الرحلة في طلب العلم واستملاء الحديث
الرحلة في طلب العلم

الرحلة في طلب العلم واستملاء الحديث

عُني المسلمون عناية كبيرة بالرحلة في سبيل العلم من دين وأدب، وخصوصًا حين تفرق الأئمة من العلماء والقراء في الأقطار الإسلامية النائية بعد أن اتسعت رقعة ديار الإسلام. قال عبد الله بن المبارك الإمام الرحَّالة المحدث الثقة : دوَّخت العلماء وعاينت الرجال بالشامات والعراقين والحجاز فلم أجد الأدب إلا مع ثلاثة؛ ابن عون غريزته الأدب، وعبد العزيز بن أبي رواد متكلف الأدب، ووهب المكيِّ كأنه وُلد مع أدب، وكانوا يرحلون في طلب الأدب والحديث النبوي قبل تدوينهما في الكتب وبعد تدوينهما، لما في الرحلة من فوائد الاطلاع على أحوال الدنيا ومعرفة أوضاع الشعوب الإسلامية وغيرها وتقاليدها وتوسيع الثقافة العامة.

قال الذهبي عن الرحلة في طلب العلم

  • قال ابن إسحق سمعت مكحولًا يقول: طفت الأرض في طلب العلم، وروى أبو وهب عن مكحول أنه قال: عُتقت بمصر فلم أدع بها علمًا إلا حويته فيما أرى، ثم أتيت العراق ثم المدينة فلم أدع بها علمًا إلا حويته، ثم أتيت الشام فغربلتها. ومكحول هذا هو عالم أهل الشام، وهو أبو عبد الله بن أبي مسلم الهذلي مولاهم، وكان فقيهًا أديبًا محدثًا، كان مولًى لامرأة من هذأيل، وأصله من أهل كابل، تُوفِّي سنة . وقال الذهبي أيضًا: قال أبو الزناد عبد الله بن ذكوان القرشي كنا نطوف مع الزهري «محمد بن مسلم القرشي» على العلماء ومعه الألواح والصحف يكتب كل ما يسمع. وقال سعيد بن المسيب: إني كنت أسير اللياليَ والأيام في طلب الحديث الواحد. وروى أبو صالح عن الليث بن سعد : ما رأيت عالمًا أجمع من الزهري يحدِّث في الترغيب فنقول لا يحسن إلا هذا، وإن حدَّث عن العرب والأنساب قلنا لا يحسن إلا هذا، وإن حدَّث عن القرآن والسنة كذلك. وقال الذهبي أيضًا: قال أبو الطيب الطبري: رحلت قاصدًا إلى أبي بكر وهو حيٌّ فمات قبل أن ألقاه. قال حمزة: وسمعته يقول: لما ورد نعيُ محمد بن أيوب الرازي بكيت وصرخت ومزَّقت القميص ووضعت التراب على رأسي، فاجتمع أهلي عليَّ وقالوا ما أخبارك؟ قلت: نُعي إليَّ محمد بن أيوب ومنعتموني الارتحال إليه. قال فسلَّوْني وأذنوا لي في الخروج وأصحبوني خاليَ إلى الحسين بن سفيان، ولم يكن ها هنا شعرة، وأشار إلى وجهه، وأبو بكر هذا هو أحمد بن إبراهيم الإسماعيلي الذي قال عنه الحاكم: كان الإسماعيلي واحد عصره وشيخ المحدثين والفقهاء، مات سنة.

 

فهذه الروايات وكثير غيرها في كتب الأدب والتاريخ والفقه تدلنا على شدة اهتمام السلف بالارتحال في طلب العلم من بلد إلى آخر، وخصوصًا فيما يتعلق بالسنة النبوية وجمعها، خوفًا من الكذَّابين والوضَّاعين، والزنادقة المارقين.

قال ابن السمعاني في معرض حديثه عن تتبُّع الأسانيد

«وألفاظ رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لا بد لها من النقل، ولا تُعرف صحتها إلا بالإسناد الصحيح، والصحة في الإسناد لا تُعرف إلا برواية الثقة عن الثقة والعدل عن العدل. وقد رُوي عن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي بن الحسين عن أبيه عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أنه قال: إذا كتبتم الحديث فاكتبوه بإسناده، فإن يك حقًّا كنتم شركاء في الأجر، وإن يك باطلًا كان وزره عليه. وقال ابن سيرين: كانوا في الدهر الأول لا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة سألوا عن الإسناد لكي يأخذوا حديث أهل السنة ويدَعوا حديث أهل البدعة. وقال ابن المبارك: الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء. وقال عبدان: ذكر هذا عند ذكر الزنادقة وما يضعون من الأحاديث..

وقد كانت للعلماء ولطلاب العلم في أخْذ الحديث النبوي الشريف عن الشيوخ طرق عديدة:

  • منها: أن يملي الشيخ فيسمعه الطالب أو يكتبه في دفتره الخاص.
  • ومنها: أن يقرأ الطالب على الشيخ الحديث فيقره على ما يقرأ.
  • ومنها: أن يقرأ قارئ الحديث، والشيخ والطالب يسمعان منه.
  • ومنها: أن يعرض الطالب على الشيخ كتابًا مكتوبًا فيخبره الشيخ بروايته.
  • ومنها: أن يكتب الطالب إلى الشيخ كتابًا من بلده يستجيزه رواية الحديث فيجيزه.

 

  • وأفضل هذه الطرق أن يملي الشيخ ويكتب الطالب، وأسوأها أن يعرض الطالب على الشيخ كتابًا فيجيزه بروايته دون أن يقرأ عليه منه شيئًا، وذهب بعض العلماء إلى عدم جواز هذه الإجازة؛ قال شعبة: لو صحت الإجازة لبطلت الرحلة.
  • وقد وُجد في التابعين ومن بعدهم جماعات يعقدون المجلس للإملاء والاستملاء، وكان الناس يرحلون إليهم من أقصى ديار الإسلام، أمثال شعبة بن الحجاج، ووكيع بن الجراح، وأبي حنيفة، والشافعي، ومالك، وأحمد، ومحمد بن إسماعيل البخاري، وكانت هذه الحلقات العلمية تتسع بشكل عجيب، وربما بلغ عدد الطلاب الألوف؛ فيُضطَر الشيخ أن يستعين بالمبلغين عنه والمستملين منه ليبلغوا عنه. وقد وردت روايات عجيبة عن كثرة طلاب بعض الشيوخ الأجلاء؛ فقد ذكر ابن السمعاني أن طلاب مجلس يزيد بن هارون كانوا سبعين ألفًا، وأن المعتصم وجَّه من يحرز مجلس عاصم بن علي بن عاصم في رحبة النخل التي في جامع الرصافة، وكان عاصم بن علي يجلس على سطح المسقطات وينتشر الناس في الرحبة وما يليها فيعظم الناس جدًّا في سمعته، يقول يومًا: «حدَّثنا الليث بن سعد.» ويستعاد قوله هذا، فأعاد أربع عشرة مرة، والناس لا يسمعون، قال: فكان هارون المستملي يركب نخلة معوَّجة ويستملي عليها، فبلغ المعتصم كثرة الجمع فأمر بحرزهم، فوجه بقطاعي الغنم فحرزوا المجلس عشرين ألفًا ومائة ألف. وقال صالح بن محمد البغدادي: كان محمد بن إسماعيل البخاري يجلس ببغداد، وكنت أستملي له، ويجتمع في مجلسه أكثر من عشرين ألفًا، وربما تعدَّد المستملون حتى يبلغوا المئات، ولمَّا ورد أبو بكر جعفر بن محمد الغريابي إلى بغداد استقبل بالطيارات والزبازب — وهما أنواع من السفن — ثم أوعد الناس له إلى شارع المنار بباب الكوفة ليسمعوا منه، فاجتمع الناس فحرز من حضر مجلسه لسماع الحديث فقيل نحو ثلاثين ألفًا، وكان المستملون ثلاثمائة وستة عشر. وروى القاضي أبو الحسن علي بن محمد البصري قال: كنا نجلس مجلس أبي إسحق إبراهيم بن علي الهجيمي للحديث، فكان يجلس على سطح أهله ويمتلئ شارع بلجهم بالناس الذين يحضرون للسماع، ويبلغ المستملون عن الهجيمي. قال البصري: وكنت أفوقه في السَّحَر فأجد الناس قد سبقوني وأخذوا مواضعهم، وحسب الموضع الذي يجلس فيه الناس وكُسِّر فوجد مقعد ثلاثين ألف رجل.

وبعد أن يورِد ابن السمعاني هذه الأخبار يعلِّق عليها بقوله

  • فرحم الله السلف الماضين، كان العلم مطلوبًا في زمانهم، والرغبات متوافرة، والجموع متكاثرة؛ فالآن خمدت ناره، وقل شراره، وكسد سوقه حتى سمعت أبا حفص عمر بن طفر المغازلي ببغداد يقول: فرغنا من إملاء الشيخ أبي الفضل بن يوسف نكتب فيها أسماء من حضر فما وجدنا.
  • وكما اشترط العلماء للفتيا والمناظرة شروطًا، كذلك اشترطوا للإملاء والاستملاء شروطًا أحصاها الإمام السمعاني وابن الصلاح العراقي ومن بعدهما من مؤلفي علوم مصطلح الحديث، وها نحن أولاء نوردها موجزة فيما يلي:
  • ينبغي للمحدث قبل بدايته بالإملاء أن يصلح هيئته، وأن يكون على أكمل هيئة وأفضل زينة اقتداءً بالنبي (صلى الله عليه وسلم)؛ فقد رُوي أنه كان له ثوبان ينسجان في بني النجار، فكان يقول عجِّلوا بهما علينا نتجمل بهما في الناس. وكان عمر بن الخطاب يقول: إنه ليعجبني أن أرى القارئ النظيف. وكان مالك بن أنس إذا أراد أن يجلس للحديث اغتسل وتبخَّر وتطيَّب ولبس أحسن ثيابه.
  • فإذا خرج من بيته إلى المجلس فليقصد في مشيه وليسلِّم على الناس، فإذا وصل إلى المجلس ابتدأ بإملائه، فإذا أتم المجلس عمد الطلاب معًا — أو الطلاب والشيخ — إلى معارضة ما كتبوا وإصلاح ما قد يكون وقع من الخطأ أو زاغ عنه القلم.

هذه هي آداب الشيخ المحدث. أما آداب الطالب فنوجزها بما يلي:

  • ينبغي لطالب العلم أن يبكِّر إلى مجلس الاستملاء لئلا يفوته شيء فيتعذر عليه تلافيه، وخصوصًا إذا كان الشيخ ممن يكرهون إعادة الحديث، كما رُوي عن سفيان بن عُيينة ويزيد بن هارون والأعمش؛ فقد رُوي أن رجلًا جاء الأعمش فرآه قد أتم درسه فقال له: يا أبا محمد، اكتريت حمارًا بنصف درهم وأتيت لأسألك عن حديث كذا وكذا. فقال له: اكْتَرِ بالنصف الثاني وارجع.
  • وينبغي أن يحرص على القرب من مجلس الشيخ إذا كان المجلس كثير الطلاب لئلا تفوته بعض الفوائد.

 

  • وينبغي عليه إذا حضر وغيره من الطلبة إلى دار الشيخ أو مجلسه وأذن لهم بالدخول أن يدخلوا مقدِّمين أسنهم وأفضلهم، فإذا دخلوا سلموا، ويجلس الواحد منهم حيث ينتهي به المجلس ولا يتخطى الرقاب، فإن استدناه الشيخ تقدَّم، وإن أكرمه بمخدة أو غيرها فلا يردها، ولا يقم أحد من مكانه، ولا يجلس وسط الحلقة ولا في صدر المجلس، ولا بين اثنين، ويجلس على ركبتيه ويبالغ في تعظيم أستاذه ويكنِّيه ولا يسمِّيه، ويقوم له ويقبِّل يده.

 

  • وينبغي أن يكون حسَن الاستماع والكتابة، وإذا شرع فيها كتب بالحبر دون المداد؛ لأن السواد أصبغ الألوان وأبقاها، ويحضر أدوات الكتابة من ورق ومحبرة وأقلام ومقلمة وسكين. وتُكره الكتابة على ما ليس طاهرًا نظيفًا، وتجوز على الجلد والخزف والألواح. ويحسِّن خطه، ويتقن كتابته. هذه هي آداب الطالب.

أما آداب المستملي فنوجزها بما يلي:

  • ينبغي أن يكون فصيحًا جهوري الصوت واضح البيان حسن العبارة، يستطيع أن يبلغ كلام الشيخ إلى البعيد عنه بأمانة وفصاحة وصوت مسموع، كما ينبغي أن لا يكون بليدًا مغفلًا، كما يُحكى عن بعض المستملين، ومنهم مستملي يزيد بن هارون؛ فإنه قال يومًا: «حدثنا به عدة.» فصاح المستملي: «يا أبا خالد، عدة ابن مَنْ؟» فقال يزيد: «عدة ابن فَقَدْتُك.» وينبغي أن لا يكون ثقيل الظل، ولا متحذلقًا، ولا ثرثارًا، وأن يقعد على مكانٍ عالٍ مرتفع، فإن لم يجده وقف.

 

  • وقد كره بعض القدماء هذه الوظيفة وربما هاجموا صاحبها، وكان شعبة يقول: لا يستملى إلا سفلة أو نذل. وقال ابن عيينة: إن لكل قوم غوغاء، وغوغاء المحدِّثين المسمِّعون. ومما اشترطوه أيضًا في المستملي أن يكون ممن عرف الحديث وأنس به، وإذا كثر الزحام كثر المستملون. ولما حدَّث أبو مسلم الكجي في رحبة غسان كان في مجلسه سبعة مستملين يبلغ كل واحد منهم صاحبه الذي يليه، وكتب الناس عنه قيامًا بأيديهم المحابر. وأول واجبات المستملي أن يستنصت الناس، وأن يقرأ سورة من القرآن، ثم يقول للشيخ «من حدَّثك رحمك الله؟» أو «من ذكرت رحمك الله أو رضي الله عنك؟» ثم يبدأ الشيخ بالإملاء. قال يحي بن أكثم: جالست الخلفاء وناظرت العلماء، وتقلدت الوزارة مرتين وأنا في هذا الوقت قاضي القضاة، فما سُررت بشيء قط سروري بقول المستملي: «من ذكرتَ رضي الله عنك؟» فإذا سرد المملي الحديث، أعاد المستملي قوله كلمة كلمة محاكيًا ألفاظ الشيخ، فإذا فرغ الشيخ ودعا للحاضرين دعا المستملي مثل دعائه للحاضرين ولنفسه.
  • وقد كانت الرحلة في طلب العلم واستملاء الحديث منتشرة في كافة أرجاء مملكة الإسلام، وكانت قبلة الناس في القرن الأول هي المدينة ومكة والحجاز بصورة عامة. وقد ظل هذا الاتجاه معمولًا به في العصر الأُموي على الرغم من انتقال العاصمة إلى دمشق ووفود العلماء إليها؛ لأن الحجاز ظل طوال ذلك القرن هو العاصمة الروحية للإسلام. وما جاء القرن الثاني للهجرة حتى أخذت الرحلات تتنوع إلى ديار الإسلام الأخرى؛ لأن قسمًا كبيرًا من أهل الحجاز والمسلمين الأولين في الجزيرة أخذوا يستوطنون البلاد المفتوحة ويستقرون فيها، كالفسطاط ودمشق والبصرة والكوفة وبغداد ومدن المشرق. وكان طلاب العلم في الأندلس والمغرب على الرغم من نبوغ جمهرة كبيرة منهم في ديارهم، فإنهم كانوا يرحلون إلى المشرق في سبيل طلب العلم والحديث إلى مصر والحجاز خاصةً؛ فإن الحلقات العلمية في مساجد ديارهم لم تكن لتشبع نهمهم العلمي؛ فقد كانت مصر بمساجدها وحلقاتها منذ القرن الأول من مراكز الثقافة الإسلامية الكبرى؛ ظهر فيها الشافعي وانتشر فيها مذهب مالك إمام أهل المدينة. وأما الحجاز فهي مهبط الوحي، وقد نبغ فيها المئات من الأئمة والفقهاء والمحدِّثين والأدباء، وعلى رأسهم الإمام مالك، وقد اتصل المغاربة والأندلسيون بمالك وتلاميذه في الحجاز ومصر، فأحبوا مذهبه واعتنقوا طريقته وتحمَّسوا له واختصوا به. قال ابن خلدون: وأما مالك فاختص بمذهبه أهل المغرب والأندلس لما أن رحلتهم كانت غالبًا إلى الحجاز وهو منتهى سفرهم، والمدينة يومئذٍ دار العلم ومنها خرج إلى العراق، ولم يكن العراق في طريقهم، فاقتصروا على الأخذ من علماء المدينة وشيخهم يومئذٍ وإمامهم مالك وشيوخه من قبله وتلاميذه من بعده، فرجع إليه أهل المغرب والأندلس وقلدوه ممن لم تصل إلينا طريقته.
مقالات قد تعجبك:
الرحلة في طلب العلم كتاب: التربية والتعليم في الإسلام تأليف: محمد أسعد طلس
لتحميل الكتاب من الموقع الرسمي لمؤسسة هنداوي من هنا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: Content is protected !!