لا مشاحة في أن بيت روتشلد أكبر البيوتات المالية والتجارية في العالم كلهِ، ولهُ معاملات كثيرة مع حكومات أوروبا وآسيا وعلاقة كبرى مع الحكومة المصرية وهي مديونة لهُ بملايين كثيرة من الجنيهات، فلا عجب إذا قلنا: إن جميع الممالك تحسب حسابهُ وتهتزُّ لكلمةٍ منهُ، وكلمةٌ منهُ تكفي لخراب ألوف من البيوتات المالية وعمار ألوفٍ، وهو عنوان الثروة الطائلة والاتحاد الأخوي وأصالة الرأي، ومن لم يسمع بشهرة أفراد هذا البيت وهم أعظم العائلات قدرًا وأوسعها جاهًا وأسبقها في حلبة الاجتهاد، فالمطلع على تاريخهم وتراجم حياتهم يرى من مظاهر الحزم والإقدام وعلو الهمة، وعمل الخيرات والمبرات ما يُتخذ قدوة لرجال المال وأصحاب الثروات في إدارة الأعمال، وعمل الخير والإحسان ومساعدة الجنس البشري.

ماير أنسليم روتشلد

أول من غرس دوحة مجد هذا البيت هو ماير أنسليم روتشلد، وُلد في فرانكفورت سنة ١٧٤٣، وتوفي فيها سنة ١٨١٢، وأصلهُ من عائلة إسرائيلية فقيرة الحال أرسلهُ أبوهُ من صغرهِ إلى مدينة فرس ببفاريا فدخل إحدى مدارسها، حيث تلقى الدروس الابتدائية، ثم استعد لدرس العلوم الدينية؛ لأن أباهُ كان يريد أن يكون حاخامًا، ولكنهُ غيَّر فكرهُ عند رجوعهِ إلى فرانكفورت وعزم على الدخول في مضمار التجارة لشدة ميلهِ إليها من صغر سنهِ، ودخل في بيت أوبنهيم الصيارفة في مدينة هانوفور فمكث فيهِ ثلاث سنوات تعلم في خلالها المساومة والصرافة والمضاربات المالية، وتدرب على إدارة الأعمال وبرع فيها حتى صار من مديري المحل، وبعد أن جمع مبلغًا قليلًا من المال رجع إلى مدينتهِ الأصلية سنة ١٧٨٠ وفتح فيها محلًّا صغيرًا للصرافة، واقترن بعد ذلك بالآنسة شسنيبر، وكانت على جانب عظيم من الذكاءِ فساعدتهُ كثيرًا في توسيع محلهِ وإدارة أشغالهِ، فكانت هي تدير أشغال المحل بكل اجتهاد وهو يتنقل في البلاد المجاورة، حيث يبيع بضائعهُ ويشتري غيرها، ولم تمضِ إلا سنوات قليلة حتى تقدمت تجارة روتشلد ونجح محلهُ نجاحًا باهرًا، كل ذلك راجعٌ إلى اجتهادهِ وأصالة رأيهِ وبعد نظرهِ في عواقب الأمور، واشتهر بالاستقامة والأمانة ووثق بهِ التجار الكبار في فرانكفورت ومانيس ودرمستاد؛ لأنهُ كان يدفع ما عليهِ في مواعيدهِ فأجمعوا على احترامهِ واستشارتهِ في كثيرٍ من المسائل، وصاروا يقضون جميع أشغالهم عن يدهِ، فكان ينجزها في سرعةٍ ودقة واستقامة حتى إنهم لقبوهُ «باليهودي الأمين»، وفي أيام الثورة الفرنساوية كان اسم روتشلد معروفًا بين كثيرين، ولكنهُ كان صغيرًا إذا قورن مع غيرهِ من الماليين العظام والتجار الكبار، وقد ساعدتهُ التقادير وأتتهُ فرصةٌ غير منتظرة فتحت لهُ موارد الثروة ورفعتهُ إلى أعلى مقام وصيرتهُ أكبر رجل مالي في العالم.

ذلك أن حكومات أوروبا كانت قائمة في ذلك الأوان على نابوليون بونابرت خوفًا من بطشهِ واتساع سلطتهِ، وكانت جيوش نابوليون تخترق أوروبا شرقًا وغربًا شمالًا وجنوبًا، وقد زحف قسمٌ كبيرٌ منها بقيادة الجنرال هوش فرانكفورت للانتقام من أمير هيس؛ لأنهُ كان يؤجر رجالهُ للإنكليز ليحاربوا بها بونابرت ويأخذ الأموال الكثيرة مقابل ذلك، ولما قرب الجنود من المدينة بلغ الأمير الخبر فعزم على الهرب من وجه الأعداءِ، ولكنهُ وقع في حيرةٍ ولم يدرِ ماذا يعمل بأموالهِ الكثيرة، فبعث إلى روتشلد وأْتَمنهُ على جانب كبير منها بغير ربًا، فابتدأت من ذلك الحين ثروة بيت روتشلد، وكان الأقرب إلى الظن أن روتشلد يرفض طلب أمير هيس؛ لأن المال شرك الردى، ولا سيما في مثل هذه الأحوال ولو رفض لتغير تاريخ أوروبا، فإنهُ يقال عن ثقة: إن بيت روتشلد حفظ السلم ثلاث مرات، ولكنهُ قبل أموال الأمير وخبأها في حفرة تحت الأرض؛ لأنهُ عرف أن الجنود ستدخل بيتهُ لا محالة، ودخلت الجنود الفرنساوية بعد قليل إلى فرانكفورت، ودخلت البيوت تنهب ما فيها، وجاءت بيتهُ فأخذ يتوسل إليهم أن يتركوا لهُ شيئًا من مالهِ فلم يصغوا إليهِ، بل نهبوا كل ما وجدوهُ في البيت، ولو أخفى أموالهُ الخاصة مع أموال الأمير لفتشت الجنود عنها ووجدتها ووجدت أموال الأمير معها، ولكنهُ افتدى أموال الغير بمالهِ، وذلك مما يدل على أمانتهِ ووفائهِ، والوفاءُ مشهورٌ عن اليهود من أيام السموأل بن عادياء فإنهُ جاءَ بابنهِ دون دروع امرئ القيس.

ولما أجلت الجنود عن المدينة ورجع الأمن إليها أرسل روتشلد جانبًا من المال إلى ابنهِ في لوندرا، وأخذ يستعمل الباقي ويدينهُ برِبًا فاحش إلى ملوك أوروبا الذين كانوا في حاجةٍ كبيرة؛ لينفقوا على الحروب ويقوموا بتعبئة الجيوش، وهم يأخذون هذا الربا من شعبهم، وحتى يومنا هذا كل مكلف في أوروبا ومصر يدفع شيئًا من مالهِ الخاص إلى بيت روتشلد عن يد حكومتهِ، فاعجب ببيت يأخذ الجباية من نحو ٤٠٠ مليون نفس.

هكذا استعمل روتشلد المال المودع بطرقٍ شريفة وربح من ورائهِ أرباحًا عظيمة وجمع ثروةً طائلة لا تُحصى ولا تقدر، ولما رجع أمير هيس إلى فرانكفورت عرض عليهِ روتشلد أن يُرجع إليهِ مالهُ فرفض وأبقاهُ عندهُ لعشرين سنة بربا اثنين في المائة، وأهدى إلى ابنهِ هدايا سنية.

شهرة روتشلد

وزادت شهرة روتشلد بعد ذلك فصار يسلف الأمراءَ والأشراف في أوروبا، ويقدم لوازم جيش نابوليون، وعقد قرضًا كبيرًا لحكومة الدانيمرك بمبلغ عشرة ملايين سالير (السالير أربعة فرنكات)، وعقد سلف كثيرة أخرى لحكومة روسيا وهولاندا وإنكلترا، واستعانت بهِ هذه الأخيرة على إرسال النقود إلى البلاد الأوروبية نفقةً للجنود ودفع الرواتب التي كانت خصتها بملوك أوروبا ليقاوموا معها نابوليون، ولم يستطع أحدٌ من الماليين مجاراتهُ ولم يلبِّ طلب إنكلترا غيرهُ، ويقال: إنهُ ربح ما ينيف على مليون جنيه بإرسال المال إلى الجنود الإنكليزية وأنصارها في إسبانيا في أقل من ثماني سنوات، وكان روتشلد على جانب عظيم من الفطنة والنباهة لا يشترك في دَيْن إلَّا إذا أنعم النظر فيهِ، وتأكد من عواقبهِ السليمة وأرباحهِ الكثيرة، وبهذه الطريقة جمع أموالهُ الطائلة وخلف لبنيهِ من بعدهِ مركزًا ماليًّا يحسدهم عليهِ سائر العالم، وقلَّما حصل عليهِ أحدٌ من قبلهم أو بعدهم.

 

سيرة ماير روتشلد

وكان ماير روتشلد حسن السيرة دمث الأخلاق فعالًا للخيرات مساعدًا لأبناءِ جنسهِ، ولم يمنعهُ مقامهُ وثروتهُ من المداومة على المعيشة البسيطة المنفردة، ولم يغير منزلهُ الأصلي الذي كان يسكن فيهِ وهو متوسط الحال، وقد توفي فيهِ وبقيت امرأتهُ فيهِ حتى استأثرت بها رحمة ربها.

 

وصاية ماير روتشلد

وقبل وفاتهِ جمع حولهُ أولادهُ الخمسة وهم أنسيلم وسلمون وناثان وشارل وجامس، فباركهم وأوصاهم أن يتمسكوا بدينهم وشريعتهم ويعيشوا بالوفاق والاتحاد والمحبة الأخوية ولا يعملوا عملًا بغير أن يتشاوروا فيهِ كلهم، وقد تبع أولادهُ نصيحتهُ فكانوا لا يبرمون أمرًا عظيمًا ما لم يجتمعوا ويتشاوروا ويقلبوا الأمر ظهرًا لبطن، وهذا سرُّ نجاحهم، وقد اتفقوا وتشاركوا في تأسيس بيوتات مالية في أعظم مدن أوروبا واستلم كل واحدٍ منهم إدارة بيتٍ منها، فبقي أنسيلم أكبرهم في فرانكفورت، وذهب سلمون إلى فينا، وناثان إلى إنكلترا، وشارل إلى نابل، وجامس إلى باريس، فأدار كلٌّ منهم القسم الذي خصَّ بهِ واعتمد على إخوتهِ في الأشغال العمومية الكبيرة؛ لتكون مشتركة بينهم وصار كلٌّ منهم بمقام الخمسة؛ لأن كل واحد كان يعلم إخوتهُ بما يقف عليهِ من الأخبار ويعينهُ ويستعين بهِ في الأعمال، وبذلك أثبتوا المثل القائل الاتحاد قوة، وقد خدمتهم حوادث سنة ١٨١٣ و١٨١٤، ومنها اتسعت ثروتهم وزاد نفوذهم، وكانوا يرضون بالربح القليل ويعاملون الجميع بالصدق والاستقامة، وامتدت أعمالهم حتى غمرت جميع ممالك أوروبا، وعمت التجارة والصناعة والزراعة وصار بيت روتشلد إخوان محور المشروعات الكبيرة وعليهِ مدار الأعمال المالية.

إمبراطور النمسا وعائلة روتشلد

وقد شرف إمبراطور النمسا عائلة روتشلد ومنح أفرادها وسلالتهم لقب بارون، وعينهم قناصل ووكلاءَ لدولتهِ في المدن التي كانوا يسكنونها، وأشاع بعضهم أن إخوان روتشلد عازمون على إعادة بناءِ هيكل سليمان على نفقتهم.

 

شهرة بيت روتشلد

هذا وشهرة بيت روتشلد غنيةٌ عن البيان لا تحتاج إلى برهان، ولهم مآثر كثيرة شملت أبناءَ أمتهم والبلدان التي استوطنوها، ولنسائهم الأيادي البيضاءِ في المدارس والمستشفيات العديدة وعمل المبرات، وسيبقى اسم هذا البيت عظيمًا ما دامت الحضارة ناشرةً لواءَها على العالم.

أغنياء اليهود من كتاب: تاريخ الإسرائيليين تأليف: شاهين مكاريوس

وللأطلاع على كتاب تاريخ الإسرائيليين كاملًا يمكنك شراء الكتاب ويصلك حتى باب المنزل


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: Content is protected !!