علم النفس

الألفة فيما يتعلق بالإقناع

إن الحقيقة البسيطة عن الألفة فيما يتعلق بالإقناع هي: كلما زادت الألفة بيننا وبين الناس أو الأماكن أو الأحداث أو المنتجات أو الخدمات أو المواقف، زاد احتمال أن نراهم عبر نمط عقلي يكون إما جيدًا وإما سيئًا مباشَرةً، بناءً على خبراتنا السابقة.

من أجل النجاح في الإقناع، عليك أن تحدد الشيء المألوف للشخص أو المجموعة التي تريد تغيير رأيها. ما الأساس المشترك القائم بينكما؟ ما الخبرات المشتركة الموجودة بالفعل كقاعدة مشتركة؟ إلى أي مجموعات أو منظمات ينتمون؟ مَن الذي يكرهونه أو ينفرون منه بوجه عام؟ ومَن الذي يحبونه؟ وما الخبرة التي يريدون جميعًا الحصول عليها؟ عن طريق فهم الأشياء المألوفة تستطيع الانضمام إليهم في القاعدة المشتركة من الخبرات أو الرغبات المشتركة.

الألفة

عندما نفتح حوارًا في مجالٍ ذي أرضية مشتركة، بل ذي موقعٍ فعليٍّ مشتركٍ، نجبر الناس على البدء في النظر إلى الموقف من منظورٍ مألوفٍ؛ فنحن نضعهم عاطفيًّا في مكان يختبرون فيه مشاعرَ وأفكارًا قديمة. في مجال المبيعات، يتمثَّل هذا في مفهوم الألم والمتعة؛ فكرة ابتعاد الناس عن الألم إزاء المتعة. يمكننا الاعتماد إما على المخططات الإيجابية وإما على المخططات السلبية، بناءً على الاتجاه الذي نريد التحرك فيه.

منذ عدة سنوات، كنتُ أعمل مع عميلٍ مهمٍّ للغاية أثناء عملية إطلاق نظام جديد لماكينات تسجيل المدفوعات النقدية. كان عمله موسميًّا للغاية؛ إذ كان أكثر من ٦٠ في المائة من حجم مبيعاته السنوية يحدث في فترة مبيعاتٍ مدتها ٤٥ يومًا. وكان أحد التحديات التي واجهَتْنا آنذاك هو تركيب المنتج بالنحو الملائم في أكشاك المركز التجاري؛ لأنها عادةً لا يتولَّى تركيبها موظفون فنيون مدرَّبون، وهو ما كان ينتج عنه عددٌ مرتفع من اتصالات الدعم لطاقم الدعم الداخلي لدى هذا العميل. وبصرف النظر عن موضع الخطأ، عندما كان فريق الدعم الداخلي يتلقَّى عددًا مرتفعًا من الاتصالات، كان العميل يميل إلى إلقاء اللوم على البائع، وهو ما حدث بالضبط.

الأُلْفة هي أصل أقرب الصداقات، وأشد حالات الكراهية.

أنطوان ريفارول

 

كنت أعرف أنني لكي أتمكن من الإبقاء على استمرار المشروع ومنع المشكلة من الخروج عن السيطرة، يجب عليَّ أن أقنع مدير قسم تكنولوجيا المعلومات والدعم بتحمُّل المسئولية والتوصُّل إلى طريقة أكثر فاعليةً لتركيب الوحدات. قُوبِلت محاولاتي الأولى بالرفض، وبعد الحديث معه لفترة، اكتشفتُ أن لدينا نحن الاثنين تجربةً مشتركة، وهي التجنُّد في الخدمة العسكرية. وبمجرد اكتشافي لهذا الأمر، بدأتُ أضع كلَّ تجاربنا المشتركة مع التغلُّب على المهام المستحيلة باستخدام معداتٍ دون المستوى، وأشخاص لا يعرفون طريقة استخدامها في إطار تجربتنا المشتركة مع الخدمة العسكرية؛ فدفعتُه إلى الانخراط في السرد على مسامعي أسوأَ تجربة مرَّ بها في الجيش، وكيف أمكنه حلها. وبعدما بات مشحونًا تمامًا بالمشاعر إزاء هذه التجربة، عُدْتُ معه مرةً أخرى إلى القضية موضع الاهتمام؛ وهي تركيب هذه الوحدات على نحو صحيح. لقد حوَّلْتُ تقريبًا عمليةَ تفكيره على الفور من فكرة أن «أحدنا يفوز والآخَر يخسر»، إلى فكرة «أننا في هذا الأمر معًا، فكيف نجعله ينجح؟» في غضون عشر دقائق كان قد توصَّل إلى حلٍّ (مع بعض الإرشاد البسيط) لجعل هذه العملية تنجح. وفي نهاية حديثنا قال لي: «أَتَعْلَم، لا بد لهؤلاء الموظفين أن يصبحوا مبدعين تمامًا كما كنَّا من قبلُ؛ فلا بد لهم أن يدركوا أنهم يتقاضَوْن أجرًا نظير حلهم للمشاكل. سأعمل على تحقيق هذا على الفور.» وكانت النتيجة تحقيقَ موسمٍ ناجح للغاية، وإقامةَ علاقة مع مورِّد ماكينات تسجيل المدفوعات النقدية للعميل، لا تزال مستمرة إلى يومنا هذا.

سوف يساعدك العثور على أساس مألوف في عملية الإقناع، كما أوضحتُ لك للتوِّ. فمن الأسهل إقناع شخص أوجدتَ بينك وبينه نوعًا من الألفة، وأصبحَتْ بينك وبينه علاقة، أكثر من إقناع شخصٍ قابلتَه للتوِّ. لكنِ احذرْ، فمن السهل للغاية أيضًا أن يُقنِعك هذا الشخص؛ لذا احرصْ على عدم التراجع في موقفك، في حين عليك الثبات عليه.

اعملْ على معرفة الأشخاص الذين تَأْمُل في إقناعهم؛ فكلما اقتربتَ شخصيًّا منهم، كان هذا أفضل. تعرَّفْ على ما يحبونه وما يكرهونه، وافهمْ خططَهم في أثناء حديثهم عن المبيعات والإقناع ومنتجهم وعملك وأي شيء قد يعطيك ميزةً فيما بعدُ. تأكَّدْ من فهم ألمهم ومشاكلهم التي يريدون حلها.

من المفيد أيضًا أن تدعهم يتعرفون عليك بعض الشيء. يجب دومًا أن تكون معرفتك بمَن تقنعهم أفضل من معرفتهم بك؛ فيجب أن يتعرفوا على شخصيتك العامة وعلى سمعتك ويعرفوا القليل عنك أنت شخصيًّا، حتى يشعروا بأن علاقتهم بك مميزة، لكن لا تُعْطِ أحدهم أبدًا معلومات تكفي لتكونا سواءً في معرفة أحدكما بالآخر. يجب أن تحافظ على وجود مسافة بسيطة وأنت تخلق شعورًا بالألفة حتى تحقِّق النجاح. في استطلاعٍ للرأي أجرَتْه صحيفة نيويورك تايمز/محطة سي بي إس نيوز في عام ١٩٩٩، قال الخاضعون له إنهم يتوقَّعون من ٨٥ في المائة من الذين يعرفونهم معرفةً شخصيةً التصرُّفَ بإنصافٍ.

يُظهِر استطلاع الرأي هذا مدى أهمية معرفة الناس وأن تدعهم يأنسون إليك. ومن المثير للاهتمام، أنه كلما زاد ما تعرفه عن الناس، بصرف النظر عن مقدار ما يعرفونه هم عنك، زاد شعورهم بالألفة معك. اقضِ وقتًا في معرفة الأشخاص الذين تريد إقناعهم. إذا لم تتمكَّن من التعرُّف عليهم شخصيًّا بأقل درجة من المعرفة، فحاوِلِ التعرُّفَ عليهم قدر المستطاع بطريقة غير رسمية، من خلال إجراء بحث عنهم قبل أن تلتقي بهم؛ حتى تستطيع طرْحَ أسئلة مدروسة جيدًا تجذب اهتمامهم بسرعة.

نحن كبشر نحب أن نسمع أشياء عن أنفسنا، ونحب أن نعرف أن الآخرين يعرفون أشياء عنَّا. عندما تُجرِي بحثك على موقع جوجل قبل اللقاء، يمكنك العثور على كمٍّ كبيرٍ من المواضع التي يشار فيها إلى الأشخاص، والتي ربما لا يعلمون شيئًا عن وجودها. توجد حاليًّا في جوجل أداة جديدة تُسمَّى «إجابات جوجل»، تُجرِي أيَّ بحثٍ بدلًا عنك مقابل رسومٍ تبدأ من دولار واحد إلى ٢٠٠ دولار. فعندما كنتُ أُجرِي أبحاثي المتعلِّقة بهذا الكتاب، عثرتُ على كثير من المصادر القيِّمة بأقل من ٥ دولارات، وحصلتُ فعليًّا على إجابات شديدة التفصيل. بالطبع، إذا لم تكن تريد أداء العمل كله بنفسك، يمكن لأمناء المكتبات البحثية أداء معظم العمل نيابةً عنك دون مقابل أيضًا. في النهاية، نظرًا لعدم وجود مصادر للمعلومات أفضل من الأشخاص المقربين من الشخص الذي تريد إقناعه، استخدِمْ شبكةَ علاقاتك لتحديد المعارف المشتركة، واجمعْ أكبرَ قدرٍ مستطاعٍ من المعلومات مسبقًا.

بمجرد أن تجمع المعلومات، استخدِمْها. وجِّهِ الحوارَ في الاتجاه الذي يستحضر ذِكْرَ معلومات مهمة من التي جمعتها. استخدِمْ هذه المعلومات في عرض مدى معرفتك بالشخص أو وظيفته فقط بهدف طرح مزيدٍ من الأسئلة التفصيلية، التي تتيح لك خلق مناخٍ من الألفة وجمع مزيدٍ من المعلومات بنفسك. شارِكْ قليلًا من معلوماتك الشخصية عند الحاجة من أجل تسهيل سير الحوار؛ فتحدَّثْ عن المعرفة المشتركة أو الأصدقاء المشتركين أو الخبرة المشتركة من أجل خلق الشعور بكونك شخصًا مألوفًا. عقب الحوار تكون المتابعةُ طريقةً رائعة لترسيخ هذا الشعور بالألفة؛ فاحرص على إرسال رسالة قصيرة، أو إجراء مكالمة هاتفية.

 

تطبيق الألفة

من الأشياء التي أفعلها دومًا في المعارض التجارية، مثلًا، أن أكتب شيئًا واحدًا على الأقل أدركتُه عن الشخص، على ظهر بطاقة عمله التي أحصل عليها. ثم، عندما أكون في المطار في انتظار ذهابي إلى الموقع التالي، أرتِّب هذه البطاقات من الأهم إلى الأقل أهميةً. يتلقَّى الأشخاص الأكثر أهميةً اتصالًا هاتفيًّا مني من المطار، وأقول له شيئًا من قبيل: «دان، معك ديف لاكاني من شركة بولد أبروتش. لقد كنت أفكِّر، وأنا أجلس هنا في المطار، في حديثنا عن أخوية شراينرز. يبدو أن عددنا يقل أكثر وأكثر؛ لذا من الرائع أن يقابل المرء عضوًا جديدًا. شكرًا لقضائك معي بعض الوقت في الكشك الخاص بك، وآمل أن يكون المعرض قد سار معك على نحو ممتاز، وأتطَّلَع إلى الحديث معك الأسبوع القادم لأتابع معك حديثنا. أتعلم، لديَّ فضول بشأن شيء واحد فقط؛ وهو معرفة هل سبق لك أن زرتَ مستشفى شراينرز للأطفال في مدينة سولت ليك سيتي؟ لديَّ فضول أيضًا لأعرف مزيدًا عن تجاربك مع الأخوية. أتمنَّى لك يومًا رائعًا، وإذا أردتَ الوصول إليَّ قبل الأسبوع القادم فهذا هو رقم هاتفي، وسأكون سعيدًا للغاية بتلقِّي اتصالك.»

إن هذه المكالمة التليفونية البسيطة التي تدعم خلفيتنا المشتركة قد أدَّت إلى كثيرٍ من العلاقات الرائعة، بالنسبة إليَّ كانت مربحة على الصعيدين المهني والشخصي. فأنا أستطيع العثور على شيء مشترك بيني وبين أي شخص تقريبًا؛ قد يكون فريقًا رياضيًّا يشجعه كلانا، أو صلة بالخدمة العسكرية، أو علاقة بإحدى الجمعيات الأخوية، أو النشأة في منطقة معينة من الدولة أو العالم أو الحياة فيها، أو مجرد أن كلينا لديه بنات.

يمكننا العثور على القواسم المشتركة والألفة في أي شيء تقريبًا؛ فعندما أرى مقر شركة شخص، أتساءل ما إذا كان في الأصل من هذه المدينة. أحيانًا تكون الإجابة بالإيجاب، لكنها كثيرًا ما تكون بالنفي، ومع الإجابة بالنفي يأتي شرح كيفية وصوله من مكان نشأته أيًّا كان إلى هذا المكان المقيم فيه حاليًّا؛ فيمدك هذا السؤال البسيط بقدر كبير من المعلومات التي يمكنك دَمْجها معًا من أجل العثور على خلفيةٍ مشتركةٍ، تستطيع استخدامها في خلق الألفة. والألفة طريقة أخرى لاستعارة المصداقية والسلطة من شخص أو موقف أو مؤسسة أو حدث، من أجل تعزيز موقفك.

عندما تكون بصدد إقناع مجموعات ولا يتوافر لديك وقتٌ كافٍ لخلق مستويات مرتفعة من الألفة، استفِدْ من الخبرات المشتركة بينكم جميعًا؛ فقد مرَّ كل شخص فعليًّا يجلس أمامك بتجربة حضور اجتماعات مملة، أو الاستماع إلى متحدثين يتكلمون بنمط رتيب. تحدَّثْ عن هذه التجربة، وما الذي ستفعله حتى تجعل تجربتك مختلفة. قدِّمْ لهم علامات ملموسة. سيتمكنون من التوحد مع الأشياء التي تجعل الاجتماعات صعبة، مثل الكرسي غير المريح، أو الشخص ذي الشعر الضخم الذي يحجب عنهم الرؤية. بعد ذلك انتقِلْ بهم إلى خلفية مألوفة أخرى عن طريق إخبارهم بالطريقة التي ستجعل بها هذه التجربةَ مختلفة هذه المرة. اصنعْ تجربةً مشتركة جديدة تكون أنت رائدها.

أيًّا كان مَن تحاول إقناعه أو كيف تفعل ذلك، اقضِ الآن بعض الوقت في دراسة علاقاتك، وحدِّدْ أي منها سيستفيد من تحقيق مستوًى أعلى من الألفة، وابدأْ في العمل؛ فكل مجهود تبذله في خلق بيئة أكثر ألفةً وتحقيق مستوًى من الراحة والود سيعود عليك بعشرة أمثال ما بذلتَه.

ملخص

  • نحن نميل إلى حبِّ مَن يشبهوننا والثقة فيهم.
  • الألفة تؤدِّي إلى الثقة.
  • اعمل دومًا على معرفة شيء عن كل شخص تريد إقناعه. في هذه الحالة، من الأفضل تلقِّي «المعلومات» من إعطائها؛ فيكون الشخص الذي لديه أكبر قدر من المعلومات عن الآخَر هو الشخص الأوفر حظًّا في لعبة الإقناع.
  • حاوِلْ نقْلَ كل المحادثات الإقناعية التي تخوضها من أحد القواسم المشتركة إلى خبرة مشتركة جديدة تصنعونها معًا.

الألفة – الإقناع فن الفوز بما تريد

تأليف: ديف لاكاني | ترجمة: زينب عاطف | مراجعة: سارة عادل | مؤسسة هنداوي

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: Content is protected !!
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock