إدارة أعمال

الاستقرار – الجزيرة الاجتماعية

إن ما نعنيه بـ الاستقرار هنا هو نزعة أي عملية — وفي حالتنا عملية صنع القرار — للثبات بعد فترة والتوقُّف عن التغيُّر. جميعنا يعرف أشخاصًا ليس بمقدورهم — فيما يبدو — اتخاذ قرار بشأن أي شيء، لكن هناك أيضًا مواقف متعلِّقة بصنع القرار لا يتم فيها «من حيث المبدأ» التوصُّل لأي نتائج، بغضِّ النظر عن مهارة صانعي القرار. والهدف من هذا الفصل هو إثارة تلك المسألة.

إلى الآن سلَّمْنا بأن الإجراء المنهجي لإعداد قائمة بالإجراءات، والنتائج والاحتمالات، والتفضيلات (المنافع)؛ سيقودنا إلى أفضل اختيار على المدى الطويل، وقد توصَّلنا إلى هذا من خلال تقييم كل النتائج على أساس منفعتها المتوقَّعة؛ بحيث إنَّ ما كان ضروريًّا في النهاية هو وضعها في ترتيب معيَّن؛ فعندما تضع الأشياء في صف واحد، سيكون أحدها في مقدمة الصف. ولما كان لكل منفعة متوقَّعة رقمٌ خاص بها، والأرقام الحقيقية دائمًا ما تُوضَع في تسلسُل، كانت القرارات المثلى حينها تُتَّخَذ بسهولةٍ ويُسْرٍ.

 

 

لكن لنفترضْ أنك واجهْتَ موقفًا يتضمَّن العلاقةَ غير المتعدية التي ذكرناها في الفصل الرابع. لقد ذهبتَ إلى المتجر الذي يبيع الآيس كريم المفضَّل لديك لشراء مخروط (فأنت مدمن لحلوى الآيس كريم)، وأمامك الخيارات التقليدية من فانيليا وشوكولاتة وفراولة، ولم تكن أنت ذلك المدمن المتردِّد الغامض كي تطلب ثلاثَ كرات من كل نوع (فضلًا عن زيادة الوزن)، بل كنتَ تتحلَّى بضبط النفس الذي يدفعك لطلب كرة واحدة فقط، لكنك تفضِّل الفانيليا على الشوكولاتة، والشوكولاتة على الفراولة؛ ليس ثمة مشكلة في ذلك، إلا إذا واجهتَ خيارًا مباشِرًا بين الفراولة والفانيليا، فإنك حينها ستفضِّل الفراولة. «حينها» ستواجهك مشكلة. ليس من الصعب تخيُّل مثل هذا الموقف؛ فهو يحدث بالفعل؛ لأنك تركِّز على الملامح المختلفة لكل مقارنة. المشكلة واضحة؛ فأيًّا ما كانت النكهة التي تختارها، فهناك واحدة تفضِّلها. وإن كانت المعلومة الوحيدة المتاحة هي ما أدلَيْنا بها، فليس هناك وسيلة منهجية أو عقلانية للخيار في الواقع. ويصبح التردُّد مُحرِجًا عندما تطلب — لنقل مثلًا شوكولاتة — ثم تقول بعد ذلك: «معذرةً، أفضِّلُ الفانيليا.» ثم تنظر إلى الخيارات المعروضة مرةً أخرى بينما يضع العامل كرة الفانيليا فتقول: «لقد أعدتُ النظرَ ثانيةً، وأريد الفراولة.» وهكذا. وفي النهاية سيلقون بك خارج متجر الآيس كريم دون أن تحصل على أيٍّ منه.

 

 

بالطبع يمكنك أن تتعامل مع الأمر بالطريقة التي كنَّا نتَّبِعها من قبلُ؛ أن تجبر نفسك على إعطاء تقييمٍ أو نقاط لكلٍّ من النكهات الثلاث، ثم تختار أعلاها. لكن ليس هناك طريقة على وجه الأرض تجعلك تمنح الفانيليا تقييمًا أعلى من الشوكولاتة، وتمنح الشوكولاتة تقييمًا أعلى من الفراولة، ثم تعود لتمنح الفراولة تقييمًا أعلى من الفانيليا، إن الحسابات المعتادة لن تقبل ذلك. إنك لن تقع في مشكلة إلا إذا كان لديك تفضيلات، ولا تستطيع تقييم الخيارات من خلال ترتيب مميز؛ إذن فمن الممكن أن تواجِه حالةً من عدم الاستقرار في عملية اتخاذ القرار، وهذا أمر شائع.

