , ومشية معينة , وشيخ معين , وطريقة معينة راجع ردود رب العالمين على دعاوى المتصوفين لمقيده عفا الله عنه   

 المثال الثاني:من إهماله وعدم الإلتفات إليه ، أو الإعتماد عليه ؛ استبداله بظاهر النصوص ؛ دون النظر إلى الأسباب , والعلل , والقياس .

كما فعل أهل الظاهر ؛ الذين جاءوا بما لا يصدقه نقل  , ولا يقبله عقل ؛كأخذهم بظاهر حديث أبي هريرةt:

 ( لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ الَّذِي لَا يَجْرِي ثُمَّ يَغْتَسِلُ فِيهِ)  .

فقالوا:  لو بال في إناء ثم صبه في الماء الدائم لكان جائزا ؛ لأن ظاهر النص نهى عن البول فيه مباشره ؛ فلا يشمله ذلك  , وغيره كثير مما عطل فيه العقل ورد بِهِ النقل . 

الصنف الثالث: وسط بينهما ؛ فلم يهمله
ولم يغلُ فيه

 وهم أهل السنة  .

تمثيل لما قيل:

المثال الأول: للتوسط .

 إنزال العقل المنزلة التي أنزله النقل ؛ فلم يهملوه وعنها لم يرفعوه ؛لأنه خلقه , والنقل شرعه .  

أجمع أهل السنة أنه لا تكليف إلا بالعقل ؛ كما دل عليه النقل . عَنْ عَلِيٍّ :عَنْ النَّبِيِّ قَالَ (رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ عَنْ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ وَعَنْ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ وَعَنْ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ )رواه أبو داود وصححه الألباني

وأنه لا فهم , ولا تدبر إلا بالعقل كما دل عليه النقل .

  قَالَ تَعَالَى:{ كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ} [ص: ٢٩]

  وأن العقل حجة مع النقل  فيما يدركه بنفسه كالبر.

 قَالَ تَعَالَى:{ أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} [البقرة: ٤٤]

 وليس بحجة فيما لا يدركه إلا بواسطة إن ترك الواسطة كالتحليل .

 قَالَ تَعَالَى:{ وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءنَا وَاللّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء أَتَقُولُونَ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} [الأعراف: ٢٨]

 المثال الثاني: للتوسط .

أنهم لم يهملوا العقل , ولم يستغنوا به عن النقل ؛ فجعلوا الدليل النقل , والعقل آلة للنظر في النقل .

المثال الثالث: للتوسط .

لم يهملوا العقل , وجعلوه تابعاً للنقل .

  قَالَ تَعَالَى:{ أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً} [النساء: ٨٢]

 المثال الرابع: للتوسط .

لم يهملوا العقل  ، ولم يعارضوا به النقل .

لأنهم فرقوا بين ما يدركه العقل بنفسه كالمعقولات وما لايدركه إلا بواسطة كالمحسوسات والغيبيات وفرقوا بين ما يستحيل على العقول  , وما تحار فيه العقول .

  وفرقوا بين عجز العقل عن إدراك مالا يدرك إلا بالنقل , وإنكاره له  .

    فالعقل قد يعجز ؛ ولكنه لا ينكر ؛ لأن النبوة طور فوق طور العقل .

 المثال الخامس: للتوسط .

لم يهملوا العقل ؛ وجعلوه شاهداً ومصدقاً للنقل .

قَالَ تَعَالَى:{ وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي
إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ}
[سبأ: ٦]

 

المصدر : الحكم العدل لتقديم العقل
لـ محمد بن أحمد بن محمد العماري

اقرأ ايضًا : أعمال العقل في القرآن الكريم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: Content is protected !!