تؤثِّر تكنولوجيات المعلومات والاتصال على الحياة الأخلاقية للعامل الفاعل بطرق متعددة. للتبسيط، يمكن تنظيم تكنولوجيات المعلومات والاتصال تخطيطيًّا وفق ثلاثة مسارات على النحو التالي: هب أن الفاعل الأخلاقي «أ» حريص على مواصلة ما يعتبره أفضل مساراته، بالنظر إلى حالته. سنفرض أن تقييمات الفاعل «أ» وتفاعلاته تحظى بقيمة أخلاقية «ما»، وإن لم تكن ثمة حاجة إلى تحديد قيمة محددة في هذه المرحلة. بداهةً، قد يستفيد «أ» ببعض المعلومات لنفسه (المعلومات بصفتها «موردًا») لتوليد بعض المعلومات الأخرى (المعلومات بصفتها «منتجًا») وبعمل ذلك، تتأثر بيئته المعلوماتية (المعلومات بصفتها «هدفًا»). سيساعد هذا النموذج البسيط، الذي يلخصه الشكل ٨-١، في توجيهنا بعض الشيء في الموضوعات المتعددة التي تنتمي إلى مجال أخلاقيات المعلومات. سأشير إلى هذا النموذج باسم نموذج المورد-المنتج-الهدف.

 شكل ٨-١: نموذج المورد-المنتج-الهدف «الخارجي».

أخلاقيات المعلومات

يفيد نموذج المورد-المنتج-الهدف في تصحيح التركيز الزائد في بعض الأحيان على بعض التكنولوجيات بعينها (يحدث هذا بصورة ملحوظة في مجال أخلاقيات «الكمبيوتر»)، من خلال تسليط الضوء على الظاهرة الأكثر جوهرية للمعلومات في جميع تنويعاتها وتاريخها الطويل. كان ذلك أيضًا هو موقف وينر، وتتعلق الصعوبات الكثيرة التي يجري مواجهتها في الأسس المفهومية لأخلاقيات الكمبيوتر بعدم الاعتراف بَعدُ بأخلاقيات الكمبيوتر باعتبارها أخلاقيات بيئية في المقام الأول، ومجال اهتمامها الرئيسي يجب أن يكون الإدراة البيئية وسلامة الحيز المعلوماتي.

منذ ظهور الأعمال الأولى في ثمانينيات القرن العشرين، كانت أخلاقيات المعلومات تدور حول دراسة الموضوعات الأخلاقية المنبثقة عن أحد «أسهم المعلومات» الثلاثة المختلفة في نموذج المورد-المنتج-الهدف.

 

أخلاقيات المعلومات بصفتها منتجًا

معنًى ثانٍ وثيق الصلة تلعب فيه المعلومات دورًا أخلاقيًّا مهمًّا؛ ألا وهو المعلومات بصفتها «منتجًا» لعمليات التقييم الأخلاقية التي يقوم بها «أ» وأفعاله. لا يعتبر «أ» مستهلكًا للمعلومات فقط، بل هو أيضًا منتج للمعلومات، ربما يخضع إلى قيود فيما ينتهز الفرص. تتطلب تلك القيود والفرص تحليلًا أخلاقيًّا. من هنا، ربما تغطي أخلاقيات المعلومات — كما نفهمها الآن كأخلاقيات معلومات بصفتها منتجًا — الموضوعات الأخلاقية المنبثقة، على سبيل المثال: في سياق «المحاسبة»، «المسئولية»، «قضايا التشهير»، «الشهادة»، «السرقات الأدبية»، «الإعلان»، «الدعاية»، «إيصال المعلومات الخاطئة»، وبصورة عامة «القواعد العملية للاتصال». يعتبر تحليل لا أخلاقية «الكذب» الذي طرحه إيمانويل كانط (١٧٢٤–١٨٠٤) أحد أفضل دراسات الحالة في الكتابات الفلسفية المتعلقة بهذا النوع من أخلاقيات المعلومات. تذكرنا كاسندرا ولاوكون، في تحذيرهما العبثي للطرواديين من الحصان الخشبي لليونانيين، بما قد تؤدي إليه الإدارة غير الفعالة للمنتجات المعلوماتية من عواقب مأساوية.

 

أخلاقيات المعلومات بصفتها هدفًا

بصرف النظر عن مدخلات «أ» من المعلومات (الموارد المعلوماتية) والمخرجات (المنتجات المعلوماتية)، هناك معنًى ثالث ربما تخضع فيه المعلومات إلى تحليل أخلاقي، تحديدًا عندما تؤثر عمليات تقييم وأفعال «أ» الأخلاقية على البيئة المعلوماتية. تشمل أمثلة ذلك احترام «أ»، أو انتهاكه، خصوصية أو سرية معلومات شخص آخر. ومثال جيد آخر ألا وهو «القرصنة»؛ لأنها بمثابة الاطِّلاع غير المصرَّح به على نظام معلومات (مميكن عادةً). ومن الشائع اعتبار القرصنة على نحو غير صحيح إحدى المشكلات التي تجب مناقشتها في الإطار المفهومي لأخلاقيات الموارد المعلوماتية. وهي بذلك خطأ في التصنيف يسمح للقرصان بالدفاع عن موقفه من خلال الدفع بعدم استخدام المعلومات التي تم الدخول إليها (دع عنك إساءة استخدامها). إلا أن القرصنة — بمفهومها الصحيح — هي أحد أشكال انتهاك الخصوصية. محل السؤال الآن لا يتمثل فيما إذا كان «أ» يستخدم المعلومات التي جرى الاطِّلاع عليها دون تصريح، بل ما يعنيه أن يدخل «أ» إلى البيئة المعلوماتية دون تصريح. لذا ينتمي تحليل القرصنة إلى أخلاقيات المعلومات بصفتها هدفًا. تشمل الموضوعات الأخرى ذات الصلة هنا «الأمن»، «تخريب الممتلكات» (من حرق المكتبات والكتب إلى نشر الفيروسات)، «القرصنة»، «الملكية الفكرية»، «تطبيقات المصدر المفتوح»، «حرية التعبير»، «الرقابة»، «الترشيح»، و«رقابة المحتوى». يعتبر كتاب «عن حرية الفكر والحوار» لمؤلِّفه جون ستيوارت مِل (١٨٠٦–١٨٧٣) أحد الكتب الكلاسيكية حول أخلاقيات المعلومات والذي تم تفسيرها بأخلاقيات المعلومات بصفتها هدفًا. تبين جولييت من خلال محاكاة موتها، وهاملت من خلال تمثيل الإعداد لقتل أبيه؛ كيف قد تؤدي الإدارة غير الآمنة لبيئة المعلومات إلى عواقب مأساوية.

 

المعلومات مقدمة قصيرة جدًّا تأليف: لوتشانو فلوريدي

ترجمة: محمد سعد طنطاوي – مراجعة: علا عبد الفتاح يس – مؤسسة هنداوي


1 تعليق

بحث عن أخلاقيات المعلومات بصفتها أخلاقيات موسعة - كلام كتب · 22 أبريل، 2018 في 11:54 م

[…] «الوجود» محل كلمة «الحياة» وسيصبح جليًّا ما تعنيه أخلاقيات المعلومات. تمثِّل أخلاقيات المعلومات أخلاقيات بيئية تتمحور حول […]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: Content is protected !!