 

دَعْنا نَزِدِ الأمر صعوبةً بعض الشيء من خلال تناوُل حالةٍ يتواجَد فيها العديد من صانعي القرار، وتتداخل قراراتهم معًا. وهي أيضًا لعبة، لكن يجب أن يلعب اللاعبون وفقًا لقوانين صارمة، وليس لهم سلطة اتخاذ القرار على الإطلاق؛ ومن هذا المنطلق، توضِّح اللعبة عدم الاستقرار، وليس صنع القرار. (لقد رأى المؤلف هذا المثال لأول مرة من خلال مجموعة من المحاضرات الممتعة لِدونالد نوث.)

 

اقرأ ايضاً:

كيف تصبح خبيرًا معترَفًا به في ثلاثين يومًا؟
اتخاذ القرارات والحظ – المبادئ الأساسية
القيادة بالكاريزما كيف يقود القادة؟

الجزيرة الاجتماعية

بدلًا من امرأة غير متزوجة مع مئات المرشحين الذين يتوقون للزواج بها، كما رأينا في الفصل الثاني، تتضمَّن هذه اللعبةُ مجموعةً من المتزوِّجين (غير مسموح بأشخاص عزَّاب)، يعيشون كجيران في جزيرة استوائية نائية. دَعْنا نطلق على أول أربعةِ أزواجٍ آل وألِيس، وبوب وباربارا على التوالي. بمقدورنا إضافة أزواج آخَرين بحسب الترتيب الأبجدي كلَّما توغَّلْنا في الأمر. إن اللعبة بأسرها لعبة خيالية ومختلقة بالطبع، صُمِّمَتْ لكي توضِّح نقطةً معينةً، لكن يا لها من جزيرة!

 

إن للُّعبة قواعد استثنائية، لكنها قد تكون معروفة بعض الشيء؛ فاللاعبون عاشوا معًا على الجزيرة لفترة طويلة بدرجةٍ تجعلهم على معرفة جيدة بعضهم ببعض، وكل زوجة لها قائمة سرِّية من التفضيلات بين الأزواج، من الأفضل إلى الأسوأ، بينما لكلِّ زوج قائمة تفضيلاته السرية للزوجات؛ إنه عالم من محض الخيال. ولا يتوقَّف الأمر عند هذا الحد، بل إن الزوج قد يأتي على قمة التفضيلات بالنسبة إلى زوجته، أو قد لا يأتي، وهكذا الأمر بالنسبة إلى الزوجات أيضًا، وهذا الموقف غير نادر الوجود في الحياة العملية. ما الذي يمكن فعله حيال ذلك، خلاف جلب الإحباطات؟ حسنًا، إن قواعد اللعبة تقدِّم مخرَجًا لذلك. تنصُّ قواعد اللعبة على أنه إذا ما كان آل، على سبيل المثال، يفضِّل باربارا على زوجته ألِيس، «و» باربارا تفضِّل آل عن زوجها بوب، فإن على آل وباربارا أن يودِّعَا زوجَيْهما، ويتزوَّجَا. ولمَّا كان من المحرمات في تلك الجزيرة الفريدة أن يكون المرء غير متزوج، فليس هناك خيارٌ أمام الزوجين المهجورين بوب وألِيس سوى زواج أحدهما بالآخَر. تلك هي قوانين اللعبة كاملة؛ والآن لنتأملْ بعض الحالات الممكنة.

 

لنبدأْ بالحالة التي اخترعناها لتوِّنا، والتي يمكن وصفها من خلال الجدول التالي، بإدراج التفضيلات لكلٍّ من المشاركين الأربعة:

آلألِيسبوبباربارا
بارباراآلبارباراآل
ألِيسبوبألِيسبوب

سنجد أنَّ كل اسم شخص في الصف تندرج تحته قائمةُ التفضيلات الخاصة بهذا الشخص، ولقد تكاسلنا عن ترتيب ذلك، واخترنا أن يكون لكلِّ شخص نفس قائمة تفضيلات الشخص الآخَر من نفس الجنس؛ ﻓ آل وباربارا هما المفضَّلان لدى الجميع، أما بوب وألِيس فهما مَن يسبِّبان الضيق للجميع. هذا أيضًا معتاد في الحياة الواقعية؛ فقد تكون هناك شخصية هي الأنثى المفضَّلة للجميع، وشخصية أخرى تمثِّل الرجلَ المفضَّلَ لدى النسوة جميعهن (لنُلْقِ اللومَ في هذا على التليفزيون). ورغبات الخاسرين على هذه الجزيرة ليس لها علاقة بما سيحدث لاحقًا، وبعد ذلك التبادُل الذي يتزوَّج من خلاله آل وباربارا تاركَين وراءهما بوب وألِيس ليواسيَ كلٌّ منهما الآخَر،

سيكون الجدول كالتالي:

آلباربارابوبألِيس
بارباراآلبارباراآل
ألِيسبوبألِيسبوب

 

سنرى أنه لن يكون هناك أيُّ تغييرات أخرى؛ فآل وباربارا سعيدان معًا، وهكذا فإن سوء نصيب كلٍّ من ألِيس وبوب لا يهم في شيء الآن (تذكَّرْ، إنها مجرد لعبة). وبالرغم من أن كلًّا من بوب وألِيس يفضِّل شريكًا مختلفًا، فليس لدى آل وباربارا أيُّ اهتمام بعملية المبادلة، وهما مسئولان عن هذا الارتباط، على الأقل في هذه الجزيرة. لقد أضحى الموقف في حالة استقرار، ومن الممكن إثبات أن مجموعةً تتألف من زوجين ستحقِّق دائمًا الاستقرارَ من خلال هذه العملية. هذا لا يعني أن الجميع سعداء، لكن يمكن لذلك أن يتغيَّر فقط إذا ما وافَقَ «زوجان» من الأزواج — كلا الفردين — على إنهاء كلٍّ منهما علاقته بشريكه. ومرة أخرى، يماثِل هذا ما يحدث في الحياة الواقعية؛ لاحِظْ أنه كان هناك شخصان يعيشان مع شريكيهما المفضَّلين قبل عملية المبادَلة، لكنهما أصبحَا شخصين مختلفين بعدها؛ لذا يمكننا القول بأنه ليس هناك مصلحةٌ اجتماعية عائدة من جرَّاء ذلك، أو حتى ضررٌ، بالنسبة إلى ذلك الأمر؛ فالسعادة في ذلك المجتمع الصغير تجمَّعت ببساطة في عائلة واحدة، وبالنسبة إلى مَن يفضِّلون مجتمعًا مستقرًّا قبل أيِّ شيء، هذا هو الحال هنا.

 

لكن ماذا لو كان هناك أكثر من زوجين من الأزواج، لِنَقُلْ ثلاثةٌ أو أربعةٌ، أو عشراتٌ؟ إذن فهناك احتمالات أكثر لجداول التفضيلات ولترتيبات الزواج، وأيُّ شخص بمقدوره اللعب بالخيارات المختلفة (يمكن للمرء أن يرى ذلك يتطوَّر إلى لعبة جماعية بها أناس حقيقيون يضعون قوائمهم السرية، لكن ذلك لن يُعلَن على الملأ مطلقًا؛ تخيَّلْ كَمْ سيكون مُهينًا للكبرياء أن يفصح شريكُ حياتك عن قائمة تفضيلاته (أو تفضيلاتها) أمام مجموعة من الأشخاص، واسمك يُذيِّل القائمة.) إن نتيجة التحليل الدقيق — الذي يمكن مراجعته والتحقُّق منه من خلال تجربة بعض الحالات القليلة — هي أنه أيًّا كان الرقم، وبغضِّ النظر عن قوائم التفضيلات، فهناك دومًا ترتيبٌ «ما» مستقِرٌّ، لكنه لم يَعُدْ صحيحًا أنك يمكن أن تصل إليه من خلال مبادَلة شريك الحياة. تأمَّلْ حالةَ ثلاثةٍ من الأزواج في ظلِّ جدول التفضيلات الموضَّح (لقد أضفنا تشارلي وكارول لعالَمنا الصغير، وأصبحنا نتحرَّى مزيدًا من التعقيد ونحن نعمل على ترتيب الأمر).

 

آلألِيسبوببارباراتشارليكارول
بارباراآلبارباراتشارليألِيسبوب
ألِيستشارليألِيسآلبارباراتشارلي
كارولبوبكارولبوبكارولآل

 

إذا ما اتَّبَعْنا بعد ذلك ترتيبَ الأحداث، فسنرى أن باربارا ستتزوج آل (فهي تفضِّله عن بوب، وآل يفضِّلها عن ألِيس)، ثم ستستمر في صعودها نحو تشارلي (الذي يفضِّلها عن كارول، بينما هو خيارها الأول). في ذلك الوقت تكون ألِيس قد ارتبطَتْ بِبوب، وهو خيارها الأخير؛ لذا ستنتقل نحو تشارلي؛ أيْ خطوةً لأعلى؛ حيث يعتقد أنها على قمة التفضيلات، ثم تعود في النهاية مرةً أخرى إلى آل، وهو المفضَّل لديها. وفي كل حالة، نرى أن الذَّكر المغازل يحسِّن من موقفه هو الآخَر.

 

ولكننا الآن نتفهَّم المشكلة؛ فكل تلك الإشكالات أعادَتْنا إلى حيث بدأْنا بالضبط؛ لذا يمكن للدورة أن تبدأ ثانيةً، وتستمر للأبد. وبالرغم من أن هناك ترتيباتِ زواجٍ مستقرةً بالنسبة إلى هذا الجمع (حاوِلْ أن تجدها إنْ كان ينبغي عليك هذا)، فإنه ليس ثمة وسيلة لتصل إليها من نقطة البداية التي اخترناها؛ فهذا مجتمع غير مستقر.

 

من الممكن إثبات أن هناك دومًا ترتيباتٍ مستقرةً أيًّا كانت التفضيلات، وأيًّا كان عدد الأزواج، لكن ليس من الممكن دومًا أن تصل إلى واحد منها من خلال نقطة بداية معيَّنة. إلى جانب هذا، ليس هناك الكثيرُ لنُشِيد به في هذه الترتيبات بخلاف الاستقرار؛ ومع ذلك، ففي كل حالة من حالات المبادلة، يظل المجموع الكلي للسعادة في المجتمع كما هو؛ كل ما في الأمر أن توزيعها يُعاد بين العائلات لا أكثر.

 

وَلْنأخذ حالةً متطرفةً يكون فيها كلُّ رجل متزوجًا من المرأة المتواجدة على قمة تفضيلاته (هذا ينطبق على أي عدد من المتزوجين). نُطلِق على هذا ترتيبًا مستقرًّا؛ لأنه لن يكون هناك رجل يريد عملية مبادلة؛ فهو سعيد بترك الأمور تسير كما هي. بل بمقدورنا أن نجعل كل رجل من أولئك الرجال يتواجد في ذيل قائمة تفضيلات زوجته، لكن ستظل الأمور مستقرة؛ لأن كل زوجة لن تجد رجلًا تعيسًا يفضِّلها عن أخرى (لا تسألني كيف حدث هذا، فالأذواق تتغيَّر). وتتطلب قوانين اللعبة، كما يحدث تمامًا في الحياة الواقعية، أن يكون هناك اتفاق بين كل اثنين هاربين؛ لذا فالأمور مستقرة، ولكن ليس بالضرورة أن تكون محبَّبة. والحالة التي نعكس فيها الجنسين هي حالة مستقرة أيضًا، بالطبع؛ حيث يكون فيها نساء سعيدات مع رجال تعساء. وهناك العديد من الحالات المستقرة بين الحالتين، بجانب العديد من الحالات الأخرى التي لن تحقِّق أيَّ استقرارٍ مطلقًا.

 

سنترك الأمرَ عند هذا الحد، ويمكن ممارسة اللعبة بشراسةٍ أكثر مع المواعدات، والارتباطات، وسائر وسائل المتعة، والاستنتاج العام المستقَى من ذلك هو ما تعلَّمَتْه المجتمعات الحرة منذ فترة طويلة وهو: كلما زادت الفرص التي تسنح للأشخاص بالتمرُّس على استخدام قوائم التفضيلات واستكشافها، كانت هناك فرصة أفضل لكي تستقرَّ ترتيبات الزواج النهائية. هذه بالطبع لعبة من نسج الخيال؛ بما يعني أنه يجب ألا نأخذ هذا الاستنتاج النهائي بجدية شديدة، لكن يتعيَّن علينا أن نأخذ بجديةٍ تلك الحقيقةَ الجوهرية التي مفادها أنه عندما يكون هناك مجموعة كبيرة من الأشخاص، لهم أهداف متضاربة، فالاستقرار غير مضمون. وسنتعرَّض لذلك كإحدى القضايا الأساسية عندما نتحدَّث عن الاختيارات الاجتماعية فيما بعدُ.

 


كتاب: لماذا تعتمد على الحظ؟ فن وعلم اتخاذ القرارات الصائبة – تأليف: هارولد دبليو لويس
ترجمة: شيماء طه الريدي – نهلة الدربي | مراجعة: محمد فتحي خضر | مؤسسة هنداوي

لتحميل الكتاب من الموقع الرسمي لمؤسسة هنداوي: من هنا

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: Content is protected !!
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock