التاريخ

الدولة الصفوية السلطان شاه طهماسب الاول بداية ونهاية

ترك الشاه اسماعيل بعد وفاته 4 ابناء وهم (1. طهماسب ولد في 24 رجب سنة 919 هـ ، 1514م وكان يبلغ عشر سنوات حينما توفى والده) (2. القاص ميرزا الذي كان أصغر ثلاث سنوات من اخيه طهماسب) (3. سام ميرزا) (4. بهرام ميرزا) بعد ما توفي الشاه اسماعيل دعم الامراء واكابر الدولة الصفوية الامير طهماسب في جلوسه على سدة العرش ولم يكن السلطان الجديد قد بلغ اكثر من عشر سنوات فأودع امور البلاد الى جمع من الامراء وسادة القوم مما أدى ذلك الى التنافس والنزاع فيما بينهم هذا في الوقت الذي كان أعداء الدولة الصفوية يترقبون الفرص للانقضاض على هذه الدولة التي أرسى دعائمها وأحكم بنيانها الشاه اسماعيل .

الحرب مع الاوزبك

استغل خان الاوزبك عبيد الله الهرج والمرج الذي حل بعد وفاة الشاه اسماعيل فانساحوا الى ولاية خراسان واحتلوها وهزموا  الجيش المرسل من قبل الدولة الصفوية على سفوح جبال فيروز كوه بالقرب من هرات سنة 934هـ.

خرج الشاه طهماسب سنة 934هـ بنفسه على رأس جيش قوي متجها الى خراسان حيث تلاقى مع الجيش الاوزبكي بالقرب من مدينة (جام) في مكان يسمى زورآباد فالحق الجيش الصفوي هزيمة منكرة بالجيش الاوزبكي مجبرا اياه بالانسحاب ليس من خراسان فحسب بل ان الجيش الاوزبكي اضطر ان يترك هرات ايضا الا ان الحرب بقيت فيما بين الدولتين سجالاً بين كر وفر حتى سنة 939 هـ .

الحرب مع العثمانيين

بعد وفاة السلطان العثماني بايزيد الثاني (1512 – 1481) جلس على عرش السلطنة السلطان سليم الاول (1520 – 1512) وقد حقق واحرز السلطان الجديد فتوحات مهمة في العمق الاوربي وزلزل وارهب كل الدول والامارات المسيحية في اوربا.

وقد قام السلطان العثماني بهجومه على اذربيجان سنة 939هـ (1534م) وتقدم وتوغل في العمق الايراني حتى وصل الى مدينتي ابهر وسلطانية التاريخية ولكن بسبب هجوم البرد القارص اضطر ان  يأمر جيشه بالوقوف وتغيير منحى الهجوم نحو بغداد واحتلالها .

قام الشاه طهماسب بعد ذلك بالهجوم على اذربيجان واسترداد المدن التي دخلت تحت السيطرة التركية العثمانية.

في سنة 940 هـ رفع اخو الشاه سام ميرزا علم العصيان في وجه الشاه طهماسب ، وقام اخوه الاخر بالثورة ضد الشاه سنة 951 هـ واما أخوه القاص ميرزا فقد هرب والتجأ الى السلطان سليمان الاول (1566 – 1520) وشجع السلطان العثماني للهجوم على اذربيجان.

قام السلطان العثماني وهو يقود جيشا جرارا بالهجوم على اذربيجان فاحتل مدينة تبريز والتي كانت قد خرجت مؤخرا عن السيطرة العثمانية، وقام الامير الصفوي الثائر القاص ميرزا على رأس جيش قوامه 60,000 الف جندي بالهجوم على اصفهان لاحتلالها الا انه جوبه بمقاومة شديدة من الجنود التابعين للشاه طهماسب واجبروه على الانسحاب والتقهقر نحو بغداد.

وفي نهاية مطافه وقع الخلاف بينه وبين السلطان العثماني فانفصل الامير الصفوي متوجها الى منطقة كردستان غرب  ايران وهنالك تم القبض عليه من قبل جنود الشاه طهماسب فتم تقييده وارساله الى اصفهان حيث سجن ومن ثم توفي اثر ذلك بعد مكوثه سنة واحدة في السجن.

 استمرت المصادمات بين الدولة الصفوية والعثمانية في مناطق غرب ايران، ارمينيا ، شيروان ، جورجيا وفي سنة 966 للهجرة التجأ هذه المرة امير عثماني باسم بايزيد الى الشاه طهماسب فحبسه الشاه اول الامر ثم ارسله مخفورا الى ابيه وذلك سنة 968 للهجرة .

وقد توفي السلطان سليمان العثماني (974 هـ) (1566م) وجلس في مكانه السلطان سليم خان الثاني (1574 – 1566) فاختار السلطان الجديد الحل السلمي للصراع الموجود بين الدولتين وارسل السلطان العثماني رسولا الى الشاه طهماسب دليلا على حسن العلاقات والجوار. مرض الشاه طهماسب سنة 981هـ وتوفي اثر معاناته للمرض سنة 984 هـ (1576م ).

 

طهماسب
طهماسب

الاوضاع الاجتماعية في ايران

لم يستطيع الشاه طهماسب ان يسبغ على اوضاع الشعب الرفاهية والترقي الاقتصادي على الرغم من سلطنته الطويلة .

وبالمقابل وعلى العكس من اوضاع الشعب الذي لم يَرَ إلا البؤس فان طبقة “القزلباشية”  قد تحولت الى طبقة محتكرة تملك الاراضي والاموال، ورويدا رويدا بدأ تنظيم النظام المالي للدولة الصفوية حسب متطلبات مصلحة هؤلاء القزلباشية. وقد كانت هذه الطبقة تحتكر حتى الحرف والمهن ووظائف الدولة والأمور التجارية المختلفة مما اثقل كاهل الفقراء وزاد بذلك حالة الفقر والبؤس والحرمان بين الشعب .

العلاقات السياسية والاقتصادية مع دول شرق ايران مثل الصين وغيرها والتي بدأها الشاه اسماعيل كانت مستمرة.

وقد وصل المبعوث الانكليزي عن طريق اردبيل الى قزوين حاملا رسالة من الملكة اليزابيث وهدايا الى الشاه طهماسب  الا ان الشاه  لم يبدِ اهتماما كبيرا لسفراء الانكليز حيث رجعوا بعد ذلك حاملين معهم الحرير والاقمشة الثمينة الاخرى دون اجراء اي حوار او عقد اي اتفاق ثنائي .

بدأت حالات الفتن تظهر في المجتمع الصفوي الايراني بعد تزايد ثروات الحكام الجدد مثل القزلباشية ورؤساء العوائل والقبائل وشكلت هذه الشريحة التي كانت تتزايد ثرواتها يوما بعد يوم نوعاً من الإقطاعية الجديدة وقد استغلت هذه الشريحة احتكارها للزراعة والحرف المهمة. وعلى سبيل المثال فان عائلة من هذه العوائل المستغنية وهي عائلة ذو القدران في فارس  قيل في ثروة هذه العائلة بأن عدد الخدم والجنود لدى هذه العائلة كان يصل ”  الى 8000 شخص وكانت تحضر لهم 400 ماعون من لذّ وما طاب من المأكولات ”  وكان الشاه طهماسب لا يرد مطاليب حاشيته والمقربين منه حيث يقول ول ديواريت في هذا الصدد ان الشاه طهماسب كان جبانا ناقضا للعهود, ميالا للترف غير لائقٍ وان كان فنانا ماهرا.. ”  ويوجز ويل ديورانت (وهو المسيحي الديانة) رأيه في هذا السلطان والدولة الصفوية بقوله: لعل الشاه كان يتمتع بخصائل قد خفي عن التاريخ فالدولة الصفوية وان كان هدفها “تقوية دعائم الاسلام”!! الا انها كانت السبب في إضعاف الإسلام واندلاع 12 حربا وكانت سبباً في تقسيم الشرق الاسلامي من سنة 1508 إلى سنة 1638 الى معسكرين وافادت بذلك المسيحية اذ ان السلطان سليمان – القانوني – اضطر ان يوقف حملاته على الغرب ليوجه  عنان جيوشه صوب ايران “[1] .

ويصف حسن روملو مؤلف كتاب “احسن التواريخ” السلطان طهماسب بانه كان شخصا يتوجس الخوف من كل شيء وكان يرمي بقية طعامه الى الماء او الى النار، وكان يخصص يوما كاملا لقص أظافره ويوما آخر لحمامه  فيقضي اوقات يومه من الصباح الباكر حتى المغرب في الحمام[2] .

ويكتب سفير البندقية (فنيزي) والذي ورد ايران من اجل عقد معاهدة اتحاد مع الدولة الصفوية حول مظالم عمال ومستخدمي الشاه طهماسب حيث يقول ” يجتمع اصحاب المظالم في مقابل مقر الحكومة ليلا ونهارا وهم يشجون بالبكاء والعويل ليرد حقوقهم وقد يصل عددهم بعض المرات الى الالاف، وعندما يسمع الشاه باصوات رعاياه يأمر بتفريق المجتمعين. حيث يقول بانه (اي الشاه) قد اوكل الى القضاة وموظفي الدولة الصفوية بالنظر في مظالم الناس ومجازاة المجرمين. ولا يدرك بان شكاية الناس وصياحهم هو من القضاة والسلاطين الظلمة، وقد رأيت بأم عيني وكذلك شهد الناس كيف ان هذه الطغمة كانوا يقتلون الابرياء وان عدد الذين قتلوا بهذا الشكل وخلال ثماني سنوات يصل الى 10 الاف شخص كما هو مدون في سجل الدعاوي القانونية والشكاوي هذه الخروقات تحصل من قبل القضاة الجدد اذ ان هؤلاء القضاة لا يعين لهم رواتب ومخصصات مستمرة من سجل الحكومة لذا يتسلَمون الرشاوى وبما أنهم يرون إن السلطان لا يهتم بامور البلاد ووضع القضاء لذا فانهم يزيدون من قيمة الرشاوي  فتلاحظ ان الطرق وفي كافة ربوع البلاد غير امنة بل ان الشعب يحس بالخوف في عقر داره وممكن القول ان جميع القضاة تقريبا قد فسدوا بسبب تغررهم  بالمال .

ومن المؤلم ان نلاحظ امرا مهما في عهد الشاه طهماسب فعلى الرغم من العقل الخرافي والمظالم التي كانت تحصل في عهده الا انه كان هنالك قسم من الشعب يدينون له بالحب، هذه الظاهرة قد اثار التعجب لدى تاجر البندقية “دلساندري” وقد ذكر هذا السفير الاوربي ” انه كان هنالك من كان يمدح الشاه كمدحه للإله وهذه القدسية كانت نابعة من الاحترام الذي كان يوليه لآل علي فان ذكر اسم طهماسب كان له أثر أكبر عند الناس – حسب معتقدهم – في شفاء مرضاهم من اسم الرب. وكان يرسل الى الشاه النذور بعيد حصول احدهم على مراده. فمثلا كنت ترى احدهم ينذر بتقبيل ابواب الحكومة في قزوين اذا ما حصل على مراده “[3] .

وكان يعتقد بعضهم بكرامات سيدهم الكبير “الشاه” ويتبركون بماء وضوئه ويحتفظون بقطع من ملابس “الشاه” او “برقع” للوقاية من عين الحسود

هذه الحقائق المؤلمة توحي لنا كيف ان السلاطين الصفوية وبالاخص الشاه طهماسب كانوا يتخذون الدين وسيلة لخداع الشعب للتستر على مساوىء الحكومة وفضائحها.

كان الشاه طهماسب يدعي دائما انه كان يرى “صاحب الرسالة محمداً صلى الله عليه وسلم” والائمة واجداده  في المنام وانه يأخذ الالهام منهم !! ويستفيد من بركات انفاسهم القدسية وهو نفسه يبقى لشهور وايام ولا يغادر حريمه وقصره واذا وصلت اهات المظلومين الى سمعه امر بتفريقهم بالعصا والضرب وطردهم من ابواب الحكومة.

 لقد انتشرت بعض الطرق الدينية المنحرفة في زمن الشاه طهماسب مثل “النقطوية” التي كانت تؤمن بالحلولية وتبدل الجمادات والاحياء من شكل الى اخر وقد انتشرت هذه الفرقة في زمن الشاه طهماسب بشكل كبير اذ تمتعت هذه الفرقة بالحرية في نشر آرائها وبث فكرها وقد استطاع أتباع هذه الفرقة التغلغل في المناصب الحكومية المهمة.

 وقد برز منهم اشخاص مثل أبي القاسم وأبي تراب اللذين احتلا مناصب مهمة في الحكومة الصفوية .

مؤسس هذه الفرقة هو “محمود بسيخاني” من أهالي قرية بسيخان حيث اسس سنة 800هـ فرقة النقطوية وادعى المهدية بعد فترة وجيزة من ظهوره، هذه الفرقة استطاعت ان تجمع أتباعاً كثيرين ما بين القرنين 9-10 هـ سواء في ايران او في الهند وفي اسيا الصغرى.

وقد شرح  “محمود بسيخاني” اراءه في كتابه المسمى “الميزان” وآراؤه خليط من تعاليم الاسلام والافكار الخرافية وقد استطاعت هذه الفرقة تأسيس مراكز لها في مدن كاشان، شيراز، قزوين واصفهان.

        ولقد بدأ الشاه طهماسب بالقبض على المدعوين أبا تراب وأبا القاسم واللذين تغلغلا في حاشية الشاه فامر بحرمانهما من نعمة البصر وبدأ بذلك بمطاردة اتباع النقطوية والقبض على اتباعهم.

وفي اواخر حكم الشاه طهماسب ظهر شخص من اتباع النقطوية في مدينة كاشان فادعى الامامة وبدأ بحركته الا انه قد تم القضاء على هذه الحركة في مهدها.

وفي قزوين ظهر درويش باسم “خسروقزوين” وهو ايضا من اتباع النقطوية والتحق به اتباع كثيرون وقد استطاعت النقطوية كسب اناس كثيرين كان بينهم شعراء وادباء امثال سيد احمد كاشي ومولانا سليمان طيب ساوجى، كمال اقليدي، برياني، تراب وشريف املي ، وبسبب احتواء فكر النقطوية على الكثير من البدع والخرافات لذا فانها رويدا رويدا فقدت قوتها واضمحلت وانتهت.

وقد قتل “ الشاه عباس “ “حيث سنرى فيما بعد ” الكثير من اتباع النقطوية[4] والغريب انه اجلس احدهم باسم “يوسف تركش دوز” بدلا عنه على عرشه لمدة ثلاثة ايام  وبعد ذلك امر بقتله !! .

 

[1]  تاريخ الحضارة “دل ديورايت” ج20 ص99

[2] انظر كتاب ” تاريخ سياسي واجتماعي ايران ازمرك تيمور تامرك شاه عباس ” للكاتب  ابو القاسم طاهري ص 209

[3] رحلة تاجر البندقية في ايران نقلا من المصدر السابق ص 211.

[4]  للاستزادة حول النقطوية راجع كتاب “نقطويان اوبسيخانيان” من تأليف صادق كيا شهران 1320 وكتاب “دين ومذهب  در عصر صفوي” تأليف مريم احمدي تهران 1363 من ص 93 الى ص 99 وايضا انظر كتاب المؤلف الدكتور ثابتيان ”  اسناد و نامه‏هاى تاريخى و اجتماعى دوره صفويه ” دار نشر ابن ‏سينا، 1965.

 

مختصر تاريخ ملوك الدولة الصفوية لـ ناظم عبد الله سعيد

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: Content is protected !!
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock