علم النفس

التهيئة أداة الإقناع الخفية

التهيئة هي فعليًّا تجميع كل عناصر الشخصية معًا. إنها اللمسات الأخيرة في عرضك التقديمي الإجمالي، التي تدعم الفكرة التي يكوِّنها عنك أحدهم على الفور. إنها المجهود المقصود الذي تبذله واعيًا حتى يراك الآخَرون شخصًا واسعَ الاطلاع، ومتعاوِنًا، وملتزمًا وواثقًا من نفسك من نظرةٍ واحدةٍ. إنها قدرتك على تقديم شخصيتك بطريقةٍ تجعل أيَّ شخص لا يعرفك يتوصَّل إلى أكثر الاستنتاجات منطقيةً عنك وعن شخصيتك … وهذا الاستنتاج المنطقي يجب أن يتمثَّل في كونك شخصًا مُحتَرَمًا يمكن الوثوق به، ويمكن الاعتماد عليه في تقديم النصيحة.

تُعتبَر أخلاقك وسلوكياتك عاملًا رئيسيًّا في عملية الطرح. عندما يفكر الناس في الطرح، فإنهم كثيرًا ما يفكرون فعليًّا في التصنُّع. وثمة اختلاف حقيقي بين المصطلحين؛ فالتطبيق هو أن تضع نفسك بصدق وأخلاق في موضع قوة مع جمهورك، أما التصنُّع من ناحية أخرى فقد يكون مفتعلًا؛ فقد تتراجع عن الحالة أو تتقمصها مؤقتًا لترى رد فعل الناس عليها. كذلك فإنه يتسم قليلًا بتملُّق الآخَرين من أجل الحصول على ما تريد.

التهيئة بالملابس

عندما ترتدي ملابس مناسبة، وعندما تتحدث جيدًا وعندما تكون كيِّسًا في عرضك، فأنت تضع نفسك في شكل يراك فيه الآخَرون ويسمعونك. كذلك فإنك تجعل الآخَرين يقدِّرونك. لقد اخترتُ كلمة «يقدِّرونك» بعناية لأنها الكلمة الأنسب؛ فأنت تريد من كل شخص تقابله أن يستمع إليك ويحترم ما تريد قوله. إذا رأى الناس أنك تتصنَّع أو تتملَّقهم من أجل الحصول على شيء منهم، فإنهم سيتركونك على الفور. قد يتحدَّثون عنك فيما بعدُ، لكن هذا لن يكون كما تَأمُل على الإطلاق. مع هذا، عندما يحترمك الناس ويحترمون ما تريد أن تقوله، لن يكون أمامهم خيار إلا التفكير في الأمر واستعراضه على نحوٍ أعمق، فلا بد لهم من تقييم رسالتك من مكانٍ أعمق ليروا ما إذا كانوا يتفقون معها فكريًّا وعاطفيًّا أم لا، وليعطوك حرية الاستمرار في إمدادهم بمعلومات إضافية من أجل إقناعهم، ويقارنوها بكل شيء آخَر قلتَه أو فعلتَه حتى هذا الوقت.

عندما تفكِّر في تهيئة نفسك، من المهم أن تفكر في سلوكياتك؛ وهي الأشياء الصغيرة التي تقولها كثيرًا. ومن أفضل الطرق لدراسة عاداتك هي أن تصور نفسك تصوير فيديو في أحد الأيام وأنت تتحدث في العمل عبر الهاتف، وفي يوم آخر في أثناء حديثك مع مجموعة من الأشخاص. راقِبْ نفسك عن كثب، أولًا مع فتح الصوت، ثم اكتمه. اجعل شخصًا آخر يشاهد هذا الفيديو معك لبضع دقائق، ثم اسأله عن أكثر شيء يلاحظه فيك. وهذه الأشياء التي تلاحظها في نفسك والتي يلاحظها فيك الآخرون هي الأشياء التي سيتذكرها جمهورك عنك، سواء أكان فردًا واحدًا أم كثيرين.

من أهم الأشياء التي لا بد من الانتباه إليها حركاتُ اليدين، خاصة الهندمة أو التنظيف أو الحركات العصبية حول وجهك. استخدم يديك في تدعيم رسالتك أو اجعلهما تتدليان على جانبي جسمك في استرخاء. لاحظ أيضًا طريقة وقوفك وتحركك؛ فهل تقف وقفة متراخية أم تقف منتصبًا ومتوازنًا؟ هل تحرك جسمك إلى الأمام والخلف أم تتأرجح عندما تتحدث إلى أشخاص أو مجموعات؟ هل تصدر أصواتًا تشتت الانتباه أم تفعل أي شيء آخر قد يصرف الانتباه بعيدًا عما تقوله ويوجهه إلى ما تفعله؟ إذا كان هذا هو الحال، فاعمل على تصحيح هذه الأمور. فإذا كانت لديك مشكلة في طريقة وقوفك فابدأ في العمل على حلها؛ نظرًا لأن تصحيح وقفتك وطريقة سيرك لا يستغرق وقتًا طويلًا. إذا لم تكن تعرف السبيل إلى ذلك، فحاول العثور على أحد ممارسي طريقة «فيلدينكريس» (أو كتاب عن هذه الطريقة)، أو معالج يدوي، أو متخصص في علم الحركة يستطيع أن يعرفك على بعض من تمارين حركة الجسم البسيطة لكنها فعالة للغاية وسوف تساعدك في السير والوقوف بانسيابية وتوازنٍ.

أداة الإقناع الخفية التهيئة

أحد الجوانب الأخرى التي عادةً ما نغفل عنها عند تهيئة أنفسنا هو آداب السلوك. عادةً ما نمارس عملية الإقناع حول مائدة الطعام، وقد أغفل كثير منَّا — أو نسي — تعلُّمَ السلوكيات والقواعد الأساسية لآداب السلوك. في حين أنني لن أحاول كتابة فصلٍ كاملٍ عن آداب السلوك (فتوجد كتب تتكون من آلاف الصفحات عن هذا الموضوع)، فإنني أريد الإشارة إلى أكثرها وضوحًا التي تعزز شخصيتك وفكرة الآخرين عنك. ولكي أقدم لك أحدث النصائح وأكثرها أهميةً، أجريتُ مقابلةً مع مرسيدس ألفارو، المديرة التنفيذية لشركة فيرست إمبرشن مانجمنت (إدارة الانطباع الأول)، وهي شركة لإدارة آداب السلوك والمظهر المهني.

وفيما يلي عرض لنصائحها:

  • عندما تجلس إلى طاولة الطعام، فإن طبق الخبز الموجود على يسارك هو طبقك، وكوب الماء الموجود على يمينك هو كوبك.
  • تُوضَع الفوطة الصغيرة على الفخذين عندما تجلس أو عندما يضع المضيف فوطته على فخذيه.
  • تُوضَع الفوطة الصغيرة على الفخذين وهي مطوية إلى الأمام، بعيدًا عن جذعك.
  • هذه الفوطة للمائدة ولا تُستخدَم مثل مناشف الحمام؛ فتُستخدَم لمسح الأصابع أو الفم، وأي شيء أكثر من هذا يتطلَّب الذهاب إلى دورة المياه.
  • إن هذه الفوطة خاصة بالمائدة، وليست منديلًا ورقيًّا، فلا تُستخدَم للتمخُّط؛ وفي الواقع ممنوع التمخُّط على طاولة الطعام على الإطلاق.
  • إذا كنتَ بحاجة إلى تنظيف نفسك، فعليك الذهاب إلى دورة المياه. ينطبق هذا أيضًا على تنظيف ما يسقط على ملابسك.
  • مرِّرْ أشياء مثل سلة الخبز والتوابل قبل أن تنشغل بنفسك.
  • إذا كنتَ أنت المضيف فإنك تدفع ثمن الطعام، وهذا أمر مفروغ منه.
  • إذا كنتَ قَلِقًا بشأن الجدل حول دفع الفاتورة، فاذهب إلى المكان مبكرًا وأَعْطِ كارت الائتمان الخاص بك إلى مسئولي الخدمة وأَعْطِهم تعليماتٍ بإحضار الإيصال إليك عند الانتهاء من تناول الطعام.
  • عند جلوس الناس إلى الطاولة، يحصل أعلى الأشخاص أهميةً على أفضل مقعد في الطاولة؛ المقعد المطل على أفضل منظر.
  • يجب على الشخص الذي يدعو شخصًا آخَر على الطعام أن يقترح مطعمًا، محاوِلًا اكتشاف أطعمة هذا الشخص المفضَّلة قبل الدعوة إن أمكن.
  • يجب أن تُغلَق الهواتف المحمولة أو تُوضَع على وضعية الاهتزاز، فلا ينبغي الرد أو إجراء اتصالات في أثناء تناول الطعام.
  • تُستخدَم الشوك والملاعق دومًا باليد اليسرى، حتى إنْ لم تكن أعسر.
  • يجب ألا تمسك أبدًا بالشوكة مثل الخنجر بحيث تخرج أسنان الشوكة من أسفل يدك؛ فيجب أن تكون يدها في راحة يدك، وأسنانها تخرج من بين الإبهام والسبابة. عندما تغلق يدك وتكون راحتها موجَّهة إلى أسفل، لا بد أن يكون الجزء الخلفي المقوس من الشوكة تحت طرف الأصبع السبابة.
  • يجب ألا يُستخدَم السكين مثل المنشار. قطِّع الطعام بضربات خفيفة، مع سحب مقبض السكين نحوك. إذا كنت تواجه صعوبة في التقطيع، فاطلب سكينًا أكثر حدَّة.
  • تنص قواعد آداب السلوك الرسمية على عدم الحديث في العمل حتى الانتهاء من طبق المقبلات. مع الأسف لا يكون هذا الأمر عمليًّا في معظم الحالات نظرًا لوجود وقتٍ محددٍ، خاصةً في وقت الغداء.
  • من القواعد العامة قضاءُ ثلث وقت الوجبة في الحديث عن أشياء لا علاقةَ لها بالعمل، والثلث في الحديث عن العمل، والثلث الأخير بعيدًا عن العمل مرةً أخرى. ثم في نهاية الوجبة، لخِّصِ الخطوات التي سيتخذها كل شخص من الحضور.
  • توصَّل إلى طريقة جيدة للمصافحة باليد. النموذج المعروف هو وضع راحة اليد في راحة اليد، وإدخال المنطقة بين الإبهام والسبابة في المنطقة نفسها في يد الشخص الآخر، ولف الأصابع حول يده. حرك يدك إلى أعلى وأسفل مرتين أو ثلاثة. ينطبق هذا على الرجال والنساء على حد سواء.
  • في حين لا يزال أحد السلوكيات التقليدية الجيدة أن يقف الرجل عند وصول امرأة إلى المائدة أو مغادرتها، لم يَعُدْ هذا الأمر ضروريًّا، خاصةً في بيئة العمل.
  • إذا ظهرت مشكلةٌ ما في الطعام أو الفاتورة، فلا تتحدَّث فيها على المائدة. استأذن في القيام وتحدَّث مع مسئولي الخدمة أو المدير بحسب ما يقتضيه الأمر.
  • تذكَّرْ أنه من الطبيعي ألَّا يتحلى كل الناس بالخُلُق الرفيع أو يتصرفوا بحسب ما تمليه آداب السلوك، لكنهم غالبًا ما يميزونهما.

إن الشخصية المقنعة لا تتكون من بضعة أشياء كبيرة تؤدي إلى نجاحها، بل إن كل الأشياء الصغيرة الصائبة التي تفعلها هي التي تؤدي إلى النجاح. تنبع القوة وراء تطوير شخصيتك من إرشاد جمهورك إلى الاستنتاجات التي تريد منهم الوصول إليها، وجعلهم يثقون بك، ويحترمونك، ويقدرونك قبل أن تنطق بكلمة واحدة. دَعْهم ينجذبون إلى شخصيتك التي طوَّرْتَها بعناية، ودَعْهم يظلون مفتونين بعمقها وتعقيدها وكمالها. فإذا طوَّرْتَ من شخصيتك بحيث تجعلهم هم أنفسهم يريدون مضاهاتها، تكون قد أدَّيْتَ عملك على أكمل وجه.

📖

الإقناع فن الفوز بما تريد

تأليف: ديف لاكاني | ترجمة: زينب عاطف | مراجعة: سارة عادل | مؤسسة هنداوي

شاهد ايضاً:

https://kalamkutib.com/علم-النفس/التلاعب-النفسي-من-أجل-الإقناع/

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: Content is protected !!
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